منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الآداب الحسان لمتعلمي القرآن (2) الطهارة

يعقوب زروق

0

الآداب الحسان لمتعلمي القرآن (2) الطهارة

بقلم: يعقوب زروق

 

​ الآداب الحسان لمتعلمي القرآن (1) النية والإخلاص.

 

أولا: الطهارة صفة الرب سبحانه وصفة كلامه:

الطهارة في ديننا أمر ذو بال، فهي صفة الرب سبحانه. عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن الله طيب يحب الطيب، نظيف يحب النظافة، كريم يحب الكرم، جواد يحب الجود، فنظفوا -أراه قال- أفنيتكم، ولا تشبهوا باليهود”.[1]

وهي صفة كلامه سبحانه، قال تعالى: ﴿رسول من الله يتلو صحفا مطهرة﴾. ( البينة 2)

قال القرطبي رحمه الله: “فالمطهرة نعت للصحف في الظاهر، وهي نعت لما في الصحف من القرآن”[2].

وقال قتادة رحمه الله: ﴿رسول من الله يتلو صحفا مطهرة﴾ يذكر القرآن بأحسن الذكر، ويثني عليه بأحسن الثناء.[3]

ثانيا: الطهارة طهارتان:

القرآن الكريم كلام الله، يستدعي الأدب معه التزام الطهارة بكل أنواعها؛ فلذلك أُمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالطهارة في بدء الوحي وهو يتلقى السور والآيات الأولى غضة طرية، أمره الله بها في قوله تعالى: ﴿وثيابك فطهر﴾ (المدثر 4).

والثياب يطلق في كلام العرب على اللباس، وعلى العمل، وعلى القلب كذلك؛ فيقال للرجل الصالح: “نقي الثياب”. وقال امرؤ القيس: “فسلي ثيابي من ثيابك تنسل”؛ أي: قلبي من قلبك.

والطهارة كذلك أنواع: حسية للبدن واللباس والمكان، ومعنوية للنفس تزكيها، وللقلب تطهره، وللسلوك تهذبه، وللعمل تصلحه. وكل هذه المعاني تحتملها اللغة، وتستفاد من الآية، وتعضدها الأدلة.

فهي إذن لازمة لقارئ القرآن ومتعلمه؛ بما هي طهارة حسية من أدران المادة، وبما هي طهارة معنوية من قبيح الأفعال وأدواء القلوب.

ثالثا: أحكام الطهارة وفقهها:

أ – مس المصحف:

مس المصحف يشترط له الطهارة من الحدث الأكبر (الغسل) بإجماع المذاهب الأربعة، فيشترطون جميعاً الطهارة من الجنابة والحيض والنفاس. أما الطهارة من الحدث الأصغر (الوضوء) فالجمهور يشترطونها، وذهب بعض الفقهاء إلى جواز مسه للمحدث حدثاً أصغر مع الكراهة.

واحتج الجمهور بقوله تعالى: ﴿لا يمسه إلا المطهرون﴾ فعلى اختلاف ما قيل في معانيها؛ قال كثيرون: ﴿لا يمسه إلا المطهرون﴾ أي: من الجنابة والحدث. قالوا: ولفظ الآية خبر ومعناها الطلب، قالوا: والمراد بالقرآن هاهنا المصحف.[4]

واحتجوا كذلك بما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده؛ أن النبي ﷺ كتب إلى أهل اليمن كتاباً وبعث به مع عمرو بن حزم فيه: “وأن العمرة الحج الأصغر، ولا يمس القرآن إلا طاهر”.[5]

ويستثنى من ذلك المصحف الإلكتروني، في هاتف أو غيره؛ فالطهارة مستحبة وليست واجبة على الأرجح. ويستثنى كذلك ما هو جزء من مصحف.

ب – الطهارة للتلاوة:

الواجب الطهارة الكبرى عند تلاوة القرآن، ولا يجب الوضوء وإنما يستحب إن كانت التلاوة من حفظ القارئ أو من غير المصحف.

فالجنب لا يجوز له قراءة القرآن مطلقاً -ولو من غير مس المصحف- حتى يغتسل؛ لقوله ﷺ: “لا يقرأ الجنب ولا الحائض شيئاً من القرآن”[6].

جــ – الطهارة لمعلم القرآن ومتعلمه:

إذا كان المعلم أو المتعلم رجلاً فالواجب الطهارة الكبرى من الجنابة، أما الوضوء فلا بأس بتركه عند القراءة أو التصحيح.

سئل مالك عن اللوح فيه القرآن أيمس على غير وضوء؟ فقال: أما للصبيان الذين يتعلمون فلا أرى به بأساً، فقيل له: فالرجل يتعلم فيه؟ قال: أرجو أن يكون خفيفا[7].

قال ابن رشد في البيان والتحصيل: “في مس بعضه على غير طهارة، فمن أجل ذلك خفف للذي يتعلم القرآن أو يشكل ألواح الصبيان أن يمس اللوح فيه القرآن على غير وضوء؛ لما يلحقه من المشقة في أن يتوضأ كلما أحدث، ولعل ذلك يكون في الأحيان التي يثقل فيها مس الماء فيكون ذلك سبباً إلى المنع من تعلمه”[8].

د- الحائض المعلمة أو المتعلمة:

للمؤمنات المعلمات أو المتعلمات أحكام فيها تيسير لما يطرأ عليهن؛ فالحائض المعلمة أو المتعلمة للقرآن رخص لهما التلاوة بسبب الحاجة التعليمية. فأجاز بعض الفقهاء للحائض أن تقرأ القرآن بقصد التعليم، أو التصحيح، أو بقصد الحفظ والمراجعة إذا كانتا تخشيان النسيان، بشرط أن لا تمسا المصحف مباشرة.

هـ – نظافة الفم:

يندب استخدام السواك أو تنظيف الأسنان لتطيب الرائحة قبل القراءة.

عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ: “إن أفواهكم طرق القرآن فطهروها بالسواك”.[9]

قال محمد بن الحسين الآجري: “وأحب لمن أراد قراءة القرآن، من ليل أو نهار أن يتطهر، وأن يستاك وذلك تعظيم للقرآن؛ لأنه يتلو كلام الرب عز وجل؛ وذلك أن الملائكة تدنو منه عند تلاوته للقرآن”.[10]

واستدل بهذا الحديث المرسل عن الزهري، قال: قال رسول الله ﷺ: “إذا تسوك أحدكم، ثم قام يقرأ، طاف به الملك يستمع القرآن، حتى يجعل فاه على فيه، فلا تخرج آية من فيه إلا في في الملك، وإذا قام يقرأ، ولم يتسوك، طاف به الملك، ولم يجعل فاه على فيه”.[11]

و – الطهارة لسجود التلاوة:

الجمهور يشترطون لسجود التلاوة نفس شروط الصلاة من الطهارة، وستر العورة، واستقبال القبلة. قال خليل رحمه الله في المختصر: “سجد بشرط الصلاة بلا إحرام وسلام قارئ ومستمع فقط”.


الهوامش:

[1] – سنن الترمذي 2799، والبزار 1114 بلفظه.

[2] – أبو عبد الله، محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، تحقيق: أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش، دار الكتب المصرية – القاهرة، الطبعة: الثانية، 1384 هـ، ج 20، ص 142

[3] – عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن كثير الدمشقي (ت 774 هـ)، تفسير القرآن العظيم، الناشر: مؤسسة قرطبة، مكتبة أولاد الشيخ، الجيزة – مصر، ج 14، ص 424).

[4]  – عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن كثير الدمشقي (ت 774 هـ)، تفسير القرآن العظيم.

[5] – أخرجه الطبراني (12/314) (13217)، والدارقطني (1/121)، والبيهقي (417)

[6] – أخرجه ابن ماجة (596)، والبزار (5925)، والبيهقي في الشعب (1934)

[7] – محمد الطاهر بن محمد بن محمد الطاهر بن عاشور التونسي (المتوفى: 1393هـ)، التحرير والتنوير «تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد»، ج 27، ص 332).

[8] – أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (ت 520 هـ)، البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة).

[9] – أبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني (ت 430 هـ)، حلية الأولياء وطبقات الأصفياء).

[10] – أبو بكر محمد بن الحسين بن عبد الله الآجري البغدادي (ت 360هـ)، أخلاق أهل القرآن، ص 145).

[11] – نفس المصدر السابق.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.