منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الصيام مدرسة التقوى والعبودية لله

الصيام مدرسة التقوى والعبودية لله/ عبد الهادي مرزاق

0

الصيام مدرسة التقوى والعبودية لله

بقلم: عبد الهادي مرزاق

لقد شرع الله تعالى الصيام لعباده المؤمنين، كما فرضه على الأمم السابقة، فقال عز وجل: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (182) أَيَّاماٗ مَّعْدُودَاتٖۖ” [البقرة: 182/183]. في هذه الآية الكريمة، يخاطبنا الله عز وجل بنداء خاص للمؤمنين، وهذا النداء يبعث في النفوس الطمأنينة والاستبشار، ويدعونا إلى التأمل والانتباه، فهو إما أمر بخير أو نهي عن شر، كما قال الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: “إذا سمعتَ الله يقول: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا”، فأرِعْها سمعَك، فإنه خير تؤمر به أو شر تنهى عنه. “

فرضية الصيام ومقصدها الأعظم

جاءت الصياغة القرآنية بلفظ “كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ” ولم تأتِ بعبارة “كتب الله عليكم”، وهذا يدل على أن الصيام رغم المشقة الموجودة فيه هو من مقتضيات الإيمان وكماله، وأن الإيمان الصادق يدفع صاحبه إلى الامتثال لهذه الفريضة الجليلة. والصيام ليس مجرد تكليف فحسب، بل هو وسيلة عظيمة لتحقيق التقوى؛ التي تعني الخوف من الله بامتثال أوامر واجتناب نواهيه، مما يجعل الإنسان أكثر استحضارا لمراقبة الله عز وجل، فيرتقي بذلك إلى مرتبة الإحسان (أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك)، وتحقيق العبودية الكاملة لله عز وجل.

التخفيف الإلهي في التشريع

ولكيلا يستشعر العباد ثقل هذه العبادة، ذكر الله عز وجل أنها “كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ”، إشارة إلى أن الصيام ليس أمرًا جديدًا، بل هو عبادة قديمة فرضها الله عز وجل على الأمم السابقة لما فيها من فوائد عظيمة؛ سواء على الصعيد الروحي التعبدي في علاقة الإنسان بربه، أو النفسي التربوي في علاقته بنفسه، أو الاجتماعي في علاقته بمجتمعه. وفي ذلك أيضا دعوة إلى التنافس في الخيرات مع الأمم السابقة، كما أن الله عز وجل وصف صيام شهر رمضان بأنه “أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ”؛ أي قلائل، تأكيدًا على قلة مدته وسرعة انقضائه، حتى لا يستثقله المؤمن.

الصيام نموذج لحياة العبودية

إن الصيام ليس مجرد امتناع عن الطعام والشراب فقط، بل هو مدرسة تربوية تهدف إلى تزكية النفس وتهذيب الأخلاق، وهو تدريب عملي يعوّد المسلم على الالتزام بأوامر الله في جميع جوانب الحياة، وفي كل وقت، وليس فقط في رمضان. وبذلك يصبح الشهر الفضيل نموذجًا مصغرًا للحياة في كنف العبودية والتقوى، فكما يمتنع الصائم عن الحلال في رمضان امتثالًا لأمر الله، فإنه سيكون قادرًا على الامتناع عن الحرام في سائر أيامه.

فقد كان الصحابة رضي الله عنهم يعظمون شهر رمضان تعظيمًا خاصًا، فقد كانوا يستعدون له قبل دخوله بستة أشهر، ثم يعيشون على أثره بعد انقضائه ستة أشهر أخرى، مما يدل على أن رمضان ليس مجرد موسم عابر، بل هو دورة إيمانية تدريبية تمد الإنسان بالطاقة الروحية، وتمتد آثارها طوال العام.

وختاما فإن الصيام عبادة عظيمة تهدف إلى تقوية صلة العبد بربه، وتذكيره بقدرته على تحقيق التقوى في جميع أيام حياته، وليس فقط في رمضان. فنسأل الله تعالى أن يعيننا على طاعته، وأن يجعلنا من عباده المتقين، الذين يستمر أثر الصيام في حياتهم بعد انقضائه. فيعيشون في ظلال العبودية لله عز وجل في كل وقت وحين. والحمد لله رب العالمين.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.