منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

مذكرات سائق سيارة أجرة؛المواجهة التاسعة: الوحل

عبد الفتاح بلخوار

0

مذكرات سائق سيارة أجرة

المواجهة التاسعة: الوحل

بقلم: عبد الفتاح بلخوار

كان ذلك اليوم مختلفا… عصر يلمع بحزن صامت، كضوء يعتذر عن نفسه، كأنه ضوء خرج من صدر السماء لا من عين الشمس.

وكنت واقفا عند ملتقى شارع علال الفاسي وشارع عبد الكريم الخطابي، بجوار سوق يعجّ بالبشر كأنما خُلق الزحام فيه أول مرة.

وهناك، حيث تتلاقى خطى الناس دون أن تتلاقى أرواحهم، تقدم نحوي شاب في الثلاثين من عمره، يرافقه شابتان، فجلستا خلفي صامتتين صمتا فيه ما فيه من التكلف. أما هو، فجلس جواري، ورمى بكلمته السريعة: “إلى باب دكالة …”

كانت رنة صوته لا تحمل الامتنان، بل تحمل العادة… عادة من يرى كل سائق أجرة جزءًا من الطريق لا من البشر.

تحركت بسيارتي، وأنا أشق الشارع الممتد، وبين ضلوعي ذلك الشعور القديم، كنت أعرف الحيلة قبل أن تنطقها نظراتهم… رفقة تتظاهر بأنها رفقة، وما هي إلا اتفاق غير معلن لاقتسام أجرة واحدة، فيحرم السائق حقا أجازه له الشرع والقانون، ما دام الجميع في تلك الوجهة، وما دام الراكب الأول لم يرفض.

لم أُرد أن أُفسد لحظتهم المصطنعة، فقد علّمتني المهنة أن أصمت حين يكون الكلام كالماء على الرمل.

وما هي إلا دقائق، عند شارع فلسطين نزلت الشابتان، فانفتح في السيارة فراغ له صوت… كأن خروجهما سحب غطاء عن حقيقة، التفت إليّ الشاب وقال، وفي صوته رائحة عجب لا رائحة حياء:” أنا أيضا سائق طاكسي… لكن لم أبدأ عملي بعد . “

ابتسمت له من باب المواساة، وقلت: “الرزق يا أخي لا يجيء بكثرة الدوران… يكفي أن يشاء الله لك ساعة فتصيب منها ما لا تصبه في يوم كامل. “

وما ظننت أن الرد سيخرج من فيه على تلك الصورة… اقترب مني وهمس، كأنما يزف إلي خبرا سارا: »أنا رزقي مع الجميلات… لا أضيع وقتي مع زبائن الدرهم والدرهمين”
فشعرت كأن سكينًا مُرّة انغرست في صدري، ليست سكين قوله… بل سكين فخره بما قال.

يا إلهي… كيف يبتلى الإنسان بأن يتحول رزقه إلى معصية، ثم يجد في المعصية زينته؟
كيف يصبح رجل من أبناء هذه المدينة العريقة تابعا لضياع امرأة، لا يخرج إلا بندائها، ولا يكسب إلا من خطوتها… وكأنه عبد لفتنة تسوقه كيف تشاء؟

قلت له، وقد قسا صوتي قبل أن أقسو:  » أترضى أن تجعل رزقك غبارا يتساقط من أكتاف الضائعات؟ أتجعل مقعدك جسرا يعبر عليه ضعف نحو هاوية؟ أ تأكل من لحم أرواح أنهكتها الحاجة؟  كيف ترضى لنفسك أن تأكل من لحم روح تنهشها الفاقة…؟ «

سكت الشاب… سكت لا خجلا ولا ندما، بل سكت سكوت من ضاق صدره بأن يسمع صوت الحق، حتى لو لم يردّه.

وعندما وصلنا إلى مشارف “باب دكالة”، أشار إلي فوقفت، نزل من السيارة، ومضى يمشي دون أن يلتفت، مضى خفيفًا، كأنما ألقى خطيئته كلّها خلفه، وتركني أحمل ثقلها وحدي.

وما إن أغلق الباب، حتى شعرت كأن شيئًا انكسر في صدري، ليس بسبب رجل واحد… بل بسبب صنف كامل يجعل من الرذيلة رزقا، ومن الحاجة تجارة، ومن مهنة نبيلة سلما لخطيئة تتزين في أول الطريق، ثم تغلق في آخره كقبر لا نافذة له.

لم يكن وجعي منه وحده، بل من جرح يصيب مهنة كاملة بفعلة فرد، فالرذيلة إذا ارتكبها واحد، لصقت بجبين ألف، وصار الناس يعممون الظل حتى على من يمشي في الضوء ، لم يكن حزني عليه… بل على صورته التي ألصقها الناس بنا نحن السائقين.

فإن أمثال هذا وأشباهه علّقوا في رقبة المهنة ما ليس منها، حتى صار بعض الناس إذا تحدثوا عنا قالوا: » سائقو سيارات الأجرة… ما أكثر حيلهم وما أخفى نواياهم « !

ولا يعلمون أن بيننا رجالا شرفاء، رجالا يصونون أقواتهم كما يصون المصلي سجادته.
لكن الوحل-يا صديقي- يعلو صوته أكثر من صوت الماء الصافي.

مال رأسي على المقود… وأحسست بالمدينة كلها تبكي معي، هذه مراكش… مراكش التي كانت يوما منارة المرابطين، كيف تصبح ساحة تختطف فيها الحاجة أرواحا غضة وتدفع بها إلى ليل لا يضيء؟ عندها، انهار شيء في داخلي…

فبكيت…
نعم بكيت كما يبكي المرء إذا رأى عظيمة تقع أمام عينيه وهو عاجز عنها. و بين دمعتي وذكر الله همست: » اللهم ردّ كلّ ضائعة، واغفر لكلّ مبتلى،
واحفظ هذه المدينة من ليل لا يرحم «

ثم مسحت وجهي، ورفعت المقود، ومضيت في الطريق… والمدينة حولي تمشي، لكن شيئًا فيها كان يبكي… ويبكي معي.

في رعاية الله

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.