الأسوة الحسنة
الأسوة الحسنة / الدكتور أسامة حسن مصطفى حماد
الأسوة الحسنة
الدكتور أسامة حسن مصطفى حماد
الأسوة الحسنة هي النبراس المنير الذي يحدو ركب المسيرة إلى صلاحها، ويؤم الجماعة إلى فلاحها !!
وربط المجتمع بعظمائه المخلصين وعلمائه الممكنين من أعظم دعائم البناء، وأوثق عرى الإصلاح، وأشد أسس التعمير !!
وما رسل الله وأنبياؤه بكتبهم ورسالاتهم، في تاريخ هذا الجمع الإنساني إلا شموس الحياة وأقمارها، وأضواء الحياة وهداياتها، وهم في حقيقتهم تاريخ ممتد بأسباب الصلاح والفلاح لبني الإنسان من السماء إلى الأرض، وهم لقاح العافية من جراثيم الأمراض العالقة في نفوسهم، ومصل الوقاية من الأدران المتفشية في قلوبهم !!
لابد من نجوم ساطعة في ليل الحائرين، ولا بد من قمر بازغ يبدد دياجير ظلامهم في ليلهم البهيم !!
فلو لم يكن الأنبياء والرسل لضلت قافلة البشر وتردت في عماها، ولضلت في رَدَاها، وهوتْ بهم في منقلب سحيق !!
لو لم يكن رسول الله “صلى الله عليه وسلم” لانحصر الجنس البشري في قوقعة غوايته، ولاحتبس في زنزانة شقاوته، ولأكل قويهم ضعيفهم، واستباح كبيرهم صغيرهم، ولظلت قافلة البشر سادرة في طريق ضلالها حتى تقتلعها فتن شياطينها وتلقي بها في وادي سحيق !!
وكل التحولات الكبيرة في تاريخ الجنس البشري كانت وليدة عقول رائدة، ونتيجة أفهام عميقة، وثمار أفكار واعية !!
ولو لم يكن واشنطن، ولينكولن، وفرانكلين، وإديسون، وغيرهم من نجباء العلم وفرسان الفلسفة وأساطين الثقافة في أمريكا، ما وثب العلم فيها تلك الوثبات المذهلة، ولا رفرف علمها خفاقا في سماء العلم والمعرفة والتقدم التكنولوجي الرهيب !!
ولو لم يكن كانط، وجوته، وماكس مولر، وشوبنهور في ألمانيا، لما خطت ألمانيا خطواتها الفساح في طريق نهضتها العلمية الباهرة، ولا كانت تلك العبقرية الظافرة في شتى ميادين الحياة، كذلك جميع الدول التي طارت بجناح العلم إلى فضاءات عزتها وأفلاك رفعتها، كلها كانت تأتم بعلمائها، وتهدي بعظمائها، وتقتدي بمفكريها !!
ولو لم يكن ديكارت، وروسو، وموبسان، وهوجو وغيرهم من من فلاسفة فرنسا وأدبائها، لما نهضت فرنسا، ولا تحطمت فيها القيود، وتهدمت السدود، ومُحِقَتْ الحدود، ولظلت فرنسا ترزح بائسة في زنزانة قهرها، وتنوخ في سجن ذلها !!
وما نهضت ماليزيا وسنغافورة وكوريا وتبوأت مقامات العز والتمكين إلا يوم غالبت هواها، وداست عصبيتها، وهجرت جهالتها، وما كانت زراية أمة ولا نكوصها في ميادين الريادة والسيادة والسبق إلا مقرونة بخاصة هامة من احتقار العلماء والاحتفاء بالسفهاء، والإشادة بالدجالين والمخرفين، في الوقت الذي يُضَيَّقُ فيه على المخلصين والمتجردين، والنجباء والموهوبين !!
وما الوضيع الساقط، ولا الماجن الفاجر في سفينة الحياة إلا الخرق المتكفل بغرق السفينة في قبرها العميق، ومُشَيِعُهَا إلى حتفها في بحرها الواسع، ومسمار نعش القافلة وهي تتحدر في طريقها إلى نهايتها المحتومة !!
ألف ذراع متسقة ومؤتلفة ومتفقة تخرق الأرض، وتدك الجبل، وتقشع البحر، ولكنها عندما تتعاكس وتتخالف وتتنافر لا تساوي يدا واحدة، ولا تعدل نَفَسَ طفل صغير !!
فلسفة الكعبة أنها قبلة تؤم الوجوه، وتوحد الصفوف، وتجمع الغايات، وتوثق الصلات !!
تتلاقى فيها وجوه المصلين عند نقطة واحدة وهم متقابلون، لأن الله تعالى وحدهم بائتلاف قلوبهم وعقولهم، وتجانس أمزجتهم وأفكارهم !!
فلابد من توحيد الجماعة لتحقيق الألفة، ولابد من إزالة العقبات لمحق المعوقات، ولابد من تشييد جسور المودة لتسود روح المحبة؛ وكل ذلك ممتنع حتى يؤم القافلة عقل راشد، ويهديها إلى صلاحها فكر سديد !!