مذكرات سائق سيارة أجرة
المواجهة الخامسة: العجلة من الشيطان
بقلم: عبد الفتاح بلخوار
عجبًا لهؤلاء المستعجلين!
كأنّ الزمن عدوّهم اللدود، يلاحقونه ركضًا وهُم من خَلقِ الله لا يملكون أن يُقدِّموا من ساعاتهم دقيقةً ولا يؤخِّروها.
يخرج أحدهم من بيته في آخر لحظةٍ، يلهث خلف عقارب ساعته كأنها تُطارده بثأرٍ قديم، يمشون بخطى قلقة، وقلوبٍ معلّقة، فإذا ركبوا سيارة الأجرة أفرغوا في السائق ما في صدورهم من استعجال، كأن عجلتهم تُقاس بعدّاد الزمن لا بعدّاد الكيلومترات! يجعلون من السائق كبشَ فداءٍ لتهاونهم، يزجرونه كما يُزجَر الصبيُّ المُقَصِّر، ويطالبونه أن يشقّ الهواء شقًّا، وأن يطوي الأرض طيًّا، وأن يتجاوز إشارات المرور كما لو كانت زينةَ شوارع لا حُرمةَ لقانونها!
ما زلت أعجب – كل العجب – من هؤلاء الذين يشكون ضيق الوقت، ثم لا يخرجون من بيوتهم إلا حين يصبح الوقت خصمًا لا يُسترضى. ولو أنّه خرج قبل الموعد بربع ساعةٍ لوفّر على نفسه جهدَ الأعصاب ووجعَ القلب، ولسَلِم من وصمة الغضب ومن زيف الأعذار.
يحثّونه على السرعة، يلومونه على التريّث، حتى إذا غيّر الطريق تجنّبًا للازدحام، ثاروا محتجين لأن المسافة زادت درهمًا أو درهمين!
يريدون الوصول قبل الجميع، وبأقلّ كلفة، وكأن الزمان عبدٌ يطيع من ينهره!
كنتُ يومها أقود سيارتي من باب جديد، أحد الأبواب الحديثة لمدينة مراكش التي فُتِحت قريبًا من فندق المامونية الشهير، ذاك القصر الذي يتزيّن بأناقة التاريخ وتُحدّث جدرانه بلغات الأمم عن سحر المدينة الحمراء.
طلب منّي الراكب أن أوصله إلى الحي الحسني المعروف بـ“دوّار العسكر”، فمررتُ به وسط حدائق المنارة، التي أنشئت في القرن الثاني عشر الميلادي في عهد الموحدين، وكان الهدف من إنشائها تدريب الجند بنية الجهاد في سبيل الله، تلك الرّوضة تمتدّ كواحةٍ في قلب الصحراء، تَفترش خُضرة الزيتون على مدّ البصر، وتُظلّلها أشجارٌ هرِمةٌ شامخةٌ كأنها شُهودُ القرون الماضية، في وسطها حوضٌ مائيٌّ عظيم، مرآةُ السماء حين تصفو، وخزّانُ الأرض حين تظمأ، يردّد صدى المهندسين والسقاة الذين أبدعوه منذ قرونٍ ليجمعوا فيه ماء الجبال وعبق الحكمة، المنارة ليست حديقةً فحسب، بل صلاةُ الطبيعة في معبدها، حيث يمتزج الفنُّ بالسكينة، ويغدو الجمال ذكرًا لله بلا لسان.
كنت أسيرُ بالسرعة التي يُقرّها القانون، بل ربما أبطأ قليلاً اتقاءً للحفر وعثرات الطريق، فإذا براكبي يلتفت إليّ وقال بنبرةٍ حادّة: “هل هذه السيارة لك؟” فقلتُ: “لا، أنا سائقها فحسب.”
قال ساخرًا: “إذن لمَ هذه السرعة البطيئة؟ كأنك سلحفاة تتعلّم المشي! إنك إن بقيت هكذا فلن تجمع ثمن البنزين حتى..!
ابتسمتُ في وجهه كما أفعل دائما في مثل هذه المواقف وقلت: “الرزّاق هو الله، والسيارة وإن لم تكن لي في الورق، فهي لي في الأمانة. أحافظ عليها لأنها باب رزقي، وأحافظ على القانون لأنه سياج سلامتي وسلامة غيري. لا أُسابق الأقدار، لأنّ رزقي مكتوب قبل أن أرى النور.”
نظر إليّ نظرة المستغرب من حكمةٍ لا تُقاس بمقياس السوق، ثم سكت، لما وصلنا، مدّ يده بالأجرة ببرودٍ وانصرف دون أن يردّ السلام، ابتسمتُ وأنا أراه يبتعد، و لكن التمست له العذر و قلت في نفسي ربما يمر بيوم سيء! …
ولكن بقليل من التمعن لن تجد هذا المشهد غريبًا عن واقعنا؛ فكم من إنسانٍ لا يحترم ما في يده لأنه لا يشعر أنه له! ذاك الذي يكسر مقعدًا في حديقةٍ عامة، أو يلوّث جدارًا، أو يترك قمامةً في ركنٍ نظيف، إنما يفعل ذلك لأنه لم يتربَّ يومًا على الإحساس بأنّ هذه الأشياء له كما هي لغيره.
وما دُمنا لا نحترم ما نستعمل إلا إذا حُفر عليه اسمنا، فلن نتقدّم قيد أنملة، وسنبقى نعيش بين أنقاضٍ من الإهمال وركامٍ من اللامسؤولية.
لكن، من المسؤول عن هذا الجفاف في الإحساس بالانتماء؟ من الذي جعلنا نرى المدرسة “مدرسة المخزن”، والمستشفى “سبيطار المخزن”، وكأنّنا غرباء عن كلّ ما بُني في أرضنا ومن عرقنا؟ لماذا لا نسمع عن “مدرسة الشعب”، و”مكتبة الشعب”، و”حديقة الشعب”؟ ربّما لأننا منذ زمنٍ بعيدٍ نُربّى على الطاعة لا على المشاركة، على التلقّي لا على التملّك، على الاتكال لا على الاضطلاع.
وربما، يا صاحبي، آن الأوان أن يُشركونا في التملّك لا في الاستحواذ، في الرعاية لا في السيطرة، حتى نعيد لأنفسنا شعورًا بأنّ الوطن لنا جميعًا، لا لبعضنا فقط.
أستودعكم الله و إلى مواجهة أخرى بإذن الله