الآداب الحسان لمتعلمي القرآن (1) النية والإخلاص.
بقلم: يعقوب زروق
مقدمة:
إن تعلم كتاب الله تعالى من أجَلّ العبادات التي يتقرب بها متقرب إلى مولاه، لا بل من أعظم المنن التي أكرم الله بها عبدا اجتباه؛ نعمة تستوجب شكرا لله على ما أولى وأنعم وتفضل وتكرم. وإنما الشكر أن يتحقق العبد بآداب، إجلالا لله الوهاب، وتعظيما للكتاب، بها تستزاد النعمة وتعظم المنة؛ إذ هي عقالها أن تضيع، وهي حصنها المنيع.
يقول أبو حامد الغزالي رحمه الله: “ومن أسباب حفظه في القلوب والمصاحف استدامة تلاوته والمواظبة على دراسته، مع القيام بآدابه وشروطه، والمحافظة على ما فيه من الأعمال الباطنة والآداب الظاهرة”.[1]
وهذه الآداب منها ما هي آداب باطنة ومنها ما هي ظاهرة؛ منها ما هي في حق منزل الكتاب وما يجب له من الإخلاص والتعظيم، ومنها ما هي في حق نبيه عليه الصلاة والسلام كالاقتداء بتلاوته وقيامه، ومنها ما هي في حق آيه. منها آداب وقتية أثناء تلاوته وحفظه، ومنها آداب لازمة للمتعلم في كل أحواله.
أولا: الإخلاص والنية:
يعالج امرؤ نيته قبل بدء التعلم وأثناءه وبعده، ويسائل نفسه ويصارحها: ما نيتي من تعلمي كتاب الله؟ هل امتثالا للأمر الإلهي الحاث على تلاوته حق التلاوة، الآمر بقراءته، المحذر من هجرانه؟ وامتثالا للأمر النبوي الحاض على التمسك به، المبشر معلمه ومتعلمه بالخيرية؟ واقتداء به صلى الله عليه وسلم إذ كان يقوم به ويقرأه آناء الليل وأطراف النهار ويتخلق بأخلاقه؟ هل أريد وجه الله وطلب رضاه والزلفى إليه؟ أم حظوظ النفس والدنيا ومباهاة الأقران والتعالي على الخلان؟
يحدث مؤمن ومؤمنة نفسيهما بالإخلاص ويذكرانها بأن الأعمال بالنيات، وأن لكل امرئ ما نوى، وأن فساد الأعمال وصلاحها بها إذ تفسد أو تصلح، وأن الله ينظر إلى القلوب ويطلع على الأسرار، وأن الصالحين كانت النية أشد ما عالجوا، وأنهم كانوا يتعلمون الإخلاص كما نتعلم العمل، وأنهم كانوا يسترون حسناتهم كما نستر سيئاتنا أو أشد، ويقفان بباب المولى يرجوانه أن يخلص نياتهما ويقيهما شرور النفس الآمرة المتآمرة.
يعظان النفس دوما بحديث الثلاثة الذين يقضى عليهم أول الناس: عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إن الله تعالى إذا كان يوم القيامة ينزل إلى العباد ليقضي بينهم، وكل أمة جاثية، فأول من يدعو به رجل جمع القرآن، ورجل قتل في سبيل الله، ورجل كثير المال، فيقول الله للقارئ: ألم أعلمك ما أنزلت على رسولي؟ قال: بلى يا رب. قال: فماذا عملت فيما علمت؟ قال: كنت أقوم به آناء الليل وآناء النهار، فيقول الله له: كذبت، وتقول الملائكة: كذبت، ويقول الله له: بل أردت أن يقال: فلان قارئ، فقد قيل ذلك. ويؤتى بصاحب المال، فيقول الله: ألم أوسع عليك حتى لم أدعك تحتاج إلى أحد؟ قال: بلى يا رب. قال: فماذا عملت فيما آتيتك؟ قال: كنت أصل الرحم وأتصدق، فيقول الله له: كذبت، وتقول الملائكة له: كذبت، ويقول الله: بل أردت أن يقال: فلان جواد، وقد قيل ذلك. ويؤتى بالذي قتل في سبيل الله فيقول الله له: في ماذا قتلت؟ فيقول: أمرت بالجهاد في سبيلك فقاتلت حتى قتلت، فيقول الله له: كذبت، وتقول له الملائكة: كذبت، ويقول الله: بل أردت أن يقال: فلان جريء، فقد قيل ذلك. ثم ضرب رسول الله ﷺ على ركبتي فقال: يا أبا هريرة: أولئك الثلاثة أول خلق الله تسعر بهم النار يوم القيامة”.[2]
وفي سير الصالحين الأسوة؛ عن الأعمش رحمه الله قال: كنت عند إبراهيم (النخعي رحمه الله) وهو يقرأ في المصحف، فاستأذن عليه رجل فغطى المصحف وقال: لا يرني هذا أني أقرأ فيه كل ساعة.[3]
وقد كانوا رضي الله عنهم يكتبون إلى بعضهم ويتواصون بالنية والإخلاص؛ فقد كتب عمر إلى أبي موسى رضي الله تعالى عنهما: “من خلصت نيته كفاه الله تعالى ما بينه وبين الناس، ومن تزين للناس بغير ما يعلم الله من قلبه شانه الله، فما ظنك في ثواب الله في عاجل رزقه وخزائن رحمته؟ والسلام”.[4]
وكتب سالم بن عبد الله إلى عمر بن عبد العزيز رضي الله عنهما: “اعلم يا عمر أن عون الله للعبد بقدر النية، فمن تمت نيته تم عون الله له، ومن قصرت عنه نيته قصر عنه عون الله بقدر ذلك”.[5]
وعن بريدة بن الحصيب الأسلمي رضي الله عنه قال: شهدت خيبر، وكنت فيمن صعد الثلمة، فقاتلت حتى رئي مكاني، وعلي ثوب أحمر، فما أعلم أني ركبت في الإسلام ذنبا أعظم علي منه.
قال الذهبي رحمه الله معلقا: “جهال زماننا يعدون اليوم مثل هذا الفعل من أعظم الجهاد، وبكل حال فالأعمال بالنيات[6]“.
قلت: والقرآن الكريم من أعظم الأعمال التي يجب تعلم النية لها.
الهوامش:
[1] – أبو حامد محمد بن محمد الغزالي الطوسي (ت 505هـ)، إحياء علوم الدين، دار المعرفة – بيروت، ج1، ص 272
[2] – أخرجه الترمذي: 2382، والنسائي في السنن الكبرى: 11824]
[3] – أبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني (ت 430 هـ)، حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، ج 4، ص 220)
[4] – أبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني (ت 430 هـ)، حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، ج1، ص 50)
[5] – أبو عبد الله محمد بن محمد بن محمد العبدري الفاسي المالكي الشهير بابن الحاج (ت 737هـ)، المدخل، ج1، ص 9)
[6] – شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي (ت 748هـ)، سير أعلام النبلاء، ج4، ص 76)