مذكرات سائق سيارة أجرة؛ المواجهة العاشرة: العنف لا يأتي بخير
عبد الفتاح بلخوار
مذكرات سائق سيارة أجرة
المواجهة العاشرة: العنف لا يأتي بخير
بقلم: عبد الفتاح بلخوار
لم تكن شوارع المدينة في ذلك الصباح تحمل جديدًا يُرى؛ الأرصفة ذاتها، والأشجار ذاتها، وضجيج المدينة يركض بلا قدمين، ووجوه الناس تمرّ كما تمرّ الريح: تلامس ولا تقيم.
غير أن للسائق عينًا ثالثة، لا تنظر فحسب، بل تُصغي؛ ترى ما وراء الزحام، وتلتقط ما يسقط من بين الكلمات.
كنت قرب سوق الخميس، في عين اطي، ذلك المكان الذي يختلط فيه صوت البائع بالحاجة، وصوت الفقير بالطموح. وبينما كانت الشمس تسحب ظلها على الأسفلت، أشارت إلي يد شاب أسمر السحنة، محمول في ملامحه شيء من الصحراء: صلابة الرمل حين يجف، وحنانه حين يلين.
ركب السيارة، ونطق باسم وجهته بلهجة لا تخطئها الأذن: “تالوجت”.
تحركت بالعربة، وحين سكت هو، تكلمت الطرقات. فالمدينة تعرف أبناءها بالغريزة، وكنت أعرف أن الشاب طالب علم، ساقته الأقدار من الجنوب البعيد إلى مراكش، كانت محفظته الجلدية تحت إبطه، كأنها تحمل كتبه وأحلامه، وربما خيباته الأولى.
حاولت أن أفتح باب الحديث، وكان في ذهني مشاهد المواجهة التي دارت قبل أيام بين الطلبة الصحراويين وبعض الطلبة الآخرين، ثم مواجهة رجال الأمن معهم. حجارة تتطاير، وصراخ يعلو، كأن النيران لم تلتهم سيارات فقط، بل التهمت جزءا من عقل الأمة، لم تكن هذه المشاهد تعجبني، وكلما رأيت أو سمعت مثلها، تذكرت قول النبي صلى الله عليه وسلم:
“إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف.”
فسألته، لا اتهامًا بل طلب فهم:
– ما الذي جرى؟ وهل هدأت النفوس؟ الخير في الرفق يا صديقي، أليس كذلك؟
ظننته سيوافقني الرأي و يسأل الله كما سألت أن يجنبنا الفتن ما ظهر و منها بطن.
نظر إلي بنظرة فيها كبرياء لا يخلو من جرح، وقال بحدة:
- يستحقون ما هو أشد من كسر السيارات.
فاجأني جوابه، و فجاجته أوجعتني. و مع ذلك قلت له برفق:
- الفتن يا أخي إذا اشتعلت أحرقت الجميع.
كأن كلمتي ضغطت زرًا خفيًا في صدره، فانفجر غضبه دفعة واحدة:
- وما يفعلونه فينا؟ احتلوا أرضنا، نهبوا خيراتنا، وتريد منا أن نسكت؟
كان يتكلم عن الوطن وكأنه يتكلم عن عدو، وكان يتكلم عن نفسه وكأنه لا ينتمي إلى ما حوله، و اكتشفت أني ربما أخطأت في فتح هذا الحوار الذي كنت آمل أن يكون هادئا و أخويا، إذ ليس بيني و بين الجالس بجانبي أي عداء، سألته بهدوء لا يجيد الغضب:
قلت، محاولًا أن أستعيد أرضًا مشتركة: – ألست واحدًا من هذا الوطن؟
قال بحدة تحمل اضطرابا أكثر من قناعة:
- نحن صحراويون قبل كل شيء و سنقيم دولتنا.
لم أضحك، ولم أغضب، بل قلت كمن يضع مرآة أمام وجه لا يراها:
- الدولة ليست كلمة تُقال، ولا راية تُرفع في الهواء؛ الدولة كيان يُبنى، واقتصاد يُدار، ومؤسسات تُحمى، وحدود تُصان. فهل تقوم دولة على الاعتماد؟ أم تعيش على الاستجداء؟
سكت. السكون حين يأتي فجأة يكشف هشاشة الفكرة التي كانت تبدو صلبة.
ثم قلت، وأنا أنظر أمامي إلى الطريق الممتد، كأنما أخذته مثالاً للعالم:
- العالم من حولنا يتكتل، وأوروبا التي مزّقت أوطاننا بالأمس، صارت اليوم جسدًا واحدًا، الحدود عندهم صارت عابرة، وعندنا صارت خنادق، نحن أبناء لغة واحدة، وتاريخ واحد، ودين واحد، ومع ذلك نمزق أنفسنا بإرادتنا.
لم أقلها لأدافع عن سلطة. بل لأدافع عن معنى اسمه الأمة.
قلت:
- أتدري من رسم حدودنا؟ من قطع أوصالنا؟ لم يكن الله. ولم تكن إرادة أمة.
بل كانت أقلامًا باردة على موائد استعمارية، تشق الجسد العربي كما يشق السكين اللحم، ثم تتركه ينزف وحده.
ظل ينظر من النافذة، لا هروبا، بل محاولة لإخفاء ارتباكه.
ثم قلت جملة واحدة فقط، ولم أزد:
- الوحدة قوة، والتشرذم ضعف. هذه ليست شعارات، بل قوانين إلهية.
وصلنا تالوجت قال: أنزلني هنا.
نزل.
وهو يغلق الباب، لم يشتم، ولم يتفوه، لكنه بقي واقفا لحظة، كمن يريد أن يقول شيئا ولم يجد له لغة.
أما أنا، فواصلت طريقي. وفي داخلي سؤال واحد:
أتبقى هذه الأمة رمالًا مبعثرة في الريح، أم يأتي يوم يجتمع فيه الرمل، فيصير أرضًا صلبة للبناء؟
قلت في نفسي: أستغفر الله. ألم يعدنا ربنا أن نكون أمة واحدة؟ وأن العاقبة للمتقين؟ إنها مسألة وقت، وما التفرّق إلا مرآة لما في النفوس، ولا يغير الله ما بنا من تشرذم حتى نغير ما بأنفسنا.
في أمان الله..