منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

أدلة مشروعية الاحتفال بالمولد النبوي

أدلة مشروعية الاحتفال بالمولد النبوي/ بلال فيصل البحر

0

أدلة مشروعية الاحتفال بالمولد النبوي

بلال فيصل البحر (*)

وقد ذكروا أن الحافظ أبا الخطاب بن دحية صنَّفَ للملك المظفر صاحب اربل مولداً أسماه (السراج المنير) فأقام المظفرُ الاحتفال به، واستحسنه علماءُ المشرق، وكذا عمِلَ المولدَ بالمغرب العلامةُ أحمد العزفي السبتي كما ذكره ابنُ مرزوق، فاستحسن صنيعَه علماءُ المغرب.

وقال ابن الخديم اليعقوبي:

وعمل المولدَ مَلْك إربلِ…تابع بعضَ الصُلحا بالموصلِ

أول من أحدثَهُ وقد قصدْ…تقرُّباً بذاكَ لله الصمدْ

وكان يُجزل العطا والنائلا…مُحتفلاً به احتفالاً هائلا

وهوَ بالعقل والبَطاله…مُتّصفٌ والعلم والعداله

والعلما والصلحا ما اعترضوا…إذ حضروا لديه بل بذا رضوا

وصنّف الشيخُ ابن دحيةَ الرضى…لهُ من أجله كتاباً مُرتضى

وقد رخص في عمل المولد والاجتماع فيه على العلم والخير والاحتفال فيه بصنع الطعام وإظهار السرور جماعة من المحققين كأبي شامة المقدسي وأبي الخطاب بن دحية والحافظ العراقي والحافظ ابن حجر والسيوطي والسخاوي والقسطلاني والزرقاني وعليه أكثر المتأخرين.

وأما من روي عنه إنكار عمل المولد كشيخ الإسلام ابن تيمية والشاطبي وابن الفاكهاني وأبي زرعة بن العراقي وغيرهم، فهم صنفان: طائفة أنكرته في الجملة وأنه بدعة كالفاكهاني والشاطبي، وطائفة لم تُنكر أصلَه وإنما أنكرته لـما يحدث الغلاةُ فيه من السماع المحرّم والرقص وهو مقتضى تصرف العلامة ابن الحاج صاحب (المدخل) وغيره.

وهذا بدعة دون ريب، لكنهم لا يحرّمون الاحتفال الذي هو الاجتماع على الذكر والعلم، أو إحياء المولد بالطاعة من صوم ونحوه، بدليل أن ممن روي عنه إنكار المولد الحافظ ابن حجر والسيوطي والسخاوي، وهؤلاء ممن ذهبوا إلى جواز الاحتفال به كما تقدم.!

فطريق الجمع بين ما نُقل عنهم أن يقال إنـهم إنما حرّموا المولد الذي اشتمل على ما جاءت الشريعة بالنهي عنه كما مرَّ وصفه، واستحسنوا منه ما اشتمل على مصلحة مقصودة مطلوبة للشارع، وخلا من المنكرات.

ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية فإنه قال في كتاب (الصراط المستقيم): (فتعظيمُ المولد، واتخاذُه موسماً، قد يفعله بعض الناس، ويكون له فيه أجر عظيم لـحُسن قصده، وتعظيمه لرسول الله صلى الله عليه وسلم).

وهذا يبيّن أن كلامه في إنكار عمل المولد إنما هو لما يُعمل فيه من البدع والمنكرات، فأما الاجتماع على الخير والذكر والعلم فحسنٌ عندَه، بدليل أن كلامه متوجه إلى عمل المولد الذي فيه مضاهاة للنصارى في أعيادهم بمولد المسيح عليه السلام، ومعلوم أنه لا يكون فيه مضاهاة للنصارى إلا إن كان مشتملاً على الشرك والبدع، فإن خلا منها ولم يكن فيه إلا الذكر والعلم والنشيد فحسنٌ كما مرَّ تقريره.

ومن تمسك بنحو الأمر باتباع سنة الخلفاء الراشدين وأنـهم لم يفعلوه فهو غالط، لأن المراد حيث وجد هذا الأمر في زمانـهم، ولم يُنقل عنهم فعلُه، وقد عُلم أن عمل المولد إنما حدث بعد زمانـهم بدهر، ولو كان الأمر على ما فهمه لانسدَّ باب الاجتهاد، وهذا فاسد جداً، لأن النصوص والمنقولات تتناهى، والحوادث غير متناهية، ومحال أن يُقابل ما يتناهى بما لا يتناهى.!

والأصل فيما لم يرد عن السلف فعله وعمله لا يخلو إما أن يكون قد حدث في زمانـهم أو لا.؟

الثاني: لا إشكال في جوازه إن اشتمل على مصلحة واندرج تحت أصل كلي ولم يعارض شرعاً ثابتاً.

والأول: لا يخلو أن يكون السلف قد أنكروه أو فعلوا خلافه أو استعملوه أو سكتوا عنه، فالأول والثاني بدعة لإنكارهم إياه وعملهم على خلافه، والثالث سنة لعملهم به.

والرابع محل اجتهاد وبحث، والنظر يقتضي أنه إن كان فيه مصلحة ولم يعارض شرعاً ثابتاً جاز فعله وإلا فلا، سواء كان المقتضي للعمل به قائماً عندهم أم لا، فإن ما سكت عنه الشارع فهو عفو، فأولى ما سكت عنه السلف ولم يُنقل عنهم إنكاره.!؟

ولهذا قال العلامة ابن الخديم اليعقوبي:

البدعةُ القبيحةُ المذمومة…عند الأئمة بذا مرسومه

ما قد نـهى السلفُ عنه وزَجَرْ…أو ضِدُّه فعلَ أو به أَمَرْ

فلا يُقالُ كلُّ ما السلفُ لمْ…يفعلْهُ بدعةٌ قبيحةٌ تُذَمْ

والضابط في هذا أن كل محدث لم يكن على عهد السلف الأول، فإن اندرج تحت أصل أو دليل شرعي، وخلا من مفسدة وضرر في الدين والدنيا، واشتمل على مصلحة عامة قطعية محققة، فهو حسن وإلا فلا لقوله تعالى (وما جعل عليكم في الدين من حرج) وقد نظم ذلك بعض المالكية بقوله:

حديثُ أحدَثتَ فلا ضرر لا…لقول خالق الورى ما جعلا

فما رآه المؤمنون حسنا….. فإنما الأعمال تأسيسٌ سَنَا

ومن هنا غلط الشاطبي في عدّ البدع الإضافية من البدع المذمومة مطلقاً، فقد عدّها النووي وجماعة من أهل العلم من المستحسنات الشرعية إذا اشتملتْ على ما تقدّم ذكره من الضوابط الشرعية، لحديث: (من سنَّ في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده) وقول عمر: (نعمت البدعة).

وأما التعلّق بالترك النبوي فلا يستقيم، لحديث عائشة رض الله عنها أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يعجبه العمل ويهم به، فيتركه خشية أن يفرض على الأمة، فيحتمل أنه تركه لهذا، ومع قيام الاحتمال لا ينهض الاستدلال، بدليل أن السلف فعلوا ما لم يكن على عهده عليه السلام إذا كان حسناً وله أصل كلي كجمع القرآن، ولذا قال عمر لأبي بكر: (كيف تصنع شيئاً لم يصنعه رسول الله صلى الله عليه وسلم)؟ فقال: (هو والله خير) فدل بعمومه على أن ما كان خيراً محضاً وفيه مصلحة عامة محققة جاز فعله وإن لم يفعله من سلف وإلا فلا.

وقد تقرر في الأصول أن مجرد الترك النبوي لا يستدعي إثباتاً ولا نفياً للمتروك، كما قال العلامة السيد أبو الفضل الغماري:

التركُ ليس بحجّةٍ في شرعــنا … لا يقتــضي منـعاً ولا إيجـــابــا

فمن ابتغى حظراً بترك نبيّـــنا … ورآه حُكــماً صــادقاً وصوابــا

قد ضلَّ عن نهج الأدلة كلـِّــها … بل أخطأ الحكمَ الصحيحَ وخابا

لا حظر يُمكِنُ إلا إذا نهيٌ أتى… متوعّـِداً لمُخالِفــــــيـهِ عـذابـــا

أو ذمُّ فعـــلٍ مُـؤْذِنٍ بعقــــوبـةٍ … أو لفــظُ تحـريمٍ يواكـِبُ عـابــا

وكذا لا يصح التعلق بعدم ورود عمل المولد عن السلف الأول، لأنه لم يكن في زمانـهم أصلاً كما هو معلوم، وإنما يحتج بـهذا بتقدير حدوثه في زمانـهم ولم يُنقل عنهم عملُه، فيقال عندئذ لم يرد عنهم، على أن هذا أيضاً يرد عليه البحث الذي تقدم فلا يدل على المنع، فإنه إذا كان مجرد الترك النبوي لا يقتضي المنع فترك السلف أولى.

وقد اعترض بعض الفضلاء بأن يوم مولده ويوم وفاته صلى الله عليه وآله وسلم واحد، وليس الفرح فيه بأولى من الحزن، كذا قالوا.!

وهو غلط ظاهر، ومعناه للإمام العلامة تاج الدين الفاكهاني، وقد دفع اعتراضه هذا جماعةٌ منهم العلامة كنون، بأن المساواة ونفي الأولوية غير مسلم وهو منتقض بوجوه منها: أن الفرح مطلوب للشارع لأنه من الرحمن، والحزن غير مقصود له لأنه من الشيطان، كما في الحديث، وقد قال الله (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) وقال (قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا) فتأمل.

وأيضاً فهذا يوم الجمعة وفيه توفي آدم عليه السلام وهو يوم عيد وفرح، فلم يوجب وفاة نبيٍّ فيه امتناع اتخاذه عيداً، للمعنى الذي مرَّ وهو كون الفرح بالطاعة مطلوب محبوب للشارع بخلاف الحزن.

ومن بديع ما حُكي عن الفاكهاني رحمه الله أنه حين قدم الشام وزار دار الحديث الأشرفية، وكان بـها إذ ذاك نعل المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم، فلما رآه أكبّ عليه يُقبّله ويلْثِمه ويُنشد:

ولو قيل للمجنون ليلى ووصلَها…تريد أو الدنيا وما في طواياها

لقال غبارٌ من تراب نعالها…….ألذُّ إلى نفسي وأشفى لبلواها

ومن تعلق بنحو قول مالك وقد أنكر على من أحرم قبل ميقاته، فقال الرجل: وأي شيء في ذلك يا أبا عبد الله، إنما هي خطوات زدتـها.؟

فقال مالك: وأي ذنب أعظم من أن تعتقد أنك زدتَ على فعل النبي صلى الله عليه وسلم ما لم يفعله.؟!

فهو غالط، فإن مالكاً رحمه الله لم يُنكر أصل الزيادة، إنما أنكر عليه اعتقاد أن الزيادة تستوجب الأفضلية على مجرد الفعل النبوي، فسدَّ عليه الذريعة صيانة لباب الاتباع على أصله المعروف، ألا ترى أن مالكاً جوز الزيادة على التلبية النبوية الواردة في الحج، كغيره من السلف والأئمة.؟

وأيضاً فإنما أنكر عليه لأن المواقيت المكانية حدٌّ محدود في نص الشارع، وأما نحو عمل المولد فلم يرد فيه عمل أصلاً فافترقا من هذا الوجه.

(*) مقتطف من كتاب المختصر اللطيف في حكم عمل المولد الشريف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.