قراءة سريعة في مشروع قانون المالية بالمغرب لسنة 2023
قراءة سريعة في مشروع قانون المالية بالمغرب لسنة 2023/ الدكتور أحمد الإدريسي
قراءة سريعة في مشروع قانون المالية بالمغرب لسنة 2023
بقـلم: الدكتور أحمد الإدريسي
تــقديـم:
وُجهـت انتقادات متعددة لمشروع قانون مالية 2023؛ حيث قال بعض المتتبعين إن هذا القانون، بُني على فرضيات غير واقعية، بتوقعه نسبة نمو في حدود %4، دون استحضار التوقعات الاقتصادية الدولية وتأثر أغلب اقتصاديات العالم بسبب التضخم الذي بلغ مستويات كبيرة لم تبلغها فيما قبل. كما أن فرضيات هذا القانون، ليست واقعية وغير منسجمة مع توقعات صندوق النقد الدولي الذي توقع معدل النمو في حدود %3.1، وهي نسبة يمكن اعتبارها معقولة.
وقد تحدث البنك الدولي في تقريره على “اللايقين”، بسبب ارتفاع التضخم وهو ما سيجعل الدول تشدد سياساتها النقدية برفع نسب الفائدة على ديون المقدمة للمغرب، لذلك فإن الحكومة مُطالبة بالانسجام مع توجهات صندوق النقد الدولي من أجل التحكم في التضخم،
لكن نلاحظ أن الحكومة، ومن خلال تصريحاتها، تسعى للقول أن الأمور بخير وبأنها ستقوم بإجراءات، لكنها مجرد وعود غير واضحة، وهذا فيه تأثير على الاستثمار الخارجي والداخلي لأن التعامل مع الفاعلين الاقتصاديين يحب أن يكون أساسه الوضوح.
أولا: أهداف وفرضيات غير واقعية:
1 – فرضيات غير واقعية، ومنها:
– الفرضيات في إنتاج الحبوب لم تكن تتجاوز 60 مليون قنطار ما هو المبرر العلمي لرفعها ب %25. وقد كان ممكنا تجاوز صعوبة هذه الفرضية بانطلاق القانون المالي في شهر مارس بعد معرفة الموسم الفلاحي.
– فرضية سعر الغاز في زمن حرب أكبر الدول المنتجة له فيها نوع من الغرر
– فرضية ارتفاع الطلب على البضائع المغربية علما أن ثلثي الطلب من أوروبا المقبلة على أزمة اقتصادية لا مثيل لها تستند إلى تفاؤل عبثي.
2- يصعب تحقق أهداف المشروع المقترح لسنة 2023، في أحوال الأزمة، إذ لم تتحقق في الأحوال العادية، ومن هذه الأهداف:
– نمو الناتج الداخلي الخام %4.
– معدل التضخم %2.
– العجز في الميزانية يخفض إلى %4،5.
– زيادة الموارد العمومية بنسبة %16. خارج الضغط الضريبي الاحتمال ضعيف
– والضغط الضريبي سيكون صعب الاحتمال.
3- بالنسبة للضرائب على الشركات الكبرى: ذُكرت بعضها ولم تذكر بعضها مثل شركات توزيع المحروقات. وبعض الشركات تركت ضريبتها %31، وهي نسبة مرتفعة.
ثانيا: ملاحظات على المشروع.
– لم يذكر المشروع توجيه الاستثمار نحو القطاعات عالية التشغيل.
– هذا القانون يعول على اللجوء إلى موردين لتغطية العجز؛ “الضرائب” و”القروض” وهما الأكثر سوءا اقتصاديا.
– ارتفاع نسبة القروض سنة 2023.
– عدم ترشيد الانفاق العمومي ولم تخفض من ميزانية التسيير.
– يحدد وجود المقاولات الصغرى والمتوسطة التي سترتفع ضريبتها على الأرباح من %10 إلى %12،5 في ظروف أزمة.
– يرهق كاهل المواطن المتوسط، بسبب انعكاس الضغط الضريبي على الأسعار.
– يهدد مستقبل الشباب والأجيال القادمة بسبب التصاعد المطرد لخدمة الدين، كل هذا حمايةً لمصالح المقاولات الكبرى من جهة، ولحماية مصالح أجهزة الدولة العليا التي ترفض مراجعة نمط عيشها، وطريقة استهلاكها وريعها.
– تبحث الحكومة على رفع مداخيلها الضريبية من المقاولات الصغيرة والمتوسطة مبررة ذلك بتقارب النسب من نسبة %20، في حين خفضت الضريبة على شركات الكبرى والعملاقة في القطاع الصناعي. وبقيت على حالها في قطاعات أخرى. حيث نجد أنها رفعت نسبة الضريبة ب “مائة في المائة” للمقاولات الصغيرة ولم ترفعها إلا بنسبة قليلة للشركات الكبرى.
– نستدين لأداء الدين، (مثال: سنستدين ب 129 مليار، وستصرف منها 109 مليار لخدمة الدين). ورغم أن الوزارة الوصية تقول إن هذا يدل على مكانة المغرب في السوق المالية العالمية، وأن ولوج المغرب للقروض الدولية أسلوب، واستجابة المؤسسات المالية الدولية لتأكيد سمعة المغرب في هذه السوق، في الوقت الذي لا تتجاوز القيمة المضافة السنوية الجديدة ثلث هذه القيمة معنى ذلك أنه ما نستدينه من جديد حاليا سنحتاج كل سنة إلى ثلاث سنوات عادية لرده. وبالتالي نضيف سنتين لرد الدين.
ثالثا: مشروع تغافل عن مجموعة من التدابير الحيوية.
نسجل أن هذا المشروع تغافل عن مجموعة من التدابير الاجتماعية والاقتصادية، ومنها:
– خلق 200.000 منصب شغل: وهي من الوعود التي قدمتها الحكومية، ولم يذكر القانون المالي مآل مناصب الشغل هذه.
– دعم الأجور: رفع الحد الأدنى للأجور في القطاع الخاص والعام، حيث نجد أن أكثر من نصف المأجورين غير مرسمين وبالتالي لا يستفيدون من رفع الأجور.
– حذف الامتيازات التي أعطيت لمركز مدينة الدار البيضاء المالية.
– تحت ضغوط منظمة التعاون والتنمية الاقتصاديةl’OCDE والاتحاد الأوروبي ب”وضع المغرب في المنطقة الرمادية”، رفعت الضريبة سنة 2019 إلى %15، ثم رفعها في القانون المالي 2023 إلى 20%، مما يهدد المشروع في أساسه ويهدد مصداقية المغرب أمام المنظمات والمؤسسات المالية الدولية.
– رفع امتيازات حاملي الأسهم في البورصة، من %15 إلى %10، وهذا فيه تشجيع لأرباح الرأسمال مقارنة مع أجور العمل ودعم المأجورين.
خــاتمـة:
إن القروض التي تعول الدولة اللجوء إليها أخطر من القروض السابقة لأن مصدرها ليس صندوق النقد الدولي أو البنك الدولي الأقل كلفة -لأننا استنفذنا كل إمكانياتهما للدين إزاءنا-، لذلك فإن الحكومة تهيئ للجوء إلى السوق المالية، أي إلى البنوك الدولية، وهي أعلى كلفة. والحكومة تبرر هذا السعي السيئ للمال بالثقة الكبيرة التي يحظى بها المغرب من طرف السوق المالية الدولية.
ومن جهة أخرى؛ نسجل أن المؤسسات المالية المانحة للقروض رفضت تسريع القروض للمغرب نظرا لتسارع التضخم في الدول الغربية مما يعني إمكانية ارتفاع كلفة هذه القروض. والدولة تبحث عن استخراج الموارد من الضرائب على أرباح الشركات الصغيرة وتحويل جزء منها لدعم الرأسمال على حساب دعم الشغل. ونسجل أيضا أن أهداف مشروع هذه القانون طموحة بشكل مبالغ فيه، ولا علاقة لها بالإمكانيات المالية والتدبيرية للدولة، وذلك لدر الرماد على العيون، وإذا كانت الفرضيات غير واقعية فإن الأهداف ستكون تلقائيا غير واقعية.
ومع كامل الأسف لا تستفيد الدولة من خبرائها ومن قراءاتهم لمشروع قانون مالية 2023، ولا تأخذ بعين الاعتبار ملاحظاتهم، لتفادي المخاطر الاقتصادية والتدبيرية المتوقعة.