منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

تقرير الندوة الوطنية الثالثة لمكارم: “المساواة في مدونة الأسرة بين مفهوم الخصوصية وسؤال الكونية”

الدكتور حسن العزاوي

0

“المساواة في مدونة الأسرة بين مفهوم الخصوصية وسؤال الكونية”

تقرير الندوة الوطنية الثالثة لمكارم

من إنجاز الدكتور حسن العزاوي

عقدت الجمعية المغربية مكارم للأخلاق والقيم، بتاريخ 29ماي 2024، الندوة الوطنية الثالثة عن بعد في موضوع مدونة الأسرة تحت عنوان ” المساواة في مدونة الأسرة، بين مفهوم الخصوصية وسؤال الكونية”، أطرها كل من الأستاذة ثريا البوكيلي باحثة في قضايا الأسرة والطفل؛ والأستاذ محمد أغناج محام بهيئة الدار البيضاء؛ والدكتور يوسف القسطاسي باحث في قضايا الفقه المقارن والأسرة. والندوة كانت من تنشيط الدكتور الحسن العزاوي.

فبعد بسطه للإشكالات التي يطرحها مفهوم المساواة من خلال زوايا النظر الواردة في كل من المواثيق والاتفاقيات الدولية، ونصوص الدستور والقوانين المغربية، والواقع الفعلي للأحوال الشخصية بالمغرب، وكذلك النقاشات التي أفرزتها هيئات المجتمع المغربي بتعدد مرجعياتها الفكرية، تساءل مقدم الندوة عن حقيقة مفهوم المساواة؛ وعن أثره أو آثاره على قضايا الأسرة المغربية؛ ثم عن كيفية تعامل المنظومة القانونية المغربية في تعاطيها مع مفهوم المساواة؛ وكذلك عن أوجه الاتفاق والاختلاف حول المساواة بين النظرة الإسلامية والنظرة المتداولة في المواثيق الأممية والقراءات المنبثقة عنها؛ وأخيرا عن مدى تقييم دعوات تعديل نظام الإرث المعمول به في المدونة، أهي تعبير حقيقي عن انحباس فقهي، أم هي مجرد دعاوى يراد بها القفز بمدونة الأسرة إلى المجهول.

  • المداخلة الأولى:

ركزت الأستاذة ثريا البوكيلي في معالجتها للموضوع على مبدأ المساواة بين الرؤية الإسلامية والرؤية الوضعية. فأكدت على أن قضية مساواة الرجل مع المرأة هي من القضايا التي ظل النقاش ملتهبا حولها منذ زمن بعيد، وخاصة بعد صدور هذا المبدأ في صورة “المساواة المطلقة” في اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، مع إلزام الدول بتفعيله في مجالات الحياة العامة بملاءمة قوانينها وتشريعاتها بما فيها التشريعات الأسرية مع هذا المبدأ، ولعل التعديل المزمع إدخاله على مدونة الأسرة في المغرب يدخل في هذا الباب.

وخلال حديثها عن اتفاقية مناهضة التمييز ضد المرأة، ذكَّرت بأهمية عدة جوانب نصت عليها الاتفاقية ومنها: إتخاذ جميع التدابير المناسبة لضمان تمتيع النساء بجميع حقوقهن؛ حفظ كرامة المرأة بالقضاء على كل ممارسة دونية في حقها؛ مكافحة جميع أشكال العنف ضد النساء كالاتجار بالمرأة واستغلالها في الدعارة، وهذه الأمور هي من صلب تعاليم الإسلام تؤكد الأستاذة قبل أن تنبه إلى أن النظرة التفصيلية لبنود الاتفاقية تبرز أن لها توجها يعمل على إرساء نظام عولمي يعتبر أن القوانين الوضعية هي المصدر الوحيد للتشريعات المحلية دون الاعتراف بالشرائع الإلهية، ويسعى المدافعون على هذا الاتجاه الى صياغة نموذج للتفكير والحياة يتجاوز الدين ويتحرر من قيوده التي يدَّعون.  ومن بين ما ساقته الأستاذة في هذا الإطار: العمل على تسييد النظرة المادية للإنسان، مستخلصة أن المرأة تصبح غير ملزمة بأية واجبات مقابل تمتعها بالحقوق؛ اعتبار التساوي المطلق بين الرجل والمرأة كحل أوحد، ورفض حقيقة وجود اختلاف في الخصائص والوظائف بينهما، وهذا يحول دون إيجاد العلاج المناسب للأزمات الحقيقية التي تعاني منها المرأة؛ ثم أوردت ترسيخ مبدأ الفردانية موضحة عواقبه على المرأة بالخصوص؛ وختمت بالنفخ في الخطاب النسوي الذي يتبنى حتمية الصراع بين الذكر والأنثى ما يفضي، حسب الباحثة، إلى ضرب استقرار مؤسسة الأسرة والمجتمع.

أما عن الفلسفة العامة لمدونة الأسرة فبينت الأستاذة أنها مبنية على مبدأ المساواة بين الزوجين، من خلال صورة للأسرة قائمة على المسؤولية المشتركة بينهما، وقد أحالت على الحقوق المشتركة الستة بين الزوجين التي جاءت في المادة 51 من المدونة. إلا أن التطبيق على أرض الواقع طيلة الفترة السابقة أبرز عدة صعوبات وعوائق اجتماعية واقتصادية وقانونية، حالت دون تحقيق المساواة ما أنتج أشكالا متعددة ومتنوعة من الدونية وازدواجية المعايير في حق المرأة والرجل معا.

وختمت الأستاذة ثريا مداخلتها بمظاهر المساواة في الشريعة الإسلامية، حيث عددت بعضها نذكر من بينها مثلا: الإقرار بوحدة الأصل في الخَلق بين الذكر والأنثى؛ المساواة بينهما في أصل الخطاب الشرعي؛ الإقرار للمرأة بكافة الحقوق والحريات التي منحت للرجل، مذكرة أن العلاقة بين الزوجين في الشريعة الإسلامية مبنية على أساس ربط قوامة الرجل بحافظية المرأة من باب توزيع الوظائف والاختصاصات وليس من باب التمييز أو التفضيل.

  • المداخلة الثانية:

الأستاذ المحامي محمد أغناج عالج الموضوع من الزاوية الحقوقية بخصوص حضور المساواة والمناصفة في المنظومة القانونية المغربية. فبعد أن أكّد أن ليس هناك عاقل سيقبل بأن يقع الظلم أو الحيف السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي على أي كائن بشري، وأن رفض الظلم يشكل أساسا في عقيدة المسلم والمؤمن، استدرك قائلا إن الظلم والتمييز في حق المرأة هو أمر واقع بما في ذلك في البلدان الإسلامية.

وفي توجيه منهجي، وفي حقيقة الأمر كانت مداخلته كلها في المنهج أكثر منها في إيراد المعلومات، أشار الأستاذ إلى أنه لحدود الساعة لا يوجد مشروع جاهز لمدونة الأسرة، وأن ما يتحدث عنه الناس في وسائل الإعلام هو فقط تصورات أو تكهنات، وبالتالي ما يمكن أن نوجهه من نقد لهذه النوايا أو نوايا التعديل لا يعني أبدا القبول بالنصوص الحالية. فلا يَظنَّن أحد أن مناقشة تعديل المدونة يعني القبول بالمدونة الحالية. ومن جهة أخرى أوضح أن المساواة هي قيمة تتداخل فيها عوامل كثيرة ليس فيها فقط الجانب القانوني، مستنتجا أن اختصار الحديث عن المساواة في مدونة الأسرة وحدها هو حديث مغلوط. وهذا ما جعله يستوقف متابعيه سعيا منه لتحديد العلاقة ما بين تصور المساواة، وتصور العدالة أو العدل.

وهكذا، ودفاعا منه عن كون الفكرة مغلوطة، كما سماها، والتي تختزل الحديث عن المساواة في نصوص مدونة الأسرة وحدها، بل وتجعلها حبيسة الزوج والزوجة، استشهد المحامي بالفصل 19 من دستور 2011 بفقرتيه، حيث تنص الأولى على أنه “يتمتع الرجل والمرأة، على قدم المساواة، بالحقوق السياسية والحريات المدنية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية…”، وأوضح أن  الحديث هنا عن المساواة لا يعني بالضرورة المفهوم الذي يقتصر على معنى المساواة ما بين المرأة والرجل، وإنما يتحدث عن المساواة ما بين المواطنين جميعا في التمتع بهذه الحقوق والحريات. وبعد أن أورد الفقرة الثانية التي تنص على ربط تحقيق مبدأ المناصفة بين الرجل والمرأة بإحداث الدولة “هيئة للمناصفة ومكافحة كل أشكال التمييز”، هذه الهيئة التي جعل منها النص القانوني المحدِث لها مجرد هيئة استشارية، وليست لها فعليا أية سلطة حقيقية، كما أشار الأستاذ في آخر مداخلته. وتساءل فِيمَ تتساوى المرأة والرجل. والجواب جاء به من الفصل 31 الذي يجعل من مهام الدولة والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية العمل على تعبئة كل الوسائل المتاحة “لتيسير أسباب استفادة المواطنات والمواطنين، على قدم المساواة، من الحق: في العلاج والعناية الصحية؛ الحماية الاجتماعية والتغطية الصحية؛ والتضامن التعاضدي أو المنظم من لدن الدولة؛ الحصول على تعليم عصري ميسَّر الولوج وذي جودة؛ التنشئة على التشبث بالهوية المغربية، والثوابت الوطنية الراسخة؛ التكوين المهني والاستفادة من التربية البدنية والفنية؛ السكن اللائق؛ الشغل والدعم من طرف السلطات العمومية في البحث عن منصب شغل، أو في التشغيل الذاتي؛ ولوج الوظائف العمومية حسب الاستحقاق؛ الحصول على الماء والعيش في بيئة سليمة؛ التنمية المستدامة”. فالمساواة، يستخلص الأستاذ، تكمن في التمتع أو الاستفادة من هذه الحقوق التي جاءت تصريحا لا تلميحا، والتي جعل الدستور على كاهل الدولة مسؤولية تعبئة كل الوسائل لتيسيرها. كما أنه أورد الفصل 154 من الدستور الذي يصر على تنظيم المرافق العمومية على أساس المساواة بين المواطنات والمواطنين في الولوج اليها والاستفادة من الخدمات. وهذا التمتع وهذه الاستفادة، للمواطنين والمواطنات، على قدم المساواة، من مجموع تلكم الحريات وهذه الحقوق والخدمات هو ما وصفها أغناج بفلسفة الدستور فيما يتعلق بقضية المساواة، ليجدد تساؤله عن الإصرار على حصر مناقشة موضوع المساواة في مدونة الأسرة، علما أن المجالات التي يجب تحقيق المساواة فيها متنوعة ومتعددة كما بسطتها النصوص الدستورية !

وقبل أن يختم مداخلته أشار الأستاذ ألمحامي أنه فيما يتعلق بقواعد الأحوال الشخصية نفسها في المغرب، ليس هناك فقط مدونة الأسرة، بل هناك أيضا قواعد النظام المطبق على اليهود المغاربة أمام المحاكم العبرية والتي تبقى لحد الآن نظاما عرفيا ليس فيه أي نص قانوني. فالمحاكم العبرية المنشأة بقانون 1918 لازالت لحد الآن تطبق مجموعة من الأعراف غير مكتوبة يعرفها فقط رجال الدين أو القضاة من اليهود المغاربة. ويعلم الجميع أن فيها تمييزا سلبيا بشكل كبير ضد المرأة سواء كانت زوجة أو بنتا في مجموعة من القضايا، بما فيها الإرث. ما جعله هنا أيضا يتساءل عن سبب حصر الحديث عن قيمة المساواة في مدونة الأسرة فقط، وعدم توسيع النقاش ليشمل قواعد الأحوال الشخصية ككل بغية تصحيح ما تعرفه من اختلالات.

  • المداخلة الثالثة:

أما الدكتور يوسف القسطاسي فتناول موضوع المساواة من باب نظام الإرث في مدونة الأسرة ودعوى التعديل. حيث ذكر بأهمية نظام الإرث وضرورة تحديد المنطلقات الأساسية التي ينبغي أن تبنى عليها نظرة المسلم الفقهية المتعلقة بالإرث لتحصين عامة المسلمين من زيف الادعاءات الباطلة.  مشيرا إلى مشكل هذا الموضوع الذي يحتاج بحث مسائل في الرد على شبهات مشككة في عدالة نظام الإرث المستندة في شكّها ودعواها على واقع أفسده البعد عن القيم والأخلاق والمصالح المعتبرة؛ حيث ربطت جزءا من مظلومية المرأة بمفهوم المساواة بحمولاته الأيديولوجية، وبالمطالبة بإلغاء التعصيب، مشككة في اجتهادات جزيئة في مسائل مشهورة في الفرائض والمواريث.

وقد فصل القسطاسي في مباحث إشكالية الموضوع المطروح، من منطلق الزاوية التي أطل عليه منها، في ثلاث مسائل. حيث ردَّ في الأولى على دعوى تعديل نظام الإرث، وحظ الاجتهاد من ذلك، وأوضح بأن أي مطالبة بالاجتهاد في النصوص الشرعية للإرث أو إعادة قراءتها على ضوء تغيير الواقع وما يحدث من أقضيات أو مستجدات، تعتبر مخالفة لقواعد الاجتهاد الفقهي وضوابط البحث العلمي الصحيح. وذكَّر بالقاعدة القاضية بأن لا اجتهاد مع النص؛ وأن الحاكمية للنص الشرعي مادام ثابتا متنا ودلالة وليست للواقع الفاسد، ليستنتج بأن تفضيل الذكر على الأنثى في الميراث في بعض الحالات ثابت بالكتاب والسنة والإجماع. ثم عزز بالقاعدة الأصولية التي تفيد بأن الأحكام الثابتة بالنص لا تتغير بتغير الظروف والزمان والمكان.

وتناول الباحث في المسألة الثانية دفع شبهة الخلط بين المساواة والعدل، معتبرا أن هناك مغالطة تدعي أن لا فرق بينهما، أو أن تحقيق العدالة متوقف على تحقيق المساواة. في حين بيَّن الأستاذ أن توزيع الميراث في الإسلام يرتكز على الفرق في المعنى بين العدل والمساواة؛ حيث يقوم الإسلام بتوزيع الميراث بالعدل بين الورثة لتحقيق المساواة بينهم، وليس العكس. وأن الحكمة في التفاضل تبرز بشكل جلي في مسؤولية القوامة للرجل، والحافظية للمرأة، بصفتهما تتكاملان لتحقيق التوازن في المجتمع.

 أما المسألة الثالثة فقد انبرى فيها الباحث في قضايا الأسرة بالوصف والتحليل لبيان الوجوه المعتبرة في المفاضلة بين الذكر والأنثى في الإرث، وكذا الحكمة من قوله تعالى: {للذكر مثل حظ الأنثيين}. فجاء عنه أن ما قد يفهم تمييزا بين الذكر والأنثى الموجود في بعض الوظائف، ليس في الحقيقة تمييزا لا ضد الرجل ولا ضد المرأة، وإنما هو تنويع الطاقات الكامنة في معادن الذكورة والأنوثة، بما يخدم المجتمع المسلم المتماسك؛ وإذا كان تمييز الذكر في بعض الحقوق المالية والوظائف الولائية قد يبدو واضحا في أذهان المنتقدين لنظام الإرث، فإن تمييز الأنثى في جوانب أخرى أكثر أهمية بالمنظور الإنساني، لا تستوعبه أذهان هؤلاء بحكم أنهم يقيمون الحقوق بمعيار مادي فقط، دون الاهتمام بمعيار المعنى الذي ضربت فيه المرأة بسهم وافر في النظام الأسري.

وقد خلص الدكتور القسطاسي في ختام مداخلته إلى أن النظر إلى أحكام الشريعة يكون بشكل كلي من أجل استيعاب مصالحها؛ وأكد أنه لا يجوز النظر إلى حكم دون حكم، لكون الأحكام متداخلة ومتشابكة، ومرتب بعضها على بعض، وأن النظرة التجزيئية إلى الشريعة هي التي قد تثير بعض الشبه وتُسقط في عدم إدراك الحكمة والسر من أحكامها الجزئية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.