منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

التربية بالواقع: كيف يكون الجبل أداة في التربية؟

د. مصطفى العادل

0

التربية بالواقع: كيف يكون الجبل أداة في التربية؟

د. مصطفى العادل
(دكتوراه في اللسانيات العربية)

 أُدرِج ضمن الكتاب المدرسي “المفيد في اللغة العربية” للمستوى الأولى إعدادي، نص ثمين للأديب والمفكر المغربي محمد الكتاني -رحمه الله- حول الأطلس، ضمن مجال القيم الوطنية والإنسانية، وهو نص بديع بليغ، يشيد فيه الكاتب -رحمه الله- بأهل الأطلس، وأخلاقهم التي تعلموها من جبال الأطلس.

يصف الكتاني في هذا النص سفوح الأطلس وقممه التي تُزيّنها الثلوج والغابات، ويشيد بدور الأطلس في حفظ تاريخ الوطن، وتسجيل بطولات المقاومين أمام المحتل في أجل صفحات التاريخ، وما يُربّيه ذلك في نفوس أهل الأطلس من الكبرياء والقوة والصبر.

 ومن الملاحظ أن المتعلمين في أيت بوكماز على سبيل المثال -إحدى أهم مناطق هذا الأطلس الخالد-، يستمتعون بقراءة هذا النص والتفاعل معه، ومنهم من يحفظ منه عبارات بليغة، فتسمعه من حين لآخر يردد بعض جمل الكتاني -رحمه الله- من قبيل: “كم أنت جميل أيها الأطلس المحبوب!” و”كم أنت عامر بالأسرار أيها الأطلس الخالد!” و”طوبى لكم بهذه الأبوّة يا أبناء الأطلس!” وغيرها من الجمل الخالدة في أذهان الأطفال.

ولعل المكلَّفين ببناء البرامج التربوية والمقررات التعليمية، قد استوعبوا قيمة أن يقرأ الأطفال شيئاعن محيطهم في المقررات الدراسية، لذلك اعتمدوا مبدأ الخصوصية الجهوية في بناء المقررات الدراسية في منظومة التربية بوطننا، وهي فكرة سديدة وتوجّه صائب، لو تعمقوا كثيرا في رصد مختلف الخصوصيات الجهوية واستثمارها في اختيار مضامين المقررات التعليمية.

 توجد في الحقيقة جوانب كثيرة يمكن التركيز عليها في تحديد نصوص المقررات الدراسية واختيارها، منها جوانب الطبيعة والجغرافيا، وجوانب المناخ والطقس، وجوانب العرق واللغة، وجوانب العادات والطقوس والتقاليد، وغيرها، وهي جوانب تُبيّن التنوّع الذي يمتاز به وطننا، والغنى الذي يميّزه.

هذه الجوانب يمكنها أن تؤدّي أدوارا مهمة في تحقيق غايات البرنامج التربوي، وكفايات المنهاج المتنوعة، إذا تم استثمارها الاستثمار السليم؛ ذلك أن تُحفّز المتعلمين على المشاركة والتفاعل الإيجابي مع النصوص، وتمكنهم من الإبداع في مهارات القراءة والتحليل والنقد وغيرها.

 ففي فصل الشتاء مثلاً، تُكسى الجبال في الأطلس بالثلوج الكثيفة، وربما تتوقّف الدراسة في المؤسسات التعليمية لأيام كما هو الشأن في هذه الأيام. وبالرغم من التحديّات التي تُعيق سيرورة العملية التعليمية التعلمية في مختلف مناطق الأطلس خلال هذه المرحلة بالذات، يمكن أن تكون لها إيجابيات كثيرة إذا ما تم استثمارها استثمارا سليما في التربية التعليم.

إن نصًّا عن القمم البيضاء مثلا، قد يربّي المتعلمين على القيم الوطنية والإنسانية السامية التي ينشدها البرنامج التربوي، كما أنه قد يمكّنهم من بناء الكفايات الأساس التي قد لا يحقّقها أبناء الأطلس خلال عدد من النصوص التي لا يعيشون واقعها، ولا تمت لما يرونه ويسمعونه بشكل يومي بصلة.

يمكن للجبال الشامخة البيضاء أن تُعلّمنا الشموخ والإباء والصمود، كما يمكنها أن تُعلّمنا النقاء والصفاء والنظافة، وتربّينا على الأمل في الحياة التي تأتي بعد سنوات الجفاف والموت. يمكنها أن تُعلّمنا التفاؤل وحسن الظن بالله، ويمكنها أن تُعلِّمنا البذل والعطاء من خلال ما تتقدِّمه من مياهها هيبة للسهول والمدن دون أن تنتظر منها مكافأة أو شكورا. وغيرها من القيم التي تتبنّاها البرامج التربوية.

يمكننا أن نعتمد هذا الجبل الأبيض الشامخ في مكون النصوص، فنكتب عنه نصوصا مختلفة الأجناس والأنواع، ونبدع في وصفه ومدحه شعرا ونثرا، ونكتب عنه بتوظيف مختلف الأساليب والصور البيانية والظواهر البلاغية والأسلوبية.

يمكننا أن نعتمده في بناء المهارات المختلفة في التعبير والإنشاء وصفا وتقريرا وتلخيصا وتوسيعا ونقلا. كما يمكن أن نُوظِّف كل ذلك في بناء القواعد، والتمكن من اعتماد اللغة السليمة في التواصل والإبداع.

وإذا كان هذا شأن الجبل الذي تكسوه الثلوج، فالأمر لا يختلف عن حياتنا القروية بكل تفاصيلها، وعن حياة الفلّاحين والرعاة على جبال الأطلس، وعن اللغة واللهجات المحلية المنتشرة على سفوحه، وعن التقاليد والعادات الخاصة بالمناسبات المختلفة والمتنوعة. ذلك كله يؤثر تأثيرا كبيرا على المتعلمين، ويحدث نفعا عجيبا على بناء تعلّماتهم، وتنمية كفاياتهم، وتربيتهم على القيم ليكونوا صالحين، مسهمين إسهاما إيجابيا في بناء مجتمعاتهم، والاعتزاز بها، وبناء صرح الإنسانية والقيم العليا، والاحتفاء بها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.