التمييز بين الاقتصاد التقليدي والاقتصاد الرقمي (3) سلسلة مقالات الاقتصاد الإسلامي والرقمنة؛
الدكتور أحمد الإدريسي
التمييز بين الاقتصاد التقليدي والاقتصاد الرقمي (3) سلسلة مقالات الاقتصاد الإسلامي والرقمنة؛
بقـلم: الدكتور أحمد الإدريسي
تقديم عـام|سلسلة مقالات الاقتصاد الإسلامي والرقمنة؛
مميزات الاقتصاد الرقمي وفوائده (2) سلسلة مقالات الاقتصاد الإسلامي والرقمنة؛
لقد تطور الاقتصاد الصناعي بعد اكتشاف البخار ودخول الماكينة إلى واقع الحياة؛ فأصبحت المجتمعات واقتصادها توصف بالصناعية، حتى وصلنا إلى العصر الحاضر الذي يغلب عليه طابع المعرفة وتقنية المعلومات، إذ أصبح تطور الدول وتقدمها يقاس بما وصلت إليه من تقدم في الجانب التكنولوجي.
وبذلك أصبح الاقتصاد التقليدي يتخلى تدريجياً عن طرقه النمطية من حيث الإنتاج والإدارة والتسويق، ويعتمد على الجانب التقني الرقمي الإلكتروني في أغلب الأحيان.
ويمكن أن نميز بين الاقتصاد التقليدي والاقتصاد الرقمي من خلال ما يلي:
1- من حيث المفهوم:
لقد أثر التحول الرقمي للاقتصاد في المفاهيم التقليدية حول كيفية هيكلة العمليات التجارية، وكيفية حصول المستهلكين على السلع.
بينما توفر الشبكات الرقمية والبنية التحتية للاتصالات منصة عالمية يقوم الأفراد والمنظمات من خلالها بوضع الاستراتيجيات والتفاعل والتواصل والتعاون والبحث عن المعلومات.
فالاقتصاد الرقمي فرع من علم الاقتصاد يدرس السلع غير الملموسة ذات التكلفة الحدية الصفرية عبر الشبكة[1]. وبذلك نجد أن التحول الرقمي للاقتصاد يؤثر في المفاهيم التقليدية حول كيفية هيكلة العمليات التجارية، وكيفية حصول المستهلكين على السلع.
2- من حيث الموارد والإنتاج والتوزيع:
يقوم الاقتصاد التقليدي على اعتماد الموارد الطبيعة الخام وتحويلها إلى سلع ومنتجات مختلفة؛ باستخدام الآلات الصناعية والمكائن وما يتطلب من مجهود بشري يعتمد على قوة البدن والتحمل، بينما يعتمد الاقتصاد الرقمي على وحدات قليلة من العمال والآلات مع أجهزة الحاسبات، ويمكن القول إن النظرية التي كانت سائدة بأن (العمل هو أساس القيمة) قد انحسرت الآن وأصبحت (المعرفة هي أساس العمل) بظهور ما بات يعرف بمصطلح (العمل عن بعد) الذي يعتمد على الخلفية التقنية التي يتحلى بها العامل ربما وراء حدود بلد جهة العمل.
كما يعتمد الاقتصاد التقليدي استخدام الموارد لإنتاج سلع قيّمة وتوزيعها بين الناس. أما الاقتصاد الرقمي فهو يقوم بشكل مباشر على إنتاج وتوزيع واستخدام المعلومات والمعارف[2].
3- من حيث مبادلة السلع والخدمات:
الاقتصاد التقليدي قائم على مبادلة سلعة أو خدمة بنقد في مكان محدد وفي دولة معينة، أما في الاقتصاد الرقمي فيتم التعاقد فيه على السلع والخدمات من أماكن متباعدة وكل من المتعاقدين في مكانه، مع إمكانية التعرف على جودتها وكامل أوصافها قبل إبرام العقد وإتمامه.
4- من حيث النقود والعملات:
يعتمد الاقتصاد التقليدي على النقود الملموسة أو الصكوك، وكذلك العملات. في حين يعتمد الاقتصاد الرقمي في التعامل بالنقد مقابل السلع والبضائع والخدمات على الآلات وشاشة الحاسوب الإلكترونية وأجهزة اللوحات وتطبيقاتها الذكية عن طريق النقود الإلكترونية؛ في شكل البطاقات الائتمانية المعتمدة.
أما العملات الإلكترونية فالأمر فيها أدق؛ فهي لا تخضع إلى معايير جهة إصدار معينة ولا إلى سلطات سيادية تخضع لمصرف مركزي صادرة عنه، كما هو الأساس المعمول به في سائر النقود النمطية المعروفة منذ القدم.
5- المقارنة بين خصائص ومميزات الاقتصادين:
يتميز الاقتصاد الرقمي عن الاقتصاد التقليدي باختصار الوقت، وتقليل الجهد، وانخفاض التكلفة وسرعة التنفيذ، ودقة إحكامه، على مستوى الأفراد والمؤسسات والدول.
وعند مقارنتنا بين خصائص الاقتصاد التقليدي والاقتصاد الرقمي[3]؛ نلاحظ هيمنة وسعة الاقتصاد الرقمي مقارنة بالاقتصاد التقليدي من حيث مفهومه العام وتشعبه وتعدد موارده التي تتوافق مع طبيعة عصرنا الحالي، ويبقى هذا الأمر – نسبياً – يتوقف على مدى تطور هذه الدولة أو تلك ومدى تغلغل الاقتصاد الرقمي فيها من عدمه.
ومن جهة أخرى يعمل الاقتصاد الرقمي ضمن ما يسمى بالعولمة، التي تمثل ظاهرة ذات أبعاد سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية، إذ تشير ظاهرة العولمة الاقتصادية إلى تزايد الاعتماد المتبادل بين بلدان العالم من خلال زيادة حجم وتنوع التجارة بين الدول في السلع والخدمات وتدفق رأس المال والانتشار السريع للتكنولوجيا.
وبذلك أصبح توسع نمط صور الحياة في المجالات المختلفة الهدفَ الأبرز الذي تطمح إليه جميع الدول، إلا أنه مرهون بوجود الوسائل والآليات؛ التي يعتمد عليها في مسيرته، والتي تعتمد هي الأخرى على الطاقة المحرّكة لها، إضافة إلى وجود البنية التحتية المساعدة لها والبيئة الجاذبة والمشجعة للاستثمار فيها.
خاتمة:
مع التقدم السريع في تطبيقات التكنولوجيا لم تعد التكنولوجيا الرقمية الواجهة الأمامية اللامعة للمؤسسات، فقد تم دمجها في كل جانب من جوانب شركات والمعاملات المالية بشكل عام، ومن ذلك مثلا؛ ظهور وسيط تداول العملات الأجنبية عبر الإنترنت، تسمى “شركة وساطة” تقوم بتنظيم المعاملات بين المشتري والبائع، والتجارة الإلكترونية، والعملات المشفرة، وتجارة العملات FOREX Broker .
لذلك وجب التأكيد على ضرورة ضبط القوانين المنظمة، للاقتصاد الرقمي بكل فروعه ومجالاته ومؤسساته؛ لحماية المؤسسات والأفراد، واقتصاد الدولة، خاصة وأن جميع المواقع المنتجة للاقتصاد الرقمي هي مواقع فرضية لا تمثل الموقع الجغرافي للمستهلك ولا للمنتج.
ويجب أيضا على المختصين دراسة التغييرات الجوهرية في مفهوم التبادل الاقتصادي وتطور نمط الاقتصاد، وفق رؤية شرعية وقواعد ومقاصد الشريعة؛ لضبط ما يجري من مبادلات السلع والنقود والعملات، والتي تختلف أشكالها وتتطور بشكل متسارع.
والحمد لله رب العالمين.
[1] – د. جعفر حسن جاسم، مقدمة في الاقتصاد الرقمي. دار البداية ناشرون وموزعون، ط1/ 2017م – 1438هـ، ص178-179.
[2] – المعلوماتية واقتصاديات المجتمعات المعاصرة ومواردها البشرية، عبد السلام الدويبي، المجلة الليبية للمعلومات والتوثيق، العدد الأول، 2004، الصفحة: 48.
[3] – موجهات التنمية الصناعية في الاقتصاد الجديد، مداخلة مقدمة إلى المؤتمر السنوي الأول للجمعية الاقتصادية العمانية، مسقط، بتاريخ: 2-3 أكتوبر 2005م، الصفحة:14.