منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

مذكرات سائق سيارة أجرة؛ المواجهة الثامنة: الفرج القريب

عبد الفتاح بلخوار

0

مذكرات سائق سيارة أجرة

المواجهة الثامنة: الفرج القريب

 بقلم:  عبد الفتاح بلخوار

ما إن خرجتُ من ذلك المسجد الصغير الملتصق بطرف رياض العروس بعد صلاة العشاء، حتى شعرتُ بالليل المراكشيّ يفتح ذراعيه كأمٍّ حكيمةٍ تضمّ أبناءها إلى صدر التاريخ، وكان الهواء يحمل رائحة الأزقة القديمة كأنما يذكّرني بأن المدينة لا تنام بل تستبدل يقظتها بنوعٍ آخر من الحياة، كانت السماء تمتدّ فوقي كرقعة زرقاء سكب عليها الليل حبْرَه، وكانت النجوم تتقارب مثل عناقيد ضوءٍ تنضج ببطء فوق مراكش ، والريح تمرّ في الدروب تمرير أمٍّ ليدها على جبين طفلٍ نام منذ قليل.

كان قلبي ساكنًا على نحوٍ غريب، كأن الصلاة نزعت عنه أثقاله، وتركته خفيفًا، مستعدًا لاستقبال معنى لا أعرف أنه ينتظرني في زاوية الليل.

أقفلتُ باب سيارتي خلفي، قبضتُ على المقود كما يقبض المسافر على مصباحه في ليلٍ تتسع فيه الاحتمالات. لم تكن لي وجهة، فمراكش لا تحتاج إلى وجهات؛ هي بذاتها طريقٌ، ومجازٌ، ونافذةٌ مفتوحة على قدرٍ يجيء من حيث لا تدري.

وصلت إلى حي دار الباشا، ذاك الرواق العتيق الذي ظلّ عبر القرون شريانًا يصل الأزقة ببعضها، وكأنّ المدينة قلبٌ واحدٌ تتوزّع فيه العروق بانتظامٍ وحنوّ، ذلك الشريان العتيق من مراكش: شارع يمتدّ كجسر بين رياض العروس وحيّ الرميلة، يقود إلى الكتبية وساحة جامع الفنا.

وكان قصر دار الباشا يقف في ذلك الظلام كجسدٍ من الصمت المرصّع بالزليج، شهوده من الخشب والعطر، وتاريخه الممتد منذ 1910 يلمع في زخارفه كما يلمع الزمن في المرآة القديمة

وفيما كنت أمرُّ بجانب المطعم الشهير هناك، لمحني زميلٌ لي – من أولئك الذين تُشرق أخلاقهم ولو عاشوا تحت سقوف الهمّ – لوّح بيده، ولوّحت له بابتسامة أسرع من الصوت، فركنتُ السيارة، إذ خُيّل إليّ أنه يحمل همًّا أو حاجة ، فإذا به يطلب مني أن أوصل سائحين اثنين متجهين إلى الجهة نفسها التي يقصدها زبائنه الثلاثة.

ابتسمتُ له، وشكرته على جمال فعله، فهو من تلك النفوس التي تشعرك أنّ الخير يُنبتُ أحيانًا في الطرقات كما تنبت الزهور بين الحجارة.

ركنتُ سيارتي في الموقف القريب، وجلستُ في صمتٍ هادئ أنتظر خروج السائحين. دقائق، فإذا بهما يقفان أمامي، وكانا يحملان ذلك اللطف الأوروبيّ البارد، الذي يذوب سريعًا حين يلاقي حرارة الاستقبال و الضيافة، التي جبل عليها المغاربة و مارسوها أبا عن جد.

صعدا، وجلستُ أنا، تبادلنا التحايا و الابتسامات، وسألتُ عن الوجهة…

ثم أدرت مفتاح السيارة….

ولا شيء… سوى صمتٍ يشبه انقطاع النفس لحظة خوف …

أدرته مرةً أخرى .. ولا شيء…

يا ربّ… لم تخذلني سيارتي يوما …

تراكمت اللحظات في صدري مثل حبات رمل تسقط في ساعةٍ رمليةٍ تتضخم، فيها الحرج والدهشة. كيف أشرح لهم؟ كيف أقنعهم أنّ هذا ليس تهرّبًا، ولا عذرًا، بل عطبٌ حلّ في اللحظة التي لا يزورها العطب إلا ليحرج الإنسان أمام نفسه، قبل أن يحرجه أمام الناس؟

كنت أبتسم خجلاً، وهم يحدّقون صامتين؛ صمتٌ فيه سؤالٌ وفيه خوفٌ وفيه استغرابٌ من مصادفةٍ تعاكسهم.

وفي تلك اللحظة التي كان الصمت فيها يضغط على صدري، رأيت القدر يقترب بخطواتٍ بشرية… كان شرطيًا شابًا، في ملامحه ما يستفزّ حسن الظن، شيء من الطيبة التي لا تُشترى ولا تُدرَّس. كان واقفًا قرب بوّابة قصر الستينية.

اقترب منّي، وقال بصوتٍ لا يحمل أمرًا، بل يحمل مشاركة: “ما مشكلتك صديقي؟

شرحتُ له، فابتسم ابتسامةً لم تُشر إلى سخرية، ولا إلى ريبة، بل إلى إنسانٍ يعرف أنّ للناس حاجاتٍ لا تُقاس.لم ينبس ببنت شفة، بل وضع كلتا يديه على مقدمة السيارة، أخفض رأسه قليلًا، كمن يستجمع عزمه لدفع دنيا كاملة.وأشار إليّ: “حاول الآن.”

دفع السيارة كأنما يزحزح الليل قليلًا ليمنحني ممرًا من فرج…

دفع… ودفعتُ معه بالدعاء…

فتحرّكت السيارة، كما لو أنّ قلبها عاد ينبض بعد صدمة، استيقظ المحرك كجَوادٍ يشهق بعد كبوة، اشتغل المحرك، وضجّت روحي بما يفوق الامتنان، وضجّ قلبي بالشكر، شكرته بصدقٍ يعجز اللسان أن يبلغه. ابتسم، وقال كلمةً ما زلت أسمع صداها يتردّد في أذني كلما عبرتُ هناك:
الله يسهّل عليك.”

ثم مضى…

لكنّه لم يمضِ من قلبي.

في الطريق، تغيّرت ملامح السائحين، كأنّ هذا المشهد القصير، فتح لهم نافذة على وطنٍ يختلف عما تخيلوه؛ وطن يُعرّف نفسه بفعلٍ بسيط لا بعبارات الدعاية. أخذوا يتحدثون بانبهارٍ بلغةٍ يختلط فيها العجب بالإعجاب، وقال أحدهم:

“This country… It feels different tonight.”

ابتسمت… لم أحتج أن أفهم كل الكلمات؛ فالأثر يفهمه القلب قبل العقل.

ذلك الشرطي – سعيد – لم يكن يعلم أن فعلاً كهذا يقدم للوطن أكثر مما تقدمه الحملات السياحية، لم يكن يعلم أنه يزرع في قلب سائحٍ بذرة ثقة، وفي قلب سائقٍ بذرة امتنان، وفي قلب مدينةٍ بذرة نور.

مرّت السنوات. تركتُ مهنة السياقة. تبدّلت الأيام، وتبدّلت معها طرق رزقي،
لكنّي ما زلت أراه أحيانًا في شوارع مراكش، يمشي بين الناس كأنّه عابرٌ عادي، لا يعرف أنّ في رصيفٍ ما، وفي سيارةٍ ما، وفي قلب رجلٍ ما… هناك صفحة من النور تحمل اسمه.

وكلما جلستُ إلى أحد الأصدقاء، أو ركبتُ مع أحدٍ من أهلي، ومررنا بالقرب من المكان نفسه، خرجت القصة من صدري كما تخرج الصلاة على النبي صلى الله عليه و سلم من لسان المؤمن، أحكيها… وكأنها جرحٌ جميل… أو كأنها وردة خبّأتها الذاكرة في كتاب العمر، كلما فتحته عاد العطر يسبق الكلمات.

إنّ حفظ الجميل يا صديقي ليس عادةً نتعلمها… إنه نور، وما فعله سعيد كان شرارةً،
وأنا لم أكن إلا قلبًا كانت فيه قابليةٌ للاشتعال.

ولهذا -رغم مرور الزمن- لا تزال تلك الليلة عندي حقلًا من الضوء،

لا تُنسى،

ولا تدفن،

ولا تبهت.

إلى اللقاء في مواجهة قريبة إن شاء الله.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.