منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

“التربية على تحمل المسؤولية من خلال الهدي النبوي”

ليلى المساوي

0

“التربية على تحمل المسؤولية من خلال الهدي النبوي”

ذة: ليلى المساوي

 

تمهيد:

بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على النبي الكريم رسول الرحمة والهداية للناس أجمعين.

تعد المسؤولية قيمة أخلاقية وضرورة مجتمعية، إذ لا يمكن لمجتمع أن ينهض بدون أفراد يدركون واجباتهم، ويحسنون تحمل أدوارهم تجاه أنفسهم وغيرهم، ففي السنة النبوية الشريفة نجد منهجاً متكاملاً لبناء الفرد المسؤول، الذي لا يعيش لنفسه فحسب، بل يشعر بواجبه تجاه خالقه ونفسه ومجتمعه. المسؤولية ليست صفة فطرية تولد مع الإنسان، بل قيمة تبنى بالتربية، وقد أرست السنة النبوية أسسا وقواعد متينة لغرسها في النفوس منذ البدايات الأولى، وفي ظل مظاهر الاتكالية وضعف تحمل المسؤولية لدى الناشئة، كيف عالجت السنة النبوية قضية التربية على المسؤولية منذ الطفولة؟

أولا: القاعدة الأساس «كلكم راعٍ”

وضع النبي ﷺ حجر الأساس للتربية على المسؤولية في حديثه الشامل:

“كلُّكم راعٍ ومسؤولٌ عن رعيَّتِه، فالإمامُ راعٍ ومسؤولٌ عن رعيَّتِه، والرَّجلُ في أهلِه راعٍ وهو مسؤولٌ عن رعيَّتِه”[1]

تُعلمنا هذه القاعدة ثلاثة أمور:

الشمولية: لا يوجد إنسان معفى من المسؤولية، بل تشمل الجميع مهما كان دوره بسيطاً.

التخصيص: لكل فرد ثغرة هو حاميها، سواء في البيت أو العمل أو الدولة.

المحاسبة: الشعور بأن هناك سؤالاً ينتظر الجواب يحفز المرء على الإتقان.

ثانيا: التدرج في التكليف (من الطفولة إلى الشباب)

لم يكن المنهج النبوي يلقي بالمسؤوليات دفعة واحدة، بل اعتمد على التدريب العملي:

تكليف الصغار بمهام سرية: كما فعل مع أنس بن مالك رضي الله عنه حين كتم سر النبي ﷺ وهو غلام، مما غرس فيه قيمة الأمانة، هذا السر لم يذكر في الحديث وبقي مجهولا.

التمكين للشباب: نرى ذلك بوضوح حين ولّى النبي ﷺ أسامة بن زيد قيادة الجيش وهو لم يتجاوز العشرين، وحين أرسل مصعب بن عمير سفيراً للمدينة، مما يعزز الثقة بالنفس والقدرة على اتخاذ القرار.

ثالثا: الربط بين القول والعمل (القدوة)

– كان النبي ﷺ هو النموذج الأول للمسؤولية؛ فلم يكن يأمر بشيء إلا وهو أول المنفذين له. ففي حفر الخندق، لم يكتفِ بالتوجيه، بل كان يحمل التراب ويحفر مع أصحابه، وهذا يعلم المربي أن المسؤولية تُعلم بالقدوة لا بالكلام فقط..

– كان قدوة في بيته ومع أصحابه، وقد قالت عائشة رضي الله عنها{كان في مهنة أهله}[2]

رابعا: ثقافة “المبادرة” لا “الاتكالية”

حثت السنة النبوية على أن يكون الفرد “فاعلاً” في مجتمعه:

تغيير المنكر: “من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان ” [3]هو إعلان لمسؤولية الفرد عن سلامة المجتمع الأخلاقية.

إماطة الأذى: جعل النبي ﷺ إماطة الأذى عن الطريق صدقة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {والكلمة الطيبة صدقة وبكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة، وتميط الأذى عن الطريق صدقة}[4]وهي أبسط صور المسؤولية المدنية تجاه البيئة والمجال العام.

خامسا: المسؤولية الاجتماعية:

حث النبي صلى الله عليه وسلم على الاهتمام بشؤون مجتمعهم فقال: ” من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم “[5]

خاتمة:

إن التربية على المسؤولية في السنة النبوية تقوم على موازنة دقيقة بين الحقوق والواجبات، فهي تبدأ ببناء الضمير الحي، ثم تترجم إلى ممارسات يومية، وتخاطب العقل والوجدان والسلوك، وتسهم في تنشئة أفرد واعين بواجباتهم، قادرين على تحمل الأمانة، ومؤهلين للإسهام الإيجابي في الأسرة والمجتمع، وهي تربية تبدأ مبكرا، وتنتهي بإيجاد مجتمع متكاتف يشعر فيه كل فرد أنه “على ثغرة من ثغور الإسلام.


 [1] – رواه البخاري في صحيحه كتاب الأحكام باب قول الله تعالى{وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} ورواه مسلم في صحيحه كتاب الإمارة

[2] – رواه البخاري

[3] – رواه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب كون النهي عن المنكر من ال  إيمان.

[4] – متفق عليه رواه البخاري ومسلم.

5- المعجم الوسيط، (رواه حذيفة بن اليمان).

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.