منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

سلة القمامة (قصة قصيرة)

سلة القمامة (قصة قصيرة)/ رشيد الفائز

0

سلة القمامة (قصة قصيرة)
بقلم: رشيد الفائز

كان الأستاذ رشاد في انتظار الحافلة التي سوف تقله إلى المدينة القديمة، وإذا به يرى مشهدا غريبا ومؤلما لم يتوقع أن يحدث أمام عينيه في ذلك اليوم: شاب في مقتبل العمر يكاد يجزم الأستاذ رشاد أنه لم يتجاوز الثلاثين من عمره، ملامحه توحي أنه في صحة جيدة، وفي كامل قواه العقلية والجسمية. وكانت في يده علبة حليب أخذ يرتشفها في انتظار قدوم حافلة النقل العمومي.وكان فراغه من شربها متزامنا مع قدوم الحافلة. وإذا به يرمي علبة الحليب الفارغة من يده على الأرض ويصعد الحافلة.

لم تكن حركة رمي الشاب للعلبة حركة عادية ! لأنه رماها بشكل عفوي، وكأن الأمر جد معتاد ! جار به العمل ! ليس فيه أي أدنى شعور بالذنب أو القلق ! فأن تلقي بالأزبال وسط الشارع العام ! وسط المدينة ! وأمام الناس ! وتصعد إلى حافلة فاخرة مجهزة بأحدث التقنيات شيء جد عادي!
ذلك ما استفزالأستاذ رشاد حتى كاد أن يتبع الشاب ويسأله عن سر طمأنينته وهو يقترف تلك الفعلة الشنيعة !
قال الأستاذ رشاد في نفسه : هل سأحول رمي علبة حليب فارغة في الشارع العام إلى قضية رأي عام ! وبدأ يتساءل عن الأبعاد الفلسفية لهذا المنظر غير الجميل !

هل تلاشى حس المسؤولية سواء الفردية منها أوالجماعية تجاه نظافة الشارع العام ؟

و ما دور مؤسسة التربية الوطنية والتعليم في زرع روح هذه المسؤولية في أطفالنا وشبابنا ؟

وما دور سلطات المدينة في توفير قمامات عمومية في مختلف شوارع المدينة ؟

وما دور الأسرة والوالدين في ترسيخ القيم في نفوس الاطفال والشباب ؟

وما دور مؤسسات المجتمع المدني في استكمال التوعية والحملات التطوعية للنظافة ؟

وما دور المؤسسات الدينية والنهوض بالشعور الديني بضرورة إماطة الأذى وليس إيذاء البلاد والعباد ؟

وما دور النهي عن المنكر ولو بالقلب حتى لا يتم التطبيع مع الفساد البسيط والمبسوط ؟

وما دور القوانين الزجرية وتنفيذها ضد المخالفين المعاندين ؟

وما دور الإعلام في تنمية الشعور الوطني ومسؤولية كل فرد في الحفاظ على صورة المدينة أنيقة نظيفة ؟

شعر الأستاذ رشاد بدوار في رأسه وهو يستعرض كل تلك الأسئلة التي شكلت غمامة سوداء فوق رأسه ! فلم ينقذه من تلك الحيرة إلا ذكرياته الجميلة عن بعض معلميه وأساتذته رحمهم الله، والذين كانوا يعلمون تلامذتهم ويربونهم على أن سلة القمامة الموضوعة في طرف القسم ليست مجرد سلة عادية، بل هي رمز لكل قيم المسؤولية والمواطنة والأخلاق والمعملات ! وكانوا وهم صغار يفتخرون ويمشون بكل اعتزاز نحو تلك السلة يلقون فيها بورقة أو شائبة ويرجعون إلى أماكنهم وكأنهم قاموا بأكبر واجب في التاريخ ! وهو المحافظة على نظافة المكان.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.