نموذج تطبيقي ثانٍ: تفسير ءاية المداينة (4) معالم التفسير الاقتصادي؛
الدكتور أحمد الإدريسي
نموذج تطبيقي ثانٍ: تفسير ءاية المداينة(4) معالم التفسير الاقتصادي؛
بقـلم: الدكتور أحمد الإدريسي
يشمل “نظام السوق في الإسلام”، ما يلي:
– الدين، ومنه ءاية المداينة من سورة البقرة.
– نظام العقود، ومنه قوله تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُود” (المائدة:1).
– الشركات، ومنه قوله تعالى: “وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ” (ص:24).
وسأحاول تفسير ءاية المداينة تفسيرا فقهيا واقتصاديا بإذن الله، وهي قوله عز وجل: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ ۚ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ ۚ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَن يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ ۚ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا ۚ فَإِن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ ۚ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ ۖ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَىٰ ۚ وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا ۚ وَلَا تَسْأَمُوا أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَىٰ أَجَلِهِ ۚ ذَٰلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَىٰ أَلَّا تَرْتَابُوا ۖ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا ۗ وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ ۚ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ ۚ وَإِن تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ ۗ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم”(البقرة:282).
1- المعنى العام:
قال ابن العربي: “هي ءاية عُظمى في الأحكام مبيِّنة جُملا من الحلال والحرام، وهي أصل في مسائل البيوع، وكثير من الفروع”[1].
وفي هذه الآية الكريمة دليل مشروعية البيع بأجل، والكتابة والإشهاد، والرهن؛ عن عائشة رضي الله عنها؛ أنها قالت: “اشترى رسول الله ﷺ من يهودي طعاماً إلى أجل ورهنه درعاً من حديد”، وفيه جواز الرهن. وقد أجمع العلماء على جواز البيع لأجل إذا كان الأجل معلوما، وهو من بدائل المعاملات الربوية.
2- التفسير الفقهي:
قال الإمام القرطبي[2]: قال ابن عباس رضي الله عنهما: هذه الآية نزلت في السلم خاصة، معناه أن سلم أهل المدينة كان سبب الآية، ثم هي تتناول جميع المداينات إجماعا. وقال ابن خويزمنداد: إنها تضمنت ثلاثين حكما. وقد استدل بها بعض علمائنا على جواز التأجيل في القروض، على ما قال مالك، إذ لم يفصل بين القرض وسائر العقود في المداينات. وخالف في ذلك الشافعية وقالوا: الآية ليس فيها جواز التأجيل في سائر الديون، وإنما فيها الأمر بالإشهاد إذا كان دينا مؤجلا، ثم يعلم بدلالة أخرى جواز التأجيل في الدين وامتناعه…. قال ابن المنذر: دل قول الله “إلى أجل مسمى” على أن السلم إلى الأجل المجهول غير جائز، ودلت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم على مثل معنى كتاب الله تعالى.
ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة وهم يستلفون في الثمار السنتين والثلاث، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من أسلف في تمر فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم” رواه ابن عباس. أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما. وقال ابن عمر: “كان أهل الجاهلية يتبايعون لحم الجزور إلى حبل الحبلة”. وحبل الحبلة: أن تنتج الناقة ثم تحمل التي نتجت، فنهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك. وأجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم على أن السلم الجائز أن يسلم الرجل إلى صاحبه في طعام معلوم موصوف ، من طعام أرض عامة لا يخطئ مثلها . بكيل معلوم، إلى أجل معلوم بدنانير أو دراهم معلومة، يدفع ثمن ما أسلم فيه قبل أن يفترقا من مقامهما الذي تبايعا فيه، وسميا المكان الذي يقبض فيه الطعام. فإذا فعلا ذلك وكان جائز الأمر كان سلما صحيحا لا أعلم أحدا من أهل العلم يبطله … قلت: وقال علماؤنا: إن السلم إلى الحصاد والجذاذ والنيروز والمهرجان جائز، إذ ذاك يختص بوقت وزمن معلوم.
ثم قال: ذهب بعض الناس إلى أن كتب الديون واجب على أربابها، فرض بهذه الآية، بيعا كان أو قرضا ، لئلا يقع فيه نسيان أو جحود، وهو اختيار الطبري. وقال ابن جريج: من ادان فليكتب ، ومن باع فليشهد . وقال الشعبي: كانوا يرون أن قوله: “فإن أمن” ناسخ لأمره بالكتب . وحكى نحوه ابن جريج ، وقاله ابن زيد ، وروي عن أبي سعيد الخدري. وذهب الربيع إلى أن ذلك واجب بهذه الألفاظ، ثم خففه الله تعالى بقوله : فإن أمن بعضكم بعضا. وقال الجمهور: الأمر بالكتب ندب إلى حفظ الأموال وإزالة الريب، وإذا كان الغريم تقيا فما يضره الكتاب، وإن كان غير ذلك فالكتاب ثقاف في دينه وحاجة صاحب الحق . قال بعضهم: إن أشهدت فحزم، وإن ائتمنت ففي حل وسعة . ابن عطية: وهذا هو القول الصحيح . ولا يترتب نسخ في هذا؛ لأن الله تعالى ندب إلى الكتاب فيما للمرء أن يهبه ويتركه بإجماع ، فندبه إنما هو على جهة الحيطة للناس.
ثم قال: اختلف العلماء فيمن يخدع في البيوع لقلة خبرته وضعف عقله فهل يحجر عليه أو لا فقال بالحجر عليه أحمد وإسحاق. وقال آخرون: لا يحجر عليه. والقولان في المذهب، والصحيح الأول، لهذه الآية.
ثم قال الله تعالى: “وَإِن كُنتُمْ عَلَىٰ سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ ۖ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ ۗ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ ۚ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ”.
قال الإمام القرطبي: “لما ذكر الله تعالى الندب إلى الإشهاد والكتب لمصلحة حفظ الأموال والأديان، عقب ذلك بذكر حال الأعذار المانعة من الكتب، وجعل لها الرهن ، ونص من أحوال العذر على السفر الذي هو غالب الأعذار ، لا سيما في ذلك الوقت لكثرة الغزو ، ويدخل في ذلك بالمعنى كل عذر. فرب وقت يتعذر فيه الكاتب في الحضر كأوقات أشغال الناس وبالليل، وأيضا فالخوف على خراب ذمة الغريم عذر يوجب طلب الرهن. وقد رهن النبي صلى الله عليه وسلم درعه عند يهودي طلب منه سلف الشعير فقال: إنما يريد محمد أن يذهب بمالي. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: كذب إني لأمين في الأرض أمين في السماء ولو ائتمنني لأديت اذهبوا إليه بدرعي فمات ودرعه مرهونة صلى الله عليه وسلم، على ما يأتي بيانه آنفا”… “قال جمهور من العلماء: الرهن في السفر بنص التنزيل، وفي الحضر ثابت بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذا صحيح. وقد بينا جوازه في الحضر من الآية بالمعنى، إذ قد تترتب الأعذار في الحضر ، ولم يرو عن أحد منعه في الحضر سوى مجاهد والضحاك وداود، متمسكين بالآية. ولا حجة فيها؛ لأن هذا الكلام وإن كان خرج مخرج الشرط فالمراد به غالب الأحوال. وليس كون الرهن في الآية في السفر مما يحظر في غيره. وفي الصحيحين وغيرهما عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم اشترى من يهودي طعاما إلى أجل ورهنه درعا له من حديد. وأخرجه النسائي من حديث ابن عباس قال: توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ودرعه مرهونة عند يهودي بثلاثين صاعا من شعير لأهله[3]“.
لذلك أجمع العلماء على جواز البيع لأجل إذا كان الأجل معلوما، وهو من بدائل المعاملات الربوية.
3- التفسير الاقتصادي:
تناولت الآية الكريمة جميع المداينات، وتضمنت أحكاما كثيرة في المعاملات الماليةـ وتدبير الاقتصاد، ومن ذلك تأجيل القروض، وبيان أهمية الكتابة والإشهاد والتوثيق في حفظ حقوق الآخرين، ودورها تحريك الدورة الاقتصادية.
ويعتبر حفظ الحقوق من أسمى مقاصد الشريعة الإسلامية، بعد تحقيق العبودية لله عز وجل، ومن أهم وسائل تحقيق ذلك وضوح المعاملات وتوثيقها وإثبات الحقوق المالية لأصحابها؛ لذلك رغب الله في حفظ المال في أطول آية في القرآن الكريم؛ “آية المداينة”، حيث أمر بالكتابة والإشهاد والرهن… قال الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ…”(البقرة: 282). وجاء تنظيم المعاملات في آيات وأحاديث كثيرة، عناية بها، وحرصًا على المصالح، ومنعا للمنازعات والخصومات بسبب كثرة تداول الأموال وتشعب المعاملات.
ومن مقاصد الشرع الحكيم؛ إثبات الأموال، ومعناه أن تكون ملكيتها ثابتة لأصحابها بوجه صحيح وسليم دون منازعة، وأن تتقرر لأصحابها بوجه لا خطر فيه ولا يفضي إلى خصومة. وأن يتصرف فيها بحرية، ما لم يخالف شرع الله والقوانين المنظمة، وألا يتعارض تصرفه مع مصالح الآخرين. ومن مقاصد الشريعة من إثبات التملك والاكتساب، نذكر:
1- حرية مالك المال في التصرّف فيه تصرفاً لا اعتداء فيه على أحكام الشريعة، لا ضرر فيه على الغير.
2- ألا ينتزع المال من مالكه بدون رضاه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ليس لعرق ظالم حق)[4].
3- اختصاص المالك بما تملكه بوجه صحيح ولذلك شرع الإشهاد، وعلى ذلك بُـنيت أحكام صحة العقود والوفاء بها وحملها على الصحة.
وقد شرع الإسلام طرق الإثبات عموما، ووسائل إثبات المال خاصة، ونظم القانون طرق إثبات الحقوق، ومنها:
1- الإقرار:
يعرف الإقرار بأنه اعتراف شخصي بادعاء يوجهه إليه شخص آخر. وأنه: “اعتراف الخصم أمام القضاء بواقعة قانونية مدعى بها عليه، وذلك أثناء السير في الدعوى المتعلقة بها الواقعة”.
2- البينة الشفهية أو شهادة الشهود:
هي التصريح الذي يدلي به الشخص أمام القضاء بواقعة صدرت من غيره وترتب عليها حق لهذا الغير، ويجب أن تكون هذه الواقعة المصرح بها وصلت إلى علم الشاهد بسمعه أو بصره، كأن يسمع تعاقدا بين طرفين فيشهد بما سمع أو رأى. وقيل هي إخبار من شخص ليس خصما في مجلس القضاء بإجراءات معينة منها حلف اليمين بما رآه أو سمعه، أو أدركه بحاسة من حواس الإدراك.
ويشترط في الشاهد أن يكون راشدا متمتعا بكامل الأهلية، كما يشترط في الشاهد ألا يكون محكوما عليه بعقوبة جنائية لم تنقض مدتها بعد، وتسمع منه على سبيل الاستدلال. وقد اختص القانون التجاري بحالات يجوز فيها الإثبات بشهادة الشهود.
3- الكتابة: وتتضمن المحررات.
مع اكتشاف الكتابة تضاءل دور البينة خاصة في زمان الناس هذا، والذي يمنحها القوة الثبوتية المطلقة، لذلك قالوا: “الكتابة تبقى والكلمات تزول”، وتعود أهمية الكتابة إلى ديمومتها ووضوحها كدليل إثبات، كما أن الكتابة تتفادى عيوب البينة الشفهية كخطر النسيان أو الكذب أو شهادة الزور.
والمحررات نوعان:
– المحررات الرسمية: وهي: “العقد الرسمي عقد يثبت فيه موظف أو ضابط عمومي أو شخص مكلف بخدمة عامة وفق ما تم لديه أو تلقاه من ذوي الشأن وذلك طبقا للأشكال القانونية وفي حدود سلطته واختصاصه”.
– المحررات العرفية: ويقصد بها كل ورقة مكتوبة يحررها أطراف عاديون دون تدخل أطراف رسمية، وهي تنقسم بدورها إلى محررات عرفية معدة للإثبات، ومحررات عرفية غير معدة للإثبات.
والحمد لله رب العالمين.
[1] – ابن العربي. أحكام القرآن. ج:1 / ص:327.
وقد فصل هذه الآية في اثنتين وخمسين مسألة، ج:1 / من ص:327 إلى ص:347.
[2] – القرطبي. الجامع لأحكام القرآن. ج:2 / ص:405 وما بعدها.
[3] – القرطبي. الجامع لأحكام القرآن. ج:2 / ص:426 وما بعدها.
[4] – رواه أبو داود في سننه، حديث رقم: 3073,