منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

مذكرات سائق سيارة أجرة؛ المواجهة السابعة: البوانتاج « Pointage »

عبد الفتاح بلخوار

0

مذكرات سائق سيارة أجرة

المواجهة السابعة: البوانتاج « Pointage »

” أحكي عن هذا الطقس الصباحي الإجباري،
ولا أدري أهو باقٍ إلى اليوم كما كان في بداية الألفية الثانية، أم طواه النسيان.”

بقلم: عبد الفتاح بلخوار

 

من مراكش أرض الخير والبركات، مسقط رأسي ومأوى فؤادي، أتنفّس عبيرها الذي لا يُشبهه في الدنيا إلا عبير المسجد الحرام، والمسجد النبوي على ساكنه أفضل الصلاة وأزكى السلام، والمسجد الأقصى وغزّة حيث الرباط إلى يوم القيامة. لا أتخيل لي سكنا في غيرها، ولا تسكنُ روحي إلا إذا استقرّت بين أزقّتها العابقة بتاريخها.

كم قست عليّ أحيانًا، وكم تجاهلتني، وكم احتفت بالغرباء أكثرَ منّي، وأنا ابنُها الذي لا يملكُ إلا أن يُحبّها! فإذا غادرتُها، تركتْ في قلبي فراغًا لا يملؤه إلا مشهدُها البهيُّ من مرتفعاتِ الرحامنة وأنا أطلُّ عليها عائدًا من الدار البيضاء، كأنّي أستعيدُ الحياة بعد غيابٍ طويل.

منها أستعيد اليوم مشهدًا من زمنٍ ليس ببعيد، زمنٍ كنتُ فيه سائقَ سيارة أجرة أجوب شوارعها، أتنقل بين وجوه الناس وأحلامهم، وأحمل في كل رحلة حكاية و قصصا لا تنتهي، أروي منها ما حفظته ذاكرتي لا بترتيبٍ زمني، بل بترتيب الدهشة والوجع.

ومن بين تلك الذكريات، أقف اليوم عند مواجهةٍ لا تقلّ غرابةً عمّا تقدّمه أفلام الأبيض والأسود حين تصوّر “الفتوّات” في أحياء مصر القديمة… أبطالاً مناصرون للحق لا يُهزمون تارةً، وأشراراً لا تشبع غرائزهم تارةً أخرى، أولئك الذين فرضوا على الناس إتاواتٍ باسم الحماية، كنت أظنها أساطير من نسج الخيال، وكنتُ أظنّ أن تلك الظاهرة على احتمال أنها حقيقية فلا شك أنها انقرضت، فإذا بها تُطلُّ برأسها من نافذةٍ أخرى، في زمنٍ آخر، بثوبٍ إداري باردٍ يختبئ وراء صمت أقل ما يقال عنه أنه صمت منافق.

أتحدث عن الموعد الصباحي الذي لا يجوز للسائق أن يتغيب عنه، أقصد ما بات يعرف ب “البوانتاج، تلك الكلمة الصغيرة التي تحمل في جوهرها عالمًا من الغرابة واللامعقول.

كل صباحٍ، كان سائقو سيارات الأجرة في مراكش يصطفّون في طابورين طويلين:

أحدُهما قبالة  حي قبور الشهداء، الذي يُسمّيه أهل المدينة تحببًا واختصارا “قبور الشو”، والآخر في شارع آسفي، خلف المقبرة الأوروبية حيث السكون الأبديّ يُطلّ على صخب الحياة.

هناك يقف الشرطيّ في انتظارهِم، يحمل سجلا قديماً يدوّن فيه رقم الرخصة أمام رقم السيارة، كأنّ الزمان توقّف عنده منذ عقود، يقف السائق في الطابور طائعًا، يحمل همَّه وصبره، ليؤدي واجبًا لا يعلم في الحقيقة ما الجدوى منه، سوى أنه “إجراء روتيني”.

غير أنّ السؤال الذي ظلّ يؤرّقني وأنا أعيش المشهد كلّ صباح: أهو واجب أم عبث؟ هل من الضروريّ حقًّا أن يتقدّم السائق كلّ صباحٍ ليُثبت أنه هو نفسه من يقود السيارة ذاتها؟ أليس الأجدر أن يُصرّح مرةً واحدة بالسيارة التي يشتغل عليها، فيُحفظ بذلك وقته وكرامته، وتُخفّف عن الشرطي عبءَ هذا الروتين؟ أليس في التنظيم ما هو أرحمُ بالعامل وأجدى للإدارة؟

ذلك الطابور الطويل كان يشبه صفًّا من الصابرين في امتحانٍ بلا معنى، يحملون في صدورهم التذمّر ويُخفونه في نظراتهم.

غير أن ما يزيد الطين بلة ، تلك “الخمسة دراهم” التي تُدفع كل صباحٍ، – لا أحد يعلم مصيرها- كأنها واجب وطنيٌّ لا يُعفى منه أحد، مبلغٌ صغير في ظاهره، لكنه كبير في رمزيته، كأنّه ضريبةٌ على الكدّ، أو تذكرة عبورٍ إلى يومٍ جديد، من لم يؤدِّه فهو مخالف، ومن أدّاه فقد اشترى راحته بثمنٍ زهيدٍ من الكرامة، والعجيب أن السائقين، وهم أبناء الحاجة والكدّ، صاروا يعدّون في صمتٍ ما يُجمع من تلك الدراهم، يحسبون السيارات، ويخمّنون المجموع اليوميّ، فيبلغ في أحيان كثيرة آلاف الدراهم، يتسلّون بلعبة العدّ، و يقارنون بين ربحهم اليومي الذي يخرج من بين فرث و دم، و بين أموال كثيرة من جيوبهم تجمع دونما جهد أو تعب.

هناك، في ذلك الطابور الطويل، تنكشف لك مأساةٌ هادئة، مأساةُ الكرامة اليومية التي تُهدر بلا ضجيج.

ما أعظم أن تُنظَّم حياة الناس، و كلنا نعرف للساهرين على راحة الناس حقهم، و نشكر لهم جهدهم و هو بلا شك عمل مأجور محمود، ولكن ما أقبح أن يُذلَّ تحت ذريعة التنظيم الإنسان البسيط الذي لا يملك إلا عرق جبينه!

إنّ هذه الظاهرة، في بساطتها على ما يبدو للكثيرين، تختزل فلسفةً كاملة عن علاقتنا بالإدارة، ما زلنا نثق في الورق أكثر من الإنسان،  ولو أننا جعلنا المسؤولية في موضعها – أن يُصرّح السائق بسيارته مرة واحدة ويتحمّل تبعاتها- لحفظنا وقت الجميع وكرامتهم معًا.

عزيزي القارئ، إنه “البوانتاج” كما عرفته، مشهدٌ يوميٌّ عابر، لكنه يحمل في طيّاته أسئلةً عن العدالة والكرامة، أسئلة لا تموت، لأنها تمس الإنسان حين يُختزل وجوده في رقمٍ يُسجل ودرهمٍ يُدفع.

ويبقى في القلب رجاءٌ خافت، أن يأتي يومٌ تُدار فيه مدينتي كما تُدار القلوب المحبّة: بلا إذلالٍ ولا عبث، يومئذٍ، لن يكون “البوانتاج” إلا ذكرى من زمن ولى، يُقرأ في المذكرات كما تُقرأ الأساطير القديمة.

أستودعكم الله و إلى مواجهة أخرى بإذن الله

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.