دراسة حديث: “من نفس عن مؤمن كربة…”
الطالب محمد مصباح
دراسة حديث: “من نفس عن مؤمن كربة…”
الطالب محمد مصباح
نص الحديث:
حدثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيُّ -وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى-(قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الْآخَرَانِ: حدثنا) أبو معاوية عن الأعمش، عن أبي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ :قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم “مَن نَفَّسَ عن مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِن كُرَبِ الدُّنْيَا، نَفَّسَ اللَّهُ عنْه كُرْبَةً مِن كُرَبِ يَومِ القِيَامَةِ، وَمَن يَسَّرَ علَى مُعْسِرٍ، يَسَّرَ اللَّهُ عليه في الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَمَن سَتَرَ مُسْلِمًا، سَتَرَهُ اللَّهُ في الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَاللَّهُ في عَوْنِ العَبْدِ ما كانَ العَبْدُ في عَوْنِ أَخِيهِ، وَمَن سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فيه عِلْمًا، سَهَّلَ اللَّهُ له به طَرِيقًا إلى الجَنَّةِ، وَما اجْتَمع قَوْمٌ في بَيْتٍ مِن بُيُوتِ اللهِ، يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ، وَيَتَدَارَسُونَهُ بيْنَهُمْ؛ إِلَّا نَزَلَتْ عليهمِ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَحَفَّتْهُمُ المَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَن عِنْدَهُ، وَمَن بَطَّأَ به عَمَلُهُ، لَمْ يُسْرِعْ به نَسَبُهُ”. رواه الإمام مسلم في صحيحه[1].
تخريج الحديث:
هذا الحديث أخرجه الإمام مسلم في صحيحه ضمن “كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار”، باب: “فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر” تحت رقم: 2699. كما أخرجه –بنفس اللفظ-الإمام أحمد في مسنده، ضمن مسند أبي هريرة رضي الله عنه، تحت رقم: 7427. وأخرجه الإمام الترمذي في سننه ضمن “أبواب الحدود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم”، باب “ما جاء في الستر على المسلم” تحت رقم: 1425، وكذلك ضمن “أبواب البر والصلة” باب” ما جاء في الستر على المسلم” تحت رقم:1930، دون ذكر فضل السعي لطلب العلم.
وقد جاء الحديث بصيغ أخرى اقتصرت على ذكر التفريج عن الناس والتخفيف عليهم وتيسير أمورهم دون ذكر فضل طلب العلم والاجتماع على مدارسة كتاب الله والتحذير من الاتكال على الأنساب، منها:
ما جاء في الصحيحين من حديث ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: “المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يسلمه، ومن كان في حاجة أخيه، كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم، فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة.”
وخرج الطبراني من حديث كعب بن عجرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: “من نفس عن مؤمن كربة من كربه، نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر على مؤمن عورته، ستر الله عورته، ومن فرج عن مؤمن كربة، فرج الله عنه كربته.”
ترجمة الإمام مسلم:
هو أبو الحسين مسلم بن الحجاج النيسابوري ولد بمدينة نيسابور سنة 206 هـ وتوفي بها سنة 261هـ. رحل إلى الحجاز ومصر والشام والعراق في طلب الحديث، وكان أحد أئمة الحديث وحفاظه، اعترف علماء عصره ومن بعدهم له بالتقدم والإتقان في هذا العلم، وكان إماماً جليلاً مهاباً، غيوراً على السنة، تتلمذ على البخاري واستفاد منه ولازمه. من شيوخه الكبار إسحاق بن راهويه، وأحمد بن حنبل، وسعيد بن منصور وغيرهم… ومن الذين رووا عنه الترمذي وأبو حاتم الرازي وابن خزيمة.
وقد صنف الإمام مسلم كتباً كثيرة وأشهرها صحيحه الذي صنفه في خمس عشرة سنة.
رواة الحديث[2]:
يحيى بن يحيى النيسابوري: هو يحيى بن يحيى بن بكر بن عبد الرحمن بن يحيى بن حماد التميمي النيسابوري المكنى بأبي زكريا، توفي سنة 226ه. قال عنه ابن حجر: ثقة ثبت إمام.
أبو بكر بن أبي شيبة الحافظ: هو عبد الله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان بن خواستي العبسي، الهمداني الكوفي، المكنى بأبي كريب، توفي سنة 247ه. قال عنه ابن حجر: ثقة حافظ.
أبو معاوية الضرير: هو محمد بن خازم التميمي السعدي، المكنى بأبي معاوية الضرير، توفي سنة 145ه. قال عنه ابن حجر: ثقة أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد يهم في حديث غيره، وقد رمي بالإرجاء.
الأعمش: هو سليمان بن مهران الأسدي الكاهلي، المكنى بالأعمش، توفي 145ه. قال عنه ابن حجر: ثقة حافظ، عارف بالقراءات ورع، لكنه يدلس.
ذكوان أبو صالح السمان: هو أبو صالح السمان الزيات المدني، المكنى بأبي صالح السمان، توفي سنة 101ه. قال عنه ابن حجر ثقة ثبت.
أبو هريرة: هو أبو هريرة الدوسي اليماني، قيل اسمه عبد الرحمن بن صخر، المكنى بأبي هريرة، توفي سنة 57ه. قال عنه ابن حجر: حافظ الصحابة.
شرح مفردات الحديث:
نفَّس: أزال، وفرج.
كربة: شدة عظيمة، وهي ما أهم النفس، وغم القلب.
ومن يسر على معسر: بإنظاره إلى الميسرة، أو بإعطائه ما يزول به إعساره، أو بالوضع عنه إن كان غريما.
يسر الله عليه: أموره ومطالبه.
ومن ستر مسلما: لم يُعرف بأذى، أو فساد، بأنْ عَلِمَ منه وقوع معصية ولم يخبر بها أحدا.
ستره الله في الدنيا والآخرة: بألا يعاقبه على ما فرط منه.
من سلك طريقا: بالمشي بالأقدام إلى مجالس العلم، ويتناول أيضا الطريق المعنوي: كالحفظ والمذاكرة والمطالعة والتفهم.
يلتمس: يطلب.
علمًا: شرعيًّا، قاصدًا به وجه الله تعالى.
سهل الله له طريقا إلى الجنة: بتيسير ذلك العلم الذي طلبه والعمل بمقتضاه، وتسهيل طريق الجنة الحسي يوم القيامة وهو الصراط.
بيوت الله: المساجد.
السكينة: الطمأنينة والوقار.
غشيتهم الرحمة: شملتهم من كل جهة.
حفتهم الملائكة: أحاطت بهم بحيث لا يدعون للشيطان فرجة يتوصل منها للذاكرين.
وذكرهم الله: أثنى عليهم.
فيمن عنده: من الملائكة.
بطأ: قصر، لفقد بعض شروط الصحة أو الكمال.
لم يسرع به نسبه: لم يُلْحِقْهُ برتب أصحاب الأعمال الكاملة: لأن المسارعة إلى السعادة بالأعمال لا بالأحساب.
شرح الحديث:
هذا الحديث باب من أبواب الخير والبر والإحسان. فيه بشارة تدفع المؤمن للسعي إلى خدمة الناس والتيسير عليهم وقضاء حوائجهم. كما فيه ذكر لفضل طلب العلم والسعي إليه ومجالسة أهل العلم والقرآن. ويختم بالتحذير من الاتكال على الأنساب وإهمال الأعمال المقربة إلى الله ورضوانه. وسأحاول أن أخصص لكل من هذه المواضيع عنوانا مستقلا.
- خدمة الناس وقضاء حوائجهم والتيسير عليهم.
انطلاقا من المبدأ العام:﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾[الحجرات: 10] الذي أسسه القرآن الكريم وكرسته السنة النبوية فإن ديننا الحنيف يحثنا على خدمة الناس وقضاء حوائجهم والعمل على تفريج كربهم والتيسير عليهم ورفع العنت عنهم، طلبا لرضى لله سبحانه وتعالى، واستمطارا لرحماته، وطمعا فيما عنده، والله سبحانه وتعالى يقابل الإحسان بالإحسان،﴿ هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ٦٠﴾[الرحمن: 60]. وقد تعددت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي تذكر بفضل خدمة الناس وتقديم النفع لهم، نذكر منها على سبيل المثال قوله تعالى:﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ٢﴾[المائدة: 2]، وقوله عز وجل:﴿ مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا٨٥﴾[النساء: 85]. كما جاء في التيسير على المعسر قوله تعالى:﴿ وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ٢٨٠﴾[البقرة: 280]
والسنة النبوية حافلة بالأحاديث التي تدل على فضل خدمة الناس وقضاء حوائجهم، وتعدها من أفضل الأعمال التي ينال بها رضا الله سبحانه وتعالى، وتعود على المؤمن بالخير في الدنيا والآخرة. فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال يا رسول الله: أي الناس أحب إلى الله؟ وأي الأعمال أحب إلى الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أحب الناس إلى الله تعالى أنفعهم للناس، وأحب الأعمال إلى الله عز وجل؛ سرور تدخله على مسلم، أو تكشف عنه كربة، أو تقضي عنه دينا، أو تطرد عنه جوعا. ولأن أمشي مع أخ في حاجة، أحب إلى من أعتكف في هذا المسجد –يعني مسجد المدينة-شهرا. ومن كف غضبه ستر الله عورته، ومن كظم غيظه –ولو شاء أن يمضيه أمضاه-ملأ الله قلبه رجاء يوم القيامة، ومن مشى مع أخيه في حاجة حتى يثبتها له، أثبت الله قدمه يوم تزول الأقدام”.[3]
إن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو أسوتنا وقدوتنا، فقد كان يسارع في إغاثة الملهوف، ويعمل على قضاء حوائج الناس، كما روى ذلك الشيخان عن سيدنا أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جاءه السائل أو طلبت إليه حاجة، قال: “اشفعوا تؤجروا”، ويقضي الله على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم ما شاء.
وقد وعد الله عباده الذين يسعون في خدمة الناس وقضاء حوائجهم والتخفيف والتيسير عليهم بالأجر والثواب في الدنيا والآخرة. يقول الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله عند ذكره لهذا الحديث في كتاب الإحسان: “الله يحب المقسطين العادلين مع الخلق أجمع، والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه، درجة فوق درجة: أعلى العون عون المؤمن ثم عون المسلم ثم عون كل محتاج وإغاثة كل ملهوف ونصرة كل مظلوم.”[4]
إن خدمة الناس والتفريج عنهم والتخفيف عليهم هي من مهمات العاملين في حقل الدعوة إلى الله والساعين إلى إقامة دولة الإسلام، يقول الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله: “من مكملات الدعوة إدخال السرور على المسلمين وتنفيس كربهم، ومدافعة اضطهاد المستكبرين عنهم. حتى إذا اجتمعت الدعوة والدولة في يد المؤمنين كان معنى هذه الشعبة إقامة مجتمع يكرم فيه المسلمون، ويكرم فيه الإنسان”[5]. ويقول أيضا: “على جند الله أن يبسطوا يد الرحمة للمسلمين، ويبرهنوا للشعب بحملهم همومه، ورعايتهم لحقوقه، أن برنامج الحل الإسلامي إقامة مجتمع العدل والرحمة والكرامة”[6].
- فضل طلب العلم ومدارسة القرآن.
” وَمَن سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فيه عِلْمًا…” هذا الجزء من الحديث موضوع الدراسة فيه دعوة صريحة للسعي لطلب العلم لما له من فضل ولما للعلماء من مكانة وفضل على سائر الناس. وقد جاءت الكثير من النصوص القرآنية والأحاديث النبوية لتؤكد ها المعنى؛ يقول الله تعالى:﴿ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ١١﴾[المجادلة: 11]، ويقول سبحانه: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ٩﴾ [الزمر: 9]، كما جعل العلم سببا وطريقا لخشية الله تعالى، يقول عز من قائل: ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ٢٨﴾ [فاطر: 28]، ويقول أيضا: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ١٨﴾ [آل عمران: 18]. وقال صلى الله عليه وسلم: “إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يصنع”[7]، وقد ورد أن طلب العلم بمنزلة الجهاد في سبيل الله؛ روى الترمذي عن أنس مرفوعا: “من خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع”[8]. ويستشف من الحديث أن أفضل العلم هو العلم بكتاب الله سبحانه وتعالى تلاوة وحفظا ومدارسة، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” خيركم من تعلم القرآن وعلمه”[9].
يقول الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله تعالى بعد أن قسم العلم إلى قسمين؛ علم بالله وعلم بالكون، ومبينا أن أفضل العلم وأكمله هو العلم بالله وبوحيه: ” الكمال العلمي في طلب علم الوحي ليكون إماما وسيدا ومرشدا لعلوم الكون، وليكون السعي إلى تحصيله جهادا، ولتكون المشقة والصبر على امتلاكه وسيلة وطريقا إلى الجنة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له طريقا إلى الجنة”“[10]. ويقول أيضا: ” الكمال العلمي تعلم القرآن وتعليمه وتفريع كل علم سواه عنه من علوم الدين والدنيا. “خيركم من تعلم القرآن وعلمه”. حديث نبوي رواه البخاري وأبو داود والترمذي عن مولانا عثمان بن عفان رضي الله عنه”[11]. ولكون تعلم القرآن الكريم وحفظه ركن أساسي في التعليم يقترح الإمام عبد السلام رحمه الله أن يكون هذا التعليم في ميع مراحل التعليم، يقول رحمه الله: “من محضن الصبيان، إلى مدارس الفتيان، إلى جامعات الرجال، يكون حفظ القرآن، والعمل بالقرآن، وتعليم القرآن، صلب التربية والتعليم.”[12] ويقول أيضا في حديثه عن علم الوحي وعلم القرآن: “منه ننطلق وإليه ننتهي. به تُطبُّ القلوب، وبه تُهذب الأخلاق، وفي مدرسته تُطبع العلوم لتأخذ صبغة الله، وتُجند لخدمة دين الله”.[13]
- التحذير من الاتكال على الأنساب.
بعد أن عدد الحديث الشريف بعض أعمال البر والخير التي تقرب إلى الله تعالى، حذر من الاتكال على الأنساب وترك العمل الذي هو أساس نيل رضى الله يوم القيامة، وعليه يبنى مصير الفرد يوم الحساب. قال الإمام النووي في شرح هذا الحديث: “من أخره عمله عن دخول الجنة فليس نسبه هو الذي يسرع به إليها…لأن العبرة عند الله عز وجل بالتقى والأعمال الصالحة كما قال عز وجل:﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ١٣﴾[الحجرات: 13]“[14].يقول الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله: “مثل هذه الآية ترسم لذلك الأمي ولهذا الإنسان في كل زمان ومكان المسار الأمثل الذي يخطو به من مخلوقيته ومقهوريته إلى تتويج وجوده باختيار العمل الصالح الذي ينال به الكرامة عند الله في الدار الآخرة”[15]. وبالتقوى تكمل النفس، وتتفاضل الأعمال، وقد رتب تعالى الجزاء على الأعمال لا على الأنساب، كما قال عز وجل:﴿ فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ١٠١﴾[المؤمنون: 101][16]. وها هو صلى الله عليه وسلم يحرض أهل بيته وعشيرته الأقربين على لزوم التقوى، ويحذرهم من الاتكال على نسبهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي هو أشرف أنساب العالمين، فتقصر خطاهم عن اللحوق بالسابقين من المتقين كي يجتمع لهم الشرفان شرف التقوى وشرف النسب، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “يا معشر قريش! اشتروا أنفسكم من الله، لا أغني عنكم من الله شيئاً، يا بني عبد مناف! اشتروا أنفسكم من الله، لا أغني عنكم من الله شيئاً، يا عباس بن عبد المطلب! لا أغني عنك من الله شيئاً، يا صفية عمة رسول الله! لا أغني عنك من الله شيئاً، يا فاطمة بنت محمد! سليني من مالي ما شئت، لا أغني عنك من الله شيئاً” متفق عليه.[17]
ما يستفاد من الحديث:
- فضل قضاء حاجات المسلمين وخدمتهم ونفعهم بما تيسر.
- الترغيب في التيسير على المعسر.
- الحث على عون العبد المسلم وأن الله تعالى يعين المعين حسب إعانته لأخيه.
- التأكيد على أن الجزاء من جنس العمل.
- الحث على طلب العلم.
- الحث على الاجتماع على كتاب الله عزّ وجل وقراءته ومذاكرته.
- أن الجزاء إنما يرتبه الله على الأعمال لا على الأنساب.
توصيات:
- ضرورة الجمع بين العلم والعمل.
- الاهتمام بالقرآن الكريم والاجتماع على تعلمه وحفظه ومدارسته.
- جعل القرآن الكريم مادة أساسية في جميع برامج والتعليم وفي جميع مستوياته.
- التهمم بالمسلمين خاصة وبالناس عامة وخدمتهم وقضاء حوائجهم والتخفيف عنهم خدمة لدعوة الله سبحانه وتعالى.
خلاصة:
الإسلام دين متوازن يجمع بين العلم والعمل. فأفضل العلم هو العلم بكلام الله سبحانه وتعالى، والاجتماع عليه ومدارسته، واتخاذه منطلقا وأساسا تبنى عليه جميع العلوم الأخرى.
كما أن أفضل الأعمال التي ينال بها رضا الله بعد الفرائض؛ أعمال البر والخير، وخدمة الناس وتقديم العون لهم وتفريج كربهم والتخفيف والتيسير عليهم.
[1]– صحيح مسلم، الإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري (206/261)، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء الكتب العربية، ط.1، 1991، ص: 2074.
[2]– جامع الكتب التسعة. “تطبيق للهاتف النقال”.
[3] – رواه الطبراني في المعجم الصغير، رقم:861، المكتبة الشاملة.
[4] – الإحسان، عبد السلام ياسين، ج 1، ص: 467-468.
[5] – المنهاج النبوي، عبد السلام ياسين، دار الأفق، الطبعة 4، 2001، ص: 144-145
[6] – نفس المرجع، ص: 144
[7] – من حديث أبي الدرداء الذي رواه أحمد وأصحاب السنن وابن حبان.
[8] – رواه الترمذي في باب طلب العلم برقم 2649، وقال حديث حسن غريب.
[9] – رواه البخاري وأبو داود والترمذي والدارمي وأحمد.
[10] – تنوير المومنات، عبد السلام ياسين، مطبوعات الأفق، ط1، 1996، الجزء 2، ص:70.
[11] – نفس المرجع، نفس المرجع، ص:70
[12] – المنهاج النبوي، مرجع سابق، ص: 213.
[13] – إمامة الأمة، عبد السلام ياسين، دار لبنان للطباعة والنشر، ط1، 2009، ص:158.
[14] – المكتبة الشاملة، كتاب شرح الأربعين النووية، عبد المحسن عباد، ج32، ص:7.
[15] محنة العقل المسلم، عبد السلام ياسين، مؤِسسة التغليف والطباعة والتوزيع للشمال، الطبعة 1، 1994، ص:33.
[16] – المكتبة الشاملة، كتاب علو الهمة، محمد إسماعيل المقدم، ج4، ص:4.
[17] – نفس المرجع.