مذكرات سائق سيارة أجرة
المواجهة السادسة: طريق السلامة وإن طالت
بقلم: عبد الفتاح بلخوار
كلُّ حيٍّ في مراكش له نكهتُه، ورائحته، وصوته، لكن حيّ الموقف له ما هو أعمق من ذلك: له ذاكرة. هناك وُلدتُ، في درب بوهو بتابحيرت، دربٍ صغيرٍ له ثلاث مداخل عبر طوالة سيدي عبد الله الفخار أ ما باتت تعرف بشارع الحرية، و عبر درب باعزي و أيضا عبر الدرب القريب منه درب سيدي عبد الله الفخّار، ذاك الوليّ الصالح الذي كان شيخًا للإمام سيدي عبد العزيز التباع، وفي رُكن من أركان ضريحه، كان الحاج الحافظ الدرهم – والد الفنان و الشاعر الكبير محمد الدرهم، أحد رموز مجموعة “جيل جيلالة” – يعلّم صبيان الحيّ حروف العربية الأولى، ويربّيهم على حبّ القرآن.
تلك المشاهد الأولى من طفولتي، كانت المدرسة الأولى التي تعلّمتُ فيها كيف يصير التراب ذا روحٍ حين يمشي عليه الصالحون، تصبح الأزقة و الدروب ذواتا أرواح تحكي تاريخ من مر بها من الأعلام، و كأنني أسمعها تحكي حكاياتها التي لا تمل.
قريبا من الحي يقف شامخا باب الدباغ، بما له من هندسةٍ عجيبة ملتوية، ظلّ بالنسبة إلينا بابًا للدهشة. لا يمرّ منه إلا الدواب، فهو ضيّقٌ مقصود، بناه الأجداد بذكاءٍ ليصدّ الغزاة، وليُتيح للمدافعين أن يحموا المدينة بسهولة. حوله تنتشر دور الدباغة، حيث تختلط رائحة الجلد والماء والجير، وتغدو الحياة نفسها كأنها دباغةٌ للروح، تُطهّرها بالصبر وتلوّنها بالعَرق.
كبرتُ بين هذه الأزقّة الضيّقة التي تحفظ الوجوه والأسماء عن ظهر قلب، بين أمّي لالة عبوش – تلك السيدة التي علمتني أن اليد التي تخدم لا تُذلّ – وبين إخوتي – عبد الهادي الأكبر و العزيزة الوسطى- الذين هم سكّان قلبي، كان أبي الحاج رحّال، رحمه الله، رجل صدقٍ لا يأكل إلا من كسب يده. كان خضّارًا بسيطًا، يرى في البيع والشراء امتحانًا للأمانة قبل أن يكون سعيًا للرزق. لم أصحبه كثيرًا، فقد رحل وأنا صغير السن، لكنّي عرفتُه من خلال روايات أخي الحبيب عبد الهادي، الذي فاز بشرف صحبته ومجالسته، أحمي بعض ذكرياتي كي لا يسرقها مني النسيان، رحمه الله من رجل لم أر ضحكته -إذ كان جله ابتسام- إلا مرة واحدة يوم أجبرناه بحب أن يشاركنا مشاهدة مسرحية للفنان عبد الرحيم التونسي المعروف بعبد الرؤوف رحمه الله.
ومن رحم هذا الحيّ خرجتُ إلى الشوارع، أحمل في جيبي رخصة سياقة وفي صدري ما تبقى من حنينٍ إلى الجلود والرائحة والعِرق والناس، سيارة الأجرة صارت بيتي الثاني، ومقصورتي تلك غرفة اعترافٍ صغيرة أستمع فيها لآلام الناس وأحلامهم، من دون أن يدروا أني أصغي بكل جوارحي.
في صباحٍ من صباحات الشتاء، كنتُ بالموقف، حين ناداني رجل ستّينيّ، أنيق الجلباب، وقور النظرة، يحمل في ملامحه مهابةً تشبه أولئك الذين قرأوا الحياة بحكمةٍ ورضى، حيّاني بلطفٍ وقال:
إلى المحطة الطرقية يا ولدي، إلى باب دكّالة. سألته مبتسمًا: من أي طريق نمرّ يا سيدي؟
لم أكن أطرح السؤال عبثًا، فقد صار من عادة السائقين أن يسألوا الزبائن حتى لا يُلاموا بعدها: إن سلكوا الطريق القصير قالوا لهم “لماذا لم تأخذ الطريق الفارغ؟”، وإن سلكوا الطويل قالوا “أردتَ أن تزيد علينا بعض الدراهم و اتهم في أمانته و صدقه !” نظر إليّ الرجل الوقور، وابتسم كأنما يعرف ما يدور في خلدي، ثم قال جملةً ستبقى في ذاكرتي ما حييت: يا ولدي، طريقُ السلامة وإن طالت، ثم أردف بنبرةٍ هادئةٍ ملؤها يقين: ما خُيّر رسول الله ﷺ بين أمرين إلا اختار أيسرهما.
تلك الكلمات البسيطة نزَلت على قلبي كالماء البارد على صخرةٍ ساخنة. كم سائقًا في هذا البلد يحتاج إلى زبونٍ كهذا، لا يخاصمك على مسافةٍ ولا يراقب عدّادك كأنك لصّ.
كنتُ أودّ أن أشكره، لكنه مضى في كلامٍ رقراق عن الرزق الحلال، وعن مراقبة الله في العمل. قال: “الرزق ما كتب الله، لا يزيده اختصار طريق ولا ينقصه ازدحام،” ثم استرسل في حديثٍ عن المروءة، وعن زمانٍ كان الناس فيه يغلبون الثقة على الاتهام، تحدّث عن أولاده، وعن تقاعده القريب، وعن صديقه الذي فارقه بالأمس، وأنا أقود، كنتُ أنصتُ إليه وكأنّي أستمع إلى درسٍ في الصبر، تمنيتُ لو طال الطريق أكثر، لأن كلامه كان يُسكّن فيَّ شيئًا لا أعرف اسمه.
حين وصلنا إلى باب دكّالة، أوقفت السيارة برفق، وهممتُ أن أعتذر عن الأجرة، فلم يتركني الرجل أتمّ كلمتي، بل ابتسم وقال بلغةٍ فصيحةٍ عذبة: كلُّ خديمٍ له أجرة، يا ولدي. ناولني المال برضى، ودعا لي بخيرٍ ثم بخطى واثقةٍ متزنة في سبيله مضى.
جلستُ بعدها للحظة، أتابع خطواته حتى غاب بين الزحام، وتذكّرتُ في سكوني ذاك المستعجلين الذين واجهتُهم من قبل – أولئك الذين لا يتركون للسائق أن يتنفس، يدفعونه بعصبيّتهم كأنهم في سباقٍ مع الأقدار، يضغطون عليه ليتجاوز القانون، ثم يلومونه إن تأخّر، ما أبعدهم عن هذا الشيخ الذي اختصر الأمر كلّه في كلمتين: “طريق السلامة وإن طالت.”
ذاك الرجل أعاد لي محبّتي للمهنة، جعلني أرى أن السائق ليس آلةً تنقل الناس، بل إنسانٌ يحمل أرواحهم بين يديه، كما يحمل الحرفي جلدَه على الماء ليخرجه أجمل مما كان.
كلما مررتُ بعد ذلك من حيّ الموقف، نظرتُ إلى سمائه وقلت في نفسي:
“رحم الله أبي الحاج رحّال، وبارك في عمر أمي لالة عبوش، وأدام الودّ في قلبي لإخوتي، وجعلني من الذين يختارون دائمًا طريق السلامة، وإن طالت.”
أستودعكم الله و إلى مواجهة أخرى إن شاء الله