منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الأمن الاقتصادي في ضوء الاقتصاد الإسلامي

الأمن الاقتصادي في ضوء الاقتصاد الإسلامي/ د. هيام سامي الزعبي

0

الأمن الاقتصادي في ضوء الاقتصاد الإسلامي

د. هيام سامي الزعبي

استاذ مساعد في الاقتصاد والمصارف الإسلامية

تحقيق الأمن في الدول من أهم أهداف أي مجتمع، والأمن الاقتصادي أحد عناصر الأمن التي لابد من تحقيقها في أي دولة، فهو هدف ومطلب للدول التي تسعى لتحقيق التطور والنهضة سواء الدول المتقدمة أو الدول النامية، كما تسعى جميع الدول العالم إلى  إرساء ركائز ومقومات الأمن الاقتصادي، فمفهوم الأمن الاقتصادي مرتبط بمفهوم أمن الدولة في كينونتها ورؤيتها ومقدرتها من كافة النواحي.

أولًا: مفهوم الأمن الاقتصادي

المجتمعات العربية تعاني من أزمات سياسية تهدد أمنها واستقرارها، وتؤثر على اقتصاد الدول وتراجع نموه، ومعظم المجتمعات تعاني من الفقر وانخفاض الدخل والبطالة وانتشار المشكلات الاجتماعية مثل الانتحار والجرائم والإرهاب والتطرف الفكري وغيرها فأصبحت حاجة الدول ملحة إلى امتلاك الوسائل المادية التي تمكنه من أن يحيا حياة مستقرة ومشبعة وهو ما يعرف بـ (الأمن الاقتصادي)، فهو تأمين الموارد والاحتياجات والمستلزمات التي تعطي الأمن والاستقرار وتحفظ النفس وتأمين وسائلها وطرق وصولها، وهو جزء من المفهوم العام لمقاصد الشرع في القرآن والسنة الذي يحقق أمن الضروريات الخمس (حفظ الدين والنفس والعقل والعرض والمال).

والأمن الاقتصادي مهدد بالانهيار أو الفقدان لدى شريحة كبيرة من المواطنين، فالمجتمعات العربية تواجه العديد من التحديات والعقبات التي تؤدي إلى فقدان الأمن الاقتصادي، مما يؤدي إلى نتائج مرعبة فلابد من معالجة القضايا التي تهدد الأمن الاقتصادي للدول، وقضية الأمن الاقتصادي ليست قضية طعام وشراب وتملك فقط بل هي قضية استقرار وطمأنينة وتأمين الاحتياجات بسلاسة ويسر.

وتظهر أهميته من كونه يعمل على تعزيز الوضع النفسي والمادي لأفراد المجتمع، وإن كيان كل دولة يترسخ بهويتها الثقافية وأمنها الاقتصادي، ويتحقق الأمن الاقتصادي بتحقق الأمن الغذائي وقدرة البلد على إشباع حاجاته الغذائية كون الأمن الغذائي من أهم عناصر الأمن الاقتصادي، بالإضافة إلى توفير فرص العمل واستغلال ثروات الموارد الطبيعية.

      والأمن الاقتصادي تعبير عن توفير الحماية والضمان التي تجعل الإنسان مؤهلا للحصول على احتياجاته الأساسية (المأكل الملبس والمسكن والعلاج) حتى في الظروف الاستثنائية والكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية (توفر الحد الأدنى لمستوى المعيشة)، وإن توفير الصحة والأمن والاستقرار الأسري وامتلاك القوت اليومي وانخفاض معدل الوفيات وانعدام الخوف وزيادة الأموال والسكن تشير إلى حالة من الأمان الاجتماعي والاقتصادي في المجتمع، ويؤثر الأمن الاقتصادي على التنمية الشاملة حيث يُعتبر محرك تقني والآلية التنفيذية للتنمية الشاملة.

ثانيا: الأمن الاقتصادي في القرآن الكريم

القرآن الكريم دستور المسلمين يستمدون منه القوانين التي تضبط حياتهم، ووردت آيات كثيرة تؤكد في مضمونها على أهمية الأمن الاقتصادي، وفيما يلي عرض لبعضها:

  • قال تعالى:وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ” (سورة النحل، آية 112)

ألفاظ التي وردت في الآية الكريمة تتحدث عن الأمن (ءامنة: أي أمن لا يغار عليه} إشارة إلى الأمن{، مطمئنة: أنها قارة ساكنة فأهلها لا يحتاجون إلى الانتقال عنها لخوف أو ضيق }إشارة إلى الصحة {، يأتيها رزقها رغدا من كل مكان: }إشارة إلى الكفاية {).

ووجه الدلالة في الآية أن الله ذكر لهذه القرية صفات ثلاث: الأمن والصحة والكفاية من الغذاء، وهي العناصر الأساسية التي تحقق الأمن الاقتصادي. (مفاتيح الغيب التفسير الكبير، ص233)

  • قال تعالى: “وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا” (سورة البقرة، 275). حرم الله تعالى الربا وهو الوجه الآخر للصدقة الوجه الكالح الطالح لهذا عرضه السياق مباشرة بعد عرض الوجه الطيب السمح الطاهر الجميل الودود عرضه عرضا منفرا يكشف كما في عملية الربا من قبح وشناعة، ومن جفاف في القلب وشر في المجتمع وفساد في الأرض وهلاك للعباد.(قطب، ظلال القرآن، ص317)
  • قال تعالى: إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (سورة طه، اية118) الآية تدل على أن الأمن الاقتصادي مشكلة وجدت منذ خلق آدم عليه السلام وإن الإنسان بفطرته يسعى لتحصيل احتياجاته.
  • قال تعالى: لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (1) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (2) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (3) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآَمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (4) (سورة قريش )

الأمن الذي أوجده الله تعالى في مكة ساعدهم على أن يسيروا في الأرض آمنين حيثما حلوا ووجدوا الكرامة والرعاية وشجعهم على إنشاء خطين عظيمين من خطوط التجارة، عن طريق القوافل إلى اليمن في الجنوب وإلى الشام في الشمال. (قطب، في ظلال القرآن، ص 3982) حيث ربط ين الأمن السياسي والأمن الاقتصادي وهذا الترابط والتكامل مطلب أساسي لتحقيق الاستقرار الاقتصادي.

  هذه الآيات أوضحت منهج القرآن الكريم في تحقيق الأمن الاقتصادي من خلال المحافظة على التوازن “وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا” فالجوع والخوف بعبارة النص مناقضتان للأمن والطمأنينة ومسببات للإزعاج ووجودهما مدعاة لمحاربتهما والرجوع ثانية إلى حالة الأمن، كما أباح القرآن الكريم المعاملات التجارية ووسائل الكسب ومنع بعض المعاملات لما تسببه من الضرر بالصالح العام.

ثالثا: الأمن الاقتصادي في السنة النبوية

حث الرسول صلى الله عليه وسلم في كثير من الأحاديث النبوية الشريفة على العمل بكافة المجالات مما يؤدي إلى تحقيق الأمن الاقتصادي ومن هذه الأحاديث :

  • عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (ما من مسلم يغرس غرسا، أو يزرع زرعا فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة، إلا كان له به صدقة). (البخاري، صحيح البخاري، ص379) يبين الحديث الشريف أهمية العمل بالزراعة والأجر والثواب عليه ومما يساهم في تحقيق الأمن الاقتصادي.
  • عن عبيد الله بن محصن رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من أصبح منكم أمنا في سربه، معافى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا). (سنن الترمذي، ص371) في هذا الحديث الشريف يبين النبي صلى الله عليه وسلم للأمة أجمعين الأسس والأركان التي لابد منها لقيام حياة كريمة سعيدة وهي:
  • الأمن وعدم الخوف.
  • الصحة والسلام.
  • الكفاية من الغذاء.

كما أن حياة الرسول عليه الصلاة والسلام تقدم لنا نماذج سامية للشاب المستقيم في سلوكه، الأمين مع قومه وأصحابه، وتقدم نموذج لرئيس الدولة الذي يسوس الأمور بحذق وحكمة بالغة، والقائد الحربي الماهر والسياسي الصادق المحنك، وإرساء قواعد الأمن والأمان فأنكر على من يرهب الناس بغير الحق ويهددهم ويسلبهم أموالهم وأنفسهم والقتال عن جهل من طلب الدنيا أو اتباع الهوى.

وحب الوطن فطرة بشرية اقرها الإسلام وجعله من أسس بناء المجتمعات وسبيلا للعمل الصالح وفعل الخيرات وزيادة التماسك، وحب الوطن غريزة متأصلة في النفوس تجعل الإنسان يستريح للبقاء فيه ويحن اذا غاب عنه ويدافع عنه اذا هوجم ويغضب له اذا انتقص، ولا ينبغي أن يقف عند المشاعر والعواطف، بل لابد أن يترجم إلى سلوك صالح نافع للفرد والمجتمع وأوضح علماء الدين أن الاسلام جعل بناء الوطن من مقتضيات الاستخلاف في الأرض واعمارها، فكل انسان مستخلف ومطالب بالبناء على قدر ما حباه الله في سعة وقدرة وعلم ويملك القيام بذلك الواجب في مجالات عديدة، والنبي عليه الصلاة والسلام قرر في وثيقة المدينة أن جميع أبناء الدولة يد واحدة على من سواهم يدفعون التهديد والعدوان عن أرضهم ويتعاونون فيما بينهم لتحقيق مصالحهم وحفظ دمائهم وحقوقهم وكرامتهم فإذا فعلوا أصبح الوطن حصنا يحمي أبناءه وغدت المواطنة حصانة للجميع.

خامسا: منهجية الشريعة الإسلامية التي تحقق الأمن الاقتصادي

من أهم الأمثلة المنهجية لشريعة الإسلامية التي من شأنها أن تحقق للناس أمنهم الاقتصادي وتعمل على حل المشكلات الاقتصادية وتحفظ أموالهم وأرواحهم :

  • الزكاة

عندما تفتح محل تجاري وتكتسب المال الحلال سيكون بمقدورك دفع الزكاة للمحتاجين وبالتالي تكون أديت فريضة إسلامية ويأتي دور الزكاة في تحقيق الأمن الاقتصادي من خلال علاج مشكلتي الفقر والبطالة وعلاج مشكلة الكوارث والديون، وإعادة توزيع الدخل والثروة وذلك لإيجاد التوازن في المجتمع وتحقيق العدالة الاجتماعية بين أفراده، وكما أن التكافل من الأمور التي تحقق الأمن الاقتصادي للدول.

  • العمل

 والعمل عبادة، حث نبينا محمد صلى الله عليه وسلم على العمل بكافة المجالات مما يؤدي إلى تحقيق الأمن الاقتصادي ووردت أحاديث كثيرة تشير  إلى مكانة العمل وأهميته ودليل ذلك إن الأنبياء كانوا يمارسون مختلف الأعمال، وفضل العمل باليد وتقديم ما يباشر الشخص بنفسه على ما يباشره بغيره.

  • قوة الدولة باكتفائها اقتصاديا

 فلو كان اعتماد الدولة على الاستيراد بكل احتياجاتها،  ولا تمتلك مقومات الصناعة فستكون النتيجة بقاءها تحت سيطرة الدول القوية اقتصاديا، فقدرة الدولة على الانتاج بأنواعه هو لب الأمن الاقتصادي والعمل على تحقيقه، فالإنتاج يعني عدم التبعية الاقتصادية وهذا هو الأمن الاقتصادي، كما أن العملية الانتاجية وضوابطها تحافظ على الضرورات الخمس المتمثلة في الدين والنفس، والعقل، والمال، والنسل، وهي الهدف والغاية والأساس الذي تقوم عليه فكرة الأمن الاقتصادي.

  • الاستهلاك

يظهر أثر الاستهلاك من خلال ضوابطه وفوائده في تحقيق الأمن الاقتصادي وذلك بقيام عملية الاستهلاك على مبدأ الحلال والحرام، والنهي عن الإسراف والشح والبخل والاعتدال في الإنفاق والاقتصاد في الاستهلاك.

  • البيوع والمعاملات

بالابتعاد عن المحرمات التي حرمها الشرع سيكون العرض والطلب وحده كافيا لاستقرار اقتصاد الدولة، واعتدال الأسعار فالمكاسب المحرمة اساسها منفعة بنيت على مضرة، مثل تحريم الربا لأن في تحريمه حفظ للمجتمع من الآفات الاقتصادية المعطلة ( تعطيل الطاقات البشرية، والمال، والتضخم، والكساد والبطالة).

  • الاحتكار

 تحريم الاحتكار لما له تأثير على الأمن الاقتصادي فهو يؤدي إلى ارتفاع الأسعار بحيث يصعب على الناس تأمين احتياجاتهم، فالشريعة الإسلامية حفظت حقوق الناس في غذائهم وأموالهم وصحتهم عندما حرمت الاحتكار.

  • الوقف

 الوقف له أثر في تخفيف العبء المالي الملقى على عاتق الدولة في الإنفاق العام على التكافل الاجتماعي، وذلك من خلال كفالة الأيتام والأرامل ومساعدة الفقراء والمحتاجين والإنفاق على مشروعات البنية الأساسية الاجتماعية (التعليم والصحة).

في الشريعة الإسلامية الكثير من الأحكام والضوابط التي تؤدي إلى تحقيق الأمن الاقتصادي لتنجوا الإنسانية من الهلاك والدمار والوقوع في حضيض الابادة، ذلك أن الشريعة الإسلامية ليست سنة نبوية فقط ، بل سنة وقرآن وفقه.

وفي الختام إن حماية الوطن تتمثل في المحافظة على أمن الدولة في كافة المجالات، وتكمن أهمية الأمن بأنه ضرورة دينية واجتماعية واقتصادية وسياسية، بحيث إن المسلم لن يستطيع ممارسة نشاطه الدعوي الديني إذا كان يعمل في بيئة غير آمنة، وأيضا لن يستطيع القيام بباقي أوجه النشاط الأخرى في السياسة والاقتصاد وسائر الأمور الحياتية، فالأمن سبب لجلب الرزق، وسبب للعيش في البلد الذي يتحقق فيه، والأمن سبب لقيام الحياة الكريمة المستقرة سياسيا واقتصاديا واجتماعيا ونفسيا ودينيا وهو سبب للعمارة والإقبال على ما ينفع. قال تعالى: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آَمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آَمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ” (سورة البقرة، ايه 126)

إذًا الأمن الاقتصادي منهج علمي شامل يتطلب التكامل والاندماج بين المفاهيم القانونية والاقتصادية والإدارية بهدف المحافظة على الأموال العامة والخاصة وتحقيق الكفاءة عند استخدامها، وهذا يتطلب وجود جهة أو جهاز يقوم به ويأخذ على عاتقه القيام بمهام وسياسات معينة لتحقيق الأمن الاقتصادي مثل اتباع سياسات اقتصادية والقضاء على مشكلتي الفقر والبطالة، وتطوير شبكات الأمان والضمان الاجتماعي وتطوير التعليم.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.