مذكرات سائق سيارة أجرة||المواجهة الرابعة: مزين مديحك أسيدي يا رسول الله صلى الله عليه وسلم
عبد الفتاح بلخوار
مذكرات سائق سيارة أجرة
المواجهة الرابعة: مزين مديحك أ سيدي يا رسول الله صلى الله عليه وسلم
بقلم: عبد الفتاح بلخوار
كان الصبح يفتح صفحة يومٍ جديد، والمدينة تستيقظ بتمهّلٍ يشبه تلاوة سورةٍ قصيرةٍ في صلاة الفجر. جلست خلف المقود، أستفتح العمل بدعاء الراكب الذي علمه لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم «سبحان الذي سخّر لنا هذا وما كنّا له مقرنين »، ثم انطلقتُ في طريقي، أستنشق من هواء الفجر ما يُعيد للنفس رشدها، وما يطفئ من تعب الأمس ما تراكم في الجسد والروح.
كان المذياع صاحبي في السفر، أنيسَ الوحدة في عوالم المدينة المترامية، – مدمن عليه أنا و ما زلت، فكم أسهرت عيني إذاعة طنجة ببرامجها الليلية الرائعة، و ما أجمل ما كان يقول الأستاذ محمد أبو الصواب ذاك الإعلامي و الفنان المراكشي المتميز رحمه الله، مفتتحا برنامجه الجماهيري الرائع ” دكان الناس “: ” دكان الناس دكان بلا دفوف وبلا سوارت دكان مفتوح لكل الناس فخدمة الناس ” – انبعث صوته ذاك الصباح بآياتٍ من تلاوة الشيخ عبد الرحمن بن موسى – ذلك الصوت الذي لو نزل على حجرٍ لأورق، ولد في سلا سنة 1908 وتوفي رحمه الله سنة 1997، نشأ في بيت علمٍ وقرآن، حتى صار قيثارةً مغربيةً تشدو برواية ورش كما لم يشدُ بها أحد، بصوته افتتح المغاربة صباحاتهم عقودًا طويلة، من الإذاعة إلى التلفزة، حتى صار صوته جزءًا من وجدان الأمة، يُذكّرهم بأن في التلاوة نورًا، وفي النور سكينةً، وفي السكينة حياة.
ثم تلاه صوت العالم محمد المكي الناصري – رجلٌ من طينةٍ خاصة، جمع بين الفكر والسياسة، بين البيان والتفسير، بين صرامة المجاهدين ورفق العلماء. ولد سنة 1906، وتوفي عام 1994، وظلّ في كل كلمةٍ من تفسيره يرسم طريقًا بين المعنى والواقع، كمن يزرع بذور الوعي في أرضٍ عطشى.
كنت أسمع تفسيره كما يسمع الظمآن جريان الماء، وأقول في نفسي: “ما أعظم أن تبتدئ يومك بالقرآن، وأن يكون لك في الإذاعة شيخان، أحدهما يُطري أذنَك بصوتٍ من السماء، والآخر يُهذّب عقلك بفكرٍ من الأرض.”
ثم جاءت حصة الأمداح النبوية و غالبا ما تكون بطبوع أندلسية جميلة، فحلّقت روحي في فضاءٍ قديمٍ عابقٍ بعبق الورد والمسك. يا لجمال تلك النغمات و يا سعد من مدح النبي صلى الله عليه وسلم محبة و شوقا، و أتبع ذلك اتباعا!
انطلقت بي السيارة نحو حي جليز، ذلك الوجه الحديث من مراكش، شُيّد أيّام الاحتلال الفرنسي ليكون ملاذًا للغربيين، ومتنفسًا للياليهم الصاخبة. مضى المحتل وبقي الحيّ وا أسفاه يحمل بعض رائحته، فكأنّ جدرانه ما زالت تحفظ أصداء كؤوسهم وهمسات مجالسهم. رحلوا وخلّفوا وراءهم عاداتهم الرديئة، تقتات من ضعف الناس، وتُطيل عمر الغفلة فيهم.
هناك، فتح رجلٌ باب السيارة. كان أنيقًا، تفوح منه رائحة عطورٍ أجنبية، وربطةُ عنقه مشدودةٌ كأنها حبلُ كبرياءٍ خفيّ. حيّاني بلطفٍ وركب، فقلت في نفسي: “زبونٌ رزينٌ، صباحٌ واعد” ، لكنّ الخداع لا يسكن الثياب وحدها؛ فما إن استقرّ في مقعده حتى تسللت إلى أنفي رائحةٌ حادةٌ كشظيةٍ من الليل، رائحةُ خمرٍ لم تزل ساخنةً في دمه. أدركتُ أن ضيفي هذا من أولئك الذين تلفظهم الحانات مع بزوغ الفجر، كما تلفظ أمواج البحر قنينةً فارغةً بعد أن لعب بها طويلاً.
تحركت السيارة على إيقاع الأمداح المنبعثة من المذياع، فإذا بصاحبي يسألني بصوتٍ مائلٍ بين الجدّ والهزل:
“هل هذه الأمداح بدعةٌ أم سنة؟”
تجمّدت يدي على المقود، وعلِق السؤال في الهواء كحجرٍ في نهرٍ ساكن، أعدتُ النظر إلى ملامحه لأتأكد أني سمعت حقًّا، ثم قلت في نفسي: “ما أضيق الدنيا حين يسأل السُكرانُ عن البدعة!”
لكني لم أشأ أن أُهينه، فجمعت هدوئي وقلت له: ” قل لي أولاً: هل أخذتك من مكة أم من المدينة؟”
فابتسم، ثم قال معتذرًا: “هو حديثٌ نملأ به الوقت فقط.”
أدركتُ أنه ليس متعصبًا، بل أسيرُ فكرةٍ تسللت إلى عقله كما يتسلل الدخان إلى الغرفة، لا تدري متى بدأ ولا من أين جاء. فقلت له: ” يا صاحبي، إن الخلاف في مثل هذا أمرٌ قديم، لكن ما نراه اليوم من تبديعٍ وتكفيرٍ وسوء ظنٍّ بالناس فكرٌ غريبٌ دخيل علينا، فكرٌ أنفقوا عليه الأموال الطائلة، ونشروه في الكتب والفضائيات، حتى ظنّه بعض الناس أنه الدين الحق و من خالفه فهو الباطل، جاءنا هذا الفكر في غفلة منا سلاحه التكفير، ولغته الاشتباه، يبدّع الناس بالشبهة، ويغتال المحبة باسم الغيرة على الدين. وهو فكرٌ شاذٌّ عن إجماع الأمة، لا يورث إلا القسوة والفرقة.”
كان يسمعني صامتًا، والدمع يتكوّن في عينيه شيئًا فشيئًا. قلت له: ” دعنا من المديح والأمداح و المادحين، وانظر في حالك أولًا. أليس الأولى أن نحرم ما حرّم الله بيقينٍ قبل أن نختلف فيما اختلف فيه الناس بظنّ؟ حرّم الله الخمر، ولعن شاربها وساقيها وبائعها وعاصرها، أما المديح، ففيه ذكرُ النبيّ، ومن أحبّ النبيَّ أكثرَ فقد اقترب من النور.”
سكت الرجل، وخفّض رأسه، ومسح دمعةً سالت خلسةً على خده، وصلنا إلى وجهته، فنزل ببطءٍ وقال: “جزاك الله خيرًا على سعة صدرك.” ثم مضى، وبقي أثره في نفسي كظلّ غيمةٍ مرت ولم تمطر، لكنها تركت وعدًا بالخصب.
سرت في طريقي أفكّر: كم من فكرٍ غريبٍ نزل على هذه الأمة في غفلةٍ من وعيها! كم من سيفٍ من الكلمات قُدّ من حبرٍ غربيٍّ أو شرقيٍّ فشطر صفّها! كم من قلبٍ طيّبٍ ضلّ الطريق لأنه ظنّ أن الدين قسوةٌ لا رحمة، وأن الغيرة على الحقّ تعني ازدراء الخلق!
تلك المواجهة لم تكن بيني وبين زبونٍ سكران، بل كانت بيني وبين فكرةٍ عطشى إلى الفهم، وفكرٍ دخيلٍ على روح الإسلام التي عرفناها؛ إسلامٍ لا يعرف التشدّد ولا الغلو و لا العنف، بل هو إسلام التوسط و الاعتدال، إسلام الرحمة و الشفقة و الرفق بالناس.
أستودعكم الله و إلى مواجهة أخرى إن شاء الله