مذكرات سائق سيارة أجرة || المواجهة الثالثة: عنق الزجاجة
عبد الفتاح بلخوار
مذكرات سائق سيارة أجرة
المواجهة الثالثة: عنق الزجاجة
بقلم: عبد الفتاح بلخوار
كان ذلك صباحًا مراكشيًّا من تلك الصباحات التي تلد الوهج من رحم السكون، حين تتدلّى الشمس بخجلٍ على جدران المدينة الحمراء، وتفوح رائحة الطحين من المخابز الصغيرة، كأنّها تبشّر بيومٍ جديد من الكدّ والانتظار.
جلست خلف المقود، وفي صدري ارتباكٌ يضاهي ارتباك طفلٍ يتعلّم الحروف الأولى. ظننت أني صرت سائقًا بعد أن نلت رخصتي، و بعد حصص التأهيل التي تلقيتها من أستاذي الطيب سي مصطفى، لكن الحقيقة كانت تلوح في داخلي كصفعةٍ ناعمة: الرخصة لا تخلق سائقًا، كما أن الشهادة لا تصنع عالمًا.
فمدارس تعليم السياقة عندنا ـ مثل مدارسنا في التعليم ـ تُخرِّج حفظةَ نصوصٍ لا مهرةَ عقول، تمنحك ورقةً تُجيز لك السير في الطرق، لكنها لا تمنحك حسّ القيادة ولا طمأنينة المقود.
كل شيء هناك نظريٌّ إلى حدٍّ يبعث على السخرية: شرحٌ لإشارات المرور و الواجب نحوها، و عرض للحالات المرورية المحتملة، من أجل امتحان نظري، وبعض الحصص التطبيقية على سيارةٍ ذات مقودين يتحكم فيها المدرّب أكثر مما يتحكم فيها المتعلّم، فيخرج منها المتدرّب كمن حفظَ “كلام القيادة” ولم يذقها.
كنت أحد هؤلاء، ضحية منظومةٍ تمنحك الشهادة ثم تُلقي بك إلى الميدان لتتعلّم من العرق والخوف ما لم تتعلّمه في الدرس.
في أول يوم عملٍ لي، فتح أحد الزبناء الباب وقال برقةٍ معتادة في أهل مراكش:
“إلى مستشفى ابن زهر، الله يرحم الوالدين”، “المامونية” كما يحب المراكشيون أن يسموه.
تحركت السيارة، وقلبي يتحرك قبلها. كان الطريق يأخذني إلى حي سيدي ميمون، أحد أحياء مراكش القديمة، متدلّيًا عند سورها كعقدٍ من الذاكرة.
حيٌّ لا يعرف إلا مدخلًا واحدًا، كأنما أراد أن يصون نفسه من ضوضاء المدينة الحديثة.
في طرفيه تقوم دكاكين صغيرة، ودروب و أزقة، وروائح الزيت المقليّ تتمازج مع بخار الشاي، والأطفال يركضون بين الدراجات النارية القديمة، تلك التي صارت نبضًا ثابتا في شوارع المدينة المنبسطة.
سُمّي الحيّ باسم الولي الصالح ميمون الصحراوي، الأمير اللمتوني المرابطي ( لقب الأمير في دولة المرابطين لم يكن خاصا بأبناء يوسف بن تاشفين و أبناء ولده، و إنما يطلق أيضا على كبار رجالات اللمتونيين ) وُلد بعد بناء مراكش بسنواتٍ قليلة، ثم انتقل إلى الأندلس وتوفي بإشبيلية سنة 530 للهجرة، فنُقل جثمانه إلى مدينته الأولى مراكش، ودفن فيها، حتى غدا من صلحائها الذين يُزارون حبًّا لا خوفًا. وفيه قال الشاعر الوزير العمراوي:
أَسيدْنا ميمونْ فضلكْ ظاهرْ
أو بحْرَكْ فِيَّاضْ وانْتَ طبيبْ
وصلت إلى باب المستشفى، نزل الزبون، ومضى، وبقيت أنا في ورطةٍ لم تخطر لي ببال.
أردت أن أستدير لأخرج، فإذا بي في عنق الزجاجة، المكان ضيّقٌ كصدرِ المهموم، والازدحام يلتهم كل منفذ.
أطلقت السيارات أبواقها، وارتفعت الأصوات، وتعالت الضحكات الساخرة، تجمّد الدم في عروقي، وشعرتُ بحرارةٍ غريبة في جسدي، العرق يتصبب من جبيني، وأنا أحاول عبثًا أن أخرج من ذاك الممرّ الضيق، كان الموقف كافيًا لأن يُطفئ كل أحلامي الجديدة.
كدت أن أترجل، أن أغلق السيارة وأمضي في الأرض بعيدًا عن كل شيء، لولا أن اقترب مني رجل في نحو الأربعين، ملامحه مراكشية أصيلة، فيها صرامة الحرفة ودفء الأخوّة.
قال بلطفٍ مشوبٍ بالثقة: “هل تسمح أن أُخرجها عنك؟”
لم أجب، نزلت من السيارة صامتًا، وجلست أراقبه، أدار المقود بمهارةٍ ساحرة، وانسابت السيارة كأنها تعرف طريقها، استدارت بخفةٍ، وتحرّكت في الاتجاه المعاكس خلال لحظات.
نزل الرجل، سلّمني المفتاح، وقال بابتسامةٍ عميقة: “لا بأس، كلنا بدأنا متعثرين، المهم أن تتعلّم، لا أن تخاف.”ثم مضى دون أن يذكر اسمه، كنت أراه يبتعد بين الوجوه، كأن الحيّ كلّه أنجبه لتلك اللحظة ثم ابتلعه ثانية.
جلستُ في المقعد، أنظر إليه وهو يبتعد بين الناس، كأنه طيف من أولئك الرجال الذين تمرّ بهم الحياة ولا يُحدثون ضجيجًا، لكنهم يتركون فينا أثرًا لا يُمحى.
قادني الطريق خارج الحيّ، وأنا أردد في نفسي:
“لن أدخل جحر الضب هذا مرة أخرى !” لكنني، كما يفعل القدر دائمًا، عدت إليه فيما بعد مرارًا، لم أعد لأني نسيت الورطة، بل لأنني تعلمت أن الطريق الذي تُخفق فيه أول مرة، هو الذي يُعلّمك القيادة حقًّا.
خرجتُ من حيّ سيدي ميمون وأنا أتمتم في نفسي: كم نحن بحاجةٍ إلى من يمدّ يده بدل أن يرفع صوته، وكم نحن بحاجةٍ إلى منظومةٍ تُعلّم الإنسان لا أن تمنحه أوراقًا، وإلى وطنٍ لا يُغلق أبوابه في وجه أبنائه حتى يجدوا لأنفسهم واسطةً أو معجزة.
كان ذلك أول درسٍ لي في القيادة، وفي الحياة أيضًا.
ومن يومها فهمت أن الطريق لا يُقاس بعدد الحصص التي أخذتها في المدرسة، بل بعدد المرات التي تعلّمتَ فيها من الفشل دون أن تفرّ منه.
إلى اللقاء في مواجهة أخرى إن شاء الله