منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

لا تجادل الله فالجدل من أعمال الشيطان

د. مصطفى العادل

0

لا تجادل الله فالجدل من أعمال الشيطان

د. مصطفى العادل
(باحث في اللسانيات العربية)

إذا استخرت الله فيما طلبت وصرفه عنك، أو صرفك عنه، فافرح بتدبير الله لأمرك، ولا تجادله وتخاصمه بالبكاء على قدرك، وقضاء الله فيه. فالجدال مع الله قلة حياء، وقلة أدب.

الجدل أول أعمال الشيطان، فقد جادل إبليس اللعين ربّه عندما خلق آدم وطلب منه أن يسجد له، فأبى إبليس واستكبر، وبدأ في الجدال مع الله، وهذه معصية كبيرة، وقلة حياء وأدب معه سبحانه. بدأها إبليس وواصلها من بعده أقوام في أفعالهم وأقوالهم، حتى إنهم علمونا أن الجدل علمٌ من علوم البلاغة والحجاج. وتنافسوا في التنظير له، وصارت في البلاغات الجديدة نظريات ونماذج ومناهج للقوم في مسألة الجدل وفنونه وأشكاله.

من يُخبر هؤلاء الشباب المساكين من الباحثين الذين لم يجدوا أمامهم إلا هذه الأفكار التي أقصت العلم الحق وحصرته في الرفوف لتنشر على راحتها أفكار الشيطان وتدعم مشاريع رواد التغريب؟ من يخبرهم بحقيقة الله والإيمان والغيب والمصير؟ من يرفع عن أبصارهم الحجب ليفهموا الحقائق الوجودية كما أرادها الله لعباده الصالحين عباد الرحمن؟

كرّر الله تعالى قصة خلق آدم في مواقع كثيرة في القرآن ليبين لعباده خطر الجدل الذي خرج بسببه من رحمة الله، ثم أتى بعدها تأكيد منه سبحانه على أن أصحاب إبليس هم من يتّبعونه، وأن جهنم مصيرهم أجمعين.

وردت قصة آدم مع إبليس في القرآن الكريم في سبعة مواضع؛ أولها في سورة البقرة، وجاءت باقي المواضع في سورة آل عمران، ثم في سورة الأعراف، ثم في سورة الإسراء، ثم في سورة طه، ثم في سورة صاد، ثم في سورة الكهف، ثم في سورة الحجر.

نستضيء بتفسير سيدي الطاهر بن عاشور رحمه الله وأجزل له العطاء لنتتبع جدال إبليس اللعين، ثم نبين خطورته على الإنسان المؤمن الذي يؤمن بالقدر، خيره وشره.

في سورة البقرة: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ (البقرة: 34)، وفي سورة الأعراف: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾ (الأعراف: 11)، وفي سورة الإسراء: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾ (الإسراء: 61)، وفي سورة طه: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى﴾ (طه: 116)، وفي سورة ص: ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن طِينٍ(71) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ(72) فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ(73) إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ(74)﴾ (ص: 71-74)، وفي سورة الكهف: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ (الكهف: 50)، وفي سورة الحجر: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ(28) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ(29) فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ(30) إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ أَن يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ(31)﴾ (الحجر: 28-31).

هكذا ابتدأت قصة الإنسان مع الشيطان العدو الأخطر.

إن الشيطان أبى واستكبر وامتنع عن السجود لآدم، وامتناعه هذا رفض للاستجابة لأمر الله عز وجل، واستكباره بمادة خلقه التي تفضُل المادة التي خلق الله منها آدم عليه السلام. ومن هنا بدأ جداله مع الله.

﴿ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ (الأعراف: 12/ص:76).

و﴿ قَالَ لَمْ أَكُن لِّأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ﴾ (الحجر:33).

و﴿قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾ (الإسراء:61).

ولم يتوقّف إبليس عند هذا الحد، بل تحدّى الله تعالى ليجعل من ذريّة هذا المخلوق الجديد أنصارًا له يتبعونه ويعصون الله ما أمرهم. اُنظر إلى وعده هذا: ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ (الأعراف: 16).

فَهَلْ تَرَضَىٰ أَن تَكُونَ ضَحِيَّةَ هَٰذَا الْمُتَكَبِّرِ فَتَخْسَرَ بِجَهْلِكَ عَلاقَتَكَ بِمَنْ خَلَقَكَ وَتَوَلَّىٰ تَدْبِيرَ شُؤُونكَ فِي الْأُمورِ كُلّها دُنْيَا وَآخِرَةً؟

يقول الطاهر بن عاشور: “وقَدْ أُرِيدَ مِن هَذِهِ القِصَّةِ إظْهارُ مَزِيَّةِ نَوْعِ الإنْسانِ وأنَّ اللَّهَ يَخُصُّ أجْناسَ مَخْلُوقاتِهِ وأنْواعَها بِما اقْتَضَتْهُ حِكْمَتُهُ مِنَ الخَصائِصِ والمَزايا لِئَلّا يَخْلُوَ شَيْءٌ مِنها عَنْ فائِدَةٍ مِن وُجُودِهِ في هَذا العالَمِ وإظْهارِ فَضِيلَةِ المَعْرِفَةِ، وبَيانِ أنَّ العالِمَ حَقِيقٌ بِتَعْظِيمِ مَن حَوْلَهُ إيّاهُ، وإظْهارِ ما لِلنُّفُوسِ الشِّرِّيرَةِ الشَّيْطانِيَّةِ مِنَ الخَبَثِ والفَسادِ، وبَيانُ أنَّ الِاعْتِرافَ بِالحَقِّ مِن خِصالِ الفَضائِلِ المَلائِكِيَّةِ، وأنَّ الفَسادَ والحَسَدَ والكِبْرَ مِن مَذامِّ ذَوِي العُقُولِ”[1].

ثم يقول كذلك: “وفي هَذِهِ الآيَةِ مَنزَعٌ بَدِيعٌ لِتَعْظِيمِ شَأْنِ العِلْمِ وجَدارَةِ العُلَماءِ بِالتَّعْظِيمِ والتَّبْجِيلِ لِأنَّ اللَّهَ لَمّا عَلَّمَ آدَمَ عِلْمًا لَمْ يُؤَهِّلْ لَهُ المَلائِكَةَ كانَ قَدْ جَعَلَ آدَمَ أُنْمُوذَجًا لِلْمُبْدَعاتِ والمُخْتَرَعاتِ والعُلُومِ الَّتِي ظَهَرَتْ في البَشَرِ مِن بَعْدُ، والَّتِي سَتَظْهَرُ إلى فَناءِ هَذا العالَمِ”[2].

لقد أعلى الله من شأنك أمام الملائكة، فاستكبر إبليس وأبى أن يسجد لك حسداً في نفسه. ثم ازداد حسداً وعداءً حينما قرّر أن يدخلك في صف المجادلين مع الله…

وأنت عندما طلبت العلم، الذي أعلى الله به شأنك، قد اعتذرت الملائكة عن قولهم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾؟ (البقرة: 30). ثم تواضعوا لله لما أدركوا قيمتك بعلم الله تعالى. ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ (البقرة: 32).  وشهد عليك علمك بأنك لن تدخل في دائرة المفسدين في الأرض، وإنما ستتخذ من علم الله النافع شمعة تنير بها طريقك في الدنيا، تنجو بها من ظلمات الطريق إلى الدار الآخرة.

أين ضاع عقلك وتاه قلبك بين كل هذه المعاني الربانية؟ فصرتَ تجادل الناس معتقدًا أن قولك هو الحق، وأن ما دونه الباطل، فينفجر غضبك والغضب من الشيطان. تجادل الله في القدر والأرزاق، التي لا ترى فيها إلا الظاهر، فيزداد غضبك فتُفسد في الأرض، وتُدمّر العلاقات بالحسد. فلا يستريح من غضبك وحسدك وجدالك البشر والشجر والحجر.

كل هذه الأفعال يوحي بها إليك حينما تجادل الله في القدر أو الرزق، فينفخ في قلبك وعقلك، ويؤثر على كلامك وحركاتك لأنك صرت في صفه لما تركت الخصال الحميدة التي خلقها الله فيك، واتّبعت الخصال الدخيلة عليك عندما غلبك إبليس بإغوائه لك، فتحقّق مراده فيك، ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (ص: 82)، وخرجت من الفئة الصالحة المستثناة ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ (ص: 83/ الحجر: 40).

الإيمان في الصبر، والصبر عند الشدائد، الصبر الأصعب هو الصبر على افتقاد شيء تريده. تحب فلانة وطلبت الله كثيرًا أن يجمعك بها في الحلال. صُنت حبك وأطعت الله فيه، ولم تطرق أبواب الحرام فيه، لكن أقدار الله شاءت أن لا يتحقق.

لقد صنت ودعوت ولم تصل، لأن الله يعلم ما لا تعلمه أنت، وهو أرحم بك من نفسك؛ إذا صبرت وتوكلت على الله وشكرته على اختياره لك، فقد صبرت صبرًا عظيمًا.

صبرت عن فقدان شيء كنت تعتقد أنه السبيل الوحيد لسعادتك وحياتك، من هنا عرفت العرب الصبر من صبر البقرة أو الناقة عن العشب، أي حبسها عنه وهي جائعة تراه وترغب فيه. أما إن جادلت الله في أسباب القدر، ولم تصبر على ما قدره الله لك، فقد سلكت طريق الشيطان، ورضيت بأن يوحي إليك.

تخرج من دائرة المجادلين كلما أدركت قول المصطفى عليه السلام: “عَجَبًا لأَمْرِ المُؤْمِنِ، إنَّ أمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وليسَ ذاكَ لأَحَدٍ إلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إنْ أصابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكانَ خَيْرًا له، وإنْ أصابَتْهُ ضَرَّاءُ، صَبَرَ فَكانَ خَيْرًا له” (مسلم (ت ٢٦١)، صحيح مسلم ٢٩٩٩). وحينما تدركه في أقوالك وأفعالك وتعمل به، وتستسلم لله، موقنا أن الأمور كلها لن يتحقق منها إلا ما أراده الله تعالى.

الجدل مرض خطير في كل الناس، ولو تأمّلت حياتك كلها لأدركت أنك متورّط بدون شعور في كثير من الجدل الذي يستنزف طاقتك وقوّتك كل يوم.

ماذا لو فكرت في محاولة تجنّب كل المواقف التي تجادل فيها من أجل صحتك وذهنك؟ بإمكانك الانسحاب من الجدل بطرق كثيرة، يمكنك قول “الله أعلم” أو صراحة “لا أدري” وغيرها من العبارات التي تعود بالنفع والراحة على قلبك وتفكيرك.

أما الجدل الأخطر فهو الجدل مع الله واتباع خطوات الشيطان في الاحتجاج على قضاء الله وقدره وإرادته.

نحن نجادل الله في مواقف كثيرة، نجادله حينما نخالف أوامره ونعمل بنواهيه، نجادله حينما نشعر بأن الآخرين أعطاهم الله أفضل مما أعطانا في الجمال والمال، نجادله حينما يغضب أحدنا ويسبّ وربما يقدُم على الانتحار وقتل نفسه لأن قدر الله يجري عكس ما تشتهيه رياحه. أنت عندما لا تُرجع الأقدار إلى الله تعالى، وتطمئن بتدبيره وتقول بقلبك صادقاً: “الخير فيما اختاره الله”، فأنت تجادل الله.

لقد أمنا بالله تعالى، وتوكلنا عليه، واستخرناه، وأسندنا أمورنا إليه، وفي النهاية لا نقول إلا ما يرضي الله ويرضي قلوبنا ويشعرها بالاطمئنان: قدر الله وما شاء فعل.

اُنظر إلى الجدل الذي أقامه بنو إسرائيل مع نبي الله موسى عليه السلام في قصة البقرة، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ (البقرة: 67). نلاحظ قلة توقيرهم لنبي الله تعالى، والإصرار والعناد في هذه المسألة. ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ﴾، و﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا﴾، ثم ﴿ قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾ (البقرة: 68، -69، 70).

وما أكثر المماطلين في زماننا هذا! تأتيه بكل الحجج والبراهين حول أمر ما فلا يكاد يُصدّقك، وما أكثر جدلنا وتساؤلاتنا اليومية التي لا تكاد تنتهي!

ثم نسأل: من الذي يدفع الإنسان إلى كثرة التساؤل والإصرار والعناد في كل تفاصيل حياته؟ من الذي يزعزع الإنسان في قلبه، ويقصف إيمانه بالقدر عند أبسط الابتلاءات؟ من الذي يُزيّن للإنسان الأعمال الشيطانية التي لا ترضِ الله ولا تَصلح للكائنات والأرض؟

إنه الشيطان، إذا فتحت له بابك، تمكّن بخطواته التدريجية من النفاذ إلى قلبك وعقلك والتحكم في أفكارك ومواقفك وأعمالك. وإذا تمكّن الشيطان من النفاذ إلى قلبك، زيّن لك أعماله وصدّك تدريجياً عن الطريق.

قال الهدهد، الذي عاد من مملكة بلقيس بعدما وجدهم في ضلالتهم: ﴿وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ﴾ (النمل: 42). الشيطان هو الذي يُزين للإنسان أعماله، ويُقرّبها إليه، ويُسهّل له طريق القيام بها.

الشيطان هو الذي يوحي إلى أوليائه أعمال الشرّ، ويعينهم على القيام بها وقضائها. قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ (الأنعام: 121).

هذه الآية تُلخّص الموضوع، وتعطينا سبب جدل الناس، ومصير ذلك، ونتيجته.

الشيطان يسبب الجدل، والجدل باب من الشرك.

متى أدركت أن القدر من الإيمان، عرفت أن الله يختار لك الأفضل. كلما آمنت به واعتمدت عليه، أدركت أن الشيطان ونفسك اللوامة هما العدوان لك.

والمؤمن لا يستغله الشيطان، ولا يسخر منه ويستخف به لأنه قوي بإيمانه، ثابت بتقواه، مدرك لخطوات الشيطان وتزيينه للأعمال.

إيمانك لن يدعك ضحية للشيطان، ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (الأنفال: 48).

في الآيات التي ذكرت قصة آدم، إشارات بليغة إلى الحسد باعتباره أحد أوجه جدال إبليس مع الله تعالى، فقد كان الحسد سبب تكبر إبليس. لقد خلقه الله من النار وخلق آدم من الطين، ثم أمره بالسجود لآدم، فأبى واستكبر حسدًا على ذلك التعظيم الذي أنعم الله به على آدم، فقد خُلق الشيطان من النار وهي مادة تفضل مادة الطين الذي خُلق منها آدم عليه السلام، ومع ذلك أمره الله للسجود لآدم.

يسأل: لماذا عظّم الله هذا المخلوق الجديد، وأمرنا بالسجود له وهو مجرد مخلوق من طين؟

هكذا يفكر أصحاب العقول التي غلب عليها إبليس وسيطر عليها، ولو آمنوا حق الإيمان لاقتنعوا أن المزية في خلق الله وعظمته تكمن في الخلق ونفخ الروح، لا في أصل المخلوقات.

لقد أصاب الإنسان من تأثير الشيطان ما أصابه، وأصبحنا نسمع بأن شوارب فلان، وشعيرات من شعر فلانة من المشهورين في عالم الإباحة والكفر، قد عُرِضت للبيع في المزاد العلني، يتنافس بعض أغنياء المسلمين على شرائها –هداهم الله وغفر لهم _.

في ماذا تحتاج شواربهم وشعيراتهن، وقد قضوا حياتهم كلها وهم يدعون إلى الكفر في واضحة النهار، يُشهّرون للإباحة والخمر؟ أليس الشيطان هو من زيّن لهم ذلك وشجَّعهم عليه؟

لقد تنافسوا على الأدلة التي ستشهد عليهم أمام الله، بأنهم اتبعوا الشياطين، وانضموا إلى أنصاره، فأبعدهم عن طريق الهدى.

يسمعون أنك مقبل على الزواج من فلانة، فتتحرّك قلوبهم وتتزعزع. يغضبون حسدًا ثم يفعلون الأفاعيل من أجل أن لا يتم عقد قرانك!

سُبحان الله، ما أشد جهلهم! عقد قرانك سيتم لا محالة إذا أراد الله ذلك، وإنما يُزيّن لهم الشيطان أعمالهم فيظنون أنهم منعوك. يكون قدر الله كما أراده الله وحده، ثم يُحاسبون أشد الحساب على أفعالهم الشيطانية التي لم يكن لها أي تأثير حقيقي على نتيجة القدر، وإنما هي اختبار لهم لضعف نياتهم وخبثها.

يُبعدك الله عن فلانة، ويبعدها عنك لعلم لا يعلمه غيره سبحانه وتعالى. فيعتقدون أنهم منعوك، وأنهم السبب في إفشال عقد قرانك. يحتفلون ويهرجون ويمرجون، وقد أكل الحسد حسناتهم كما تأكل النار الحطب. ثم يكشف لك الله السر في ذلك القدر، ويعوضك بخير منه في الدنيا والآخرة.

مساكين هؤلاء الذين يحسدونك، يسودّ قلبهم ويخسرون حسناتهم ويقطعون المسافات الطوال في طريق لا تنفعهم يوم الوقوف أمام الله. ثم لا يكون إلا ما أراده الله، ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ (الكهف: 49).

ما أكثر عقود القران التي تأجلت في الدنيا بسبب حسد بعضهم! يسلك الرجل طريق الصلاح يبتغي الحلال، فيأتي من باب أهلها يصارحهم طلبًا لرضوان الله قبل رضوانهم ورضوانها في طلبه. وما أن تظهر علامات الخير لأنصار إبليس حتى يتحركوا ويوحي إليهم رئيسهم الأفعال والأقوال لإفساد العمل. وقد أخبرنا الله تعالى أن الإنجاز الأهم للشياطين هو التفريق بين الأزواج.

سبحان الله، ما أعظم أسرار هذا القرآن وما أكمله وما أجمله! تأمل معي هذه الآية الكريمة التي بيَّنت كيف تتلو الشياطين على أتباعها فتعلمهم السحر والتفريق بين الأزواج. ثم لا يكون من سعيهم إلا ما أراده الله تعالى، ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 102).

تأمل أيضًا الحسد في آيات أخرى، وهو يصدر عن أنصار إبليس، أولئك الذين اتبعوه وأعانوه على تحقيق وعده. ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ (الأعراف: 16)، وورد في سورة البقرة في قوله تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ﴾ (البقرة: 109)، فهؤلاء لا يرتاح لهم بال حتى تصبح مثلهم وتتبع ملتهم؛ ملة الكفر بالله، والجدل مع الله، والإيمان بإبليس وأعماله ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ (البقرة: 120) .

ما أجهلك إن كنت من هؤلاء الذين يحسدون الناس في ما أتاهم الله من الأرزاق في المال والزوج والولد، وفي الطاعة والأخلاق، وقد نهاك الله عن ذلك، ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ (النساء: 32)، وإن فعلت فقد جادلت الله تعالى ولم تفهم رسالته.


[1]  التحرير والتنوير: https://tafsir.app/ibn-aashoor/2/34

[2]  المرجع نفسه.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.