منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

ضبط الرقابة الشرعية في الاقتصاد الرقمي (6) سلسلة مقالات الاقتصاد الإسلامي والرقمنة؛

الدكتور أحمد الإدريسي

0

ضبط الرقابة الشرعية في الاقتصاد الرقمي (6) سلسلة مقالات الاقتصاد الإسلامي والرقمنة؛

بقـلم: الدكتور أحمد الإدريسي

ينبغي أن تكون عقود التمويل الإسلامية منسجمة مع القوانين المحلية لبلدانها، وأن يتفق العقد التمويلي الإسلامي مع جميع المتطلبات القانونية في البلد الذي سيطبق فيه، فإذا كان العقد دوليا فلا بد فيه من تحديد المرجعية القانونية لفض المنازعات فيه عندما يلزم الأمر. لتقوم الرقابة على التمويل على دراسة السوق التي سيطبق فيها العقد التمويلي، ومدى استجابة هذا العقد للحاجات التمويلية في تلك السوق. وكذلك كيفية تقديمه للمتعاملين وتسويقه بينهم، وهذه دراسة فنية تتعلق بسوق واقعية لها ظروفها وأوضاعها وعرضها وطلبها. وهذه دراسة تحتاج إلى معرفة تطبيقية إضافة إلى المعرفة التسويقية العلمية.

ويهدف قانون تنظيم الأصول الافتراضية، ومراقبتها إلى توفير النظم اللازمة لحماية المستثمرين والمتعاملين في هذا القطاع والإسهام في جذب الاستثمارات والشركات العاملة في هذا المجال لتتخذ من الإمارة مركزاً لأعمالها.

أولا: مراقبة استخدامات التكنولوجيا المالية.

تكون مراقبة استخدامات التكنولوجيا المالية من خلال ما يلي:

– مراقبة الاستثمارات: ساعدت التكنولوجيا المالية على تطوير تطبيقات الاستثمار والادخار، حيث أصبحت هذه التطبيقات تستخدم الاستثمار الآلي بالدولار الصغير، وتعرف المستهلكين بالأسواق وخصائصها.

– مراقبة الادخارات والمدفوعات: تمكنت التكنولوجيا المالية من تطوير برامج ومنصات جديدة تساعد على إرسال الأموال رقميًا من وإلى أي مكان في العالم.

– مراقبة الخدمات المصرفية: أصبحت البنوك تستخدم التكنولوجيا المالية من خلال السماح للعملاء بالوصول إلى حساباتهم المصرفية والقيام بأعمالهم المالية عن طريق الهاتف المحمول.

– مراقبة عملية الإقراض: ساعدت التكنولوجيا المالية على السماح لمليارات الأشخاص بالتقديم لطلبات الحصول على قروض باستخدام الهواتف النقالة.

– مراقبة التأمين: تستخدم شركات التأمين التكنولوجيا المالية للمساعدة في عمليات التأمين على العديد من الممتلكات، بما في ذلك السيارات.

– مراقبة العملات المشفرة: يدخل استخدام التكنولوجيا المالية في مجال العملات الرقمية، حيث تسمح التكنولوجيا المالية بالقيام بالأنشطة المختلفة التي تستخدم العملات المشفرة.

ثانيا: أهداف ومقاصد الرقابة المالية الإلكترونية.

تحرص الحكومات على وضع نظم للرقابة المالية الإلكترونية، والإشراف على المالية العامة؛ بهدف تحقيق الاستقرار في النظام المالي عامة، وضمان كفاءة النظام المصرفي وحماية المودعين خاصة، وذلك بما يتواءم مع التطورات والتحولات والمستجدات العالمية التي جعلت معايير الرقابة تتخطى الحواجز المحلية لتصبح معاييراً دولية تسعى كافة دول العالم للتواؤم معها.

ويمثل التعاون بين البنوك المركزية والهيئات الرقابية الخاصة ووزارة المالية في العديد من بلدان تلك الدول (إنجلترا – أمريكا – فرنسا – ألمانيا) حجر الأساس للرقابة الفعالة واللازمة لضمان سلامة النظام المالي، وذلك مع الأخذ في الاعتبار اختلاف أهمية الدور الرقابي للبنك المركزي من دولة إلى أخرى في تلك المجموعة. وقد بلغ هذا الدور أقصاه في إيطاليا وأدناه في اليابان وكندا بينما اختفى تماماً في إنجلترا.

ومثال ذلك؛ “لجنة بازل للرقابة المصرفية” التي كان لها دور هام لتنسيق أنظمة الرقابة على البنوك حيث وضعت اللجنة توصيات اتخذت كمعايير دولية للرقابة المصرفية تطبق في الدول الأعضاء بها.

وألخص أهداف ومقاصد الرقابة الإلكترونية في عمل المصارف كما يلي[1]:

1- الحفاظ على استقرار النظام المالي والمصرفي: ويتضمن ذلك تجنب مخاطر إفلاس البنوك من خلال الإشراف على ممارسات المؤسسات المالية،

2- تحقيق التوازن المناسب بين تنظيم قطاع الأصول المشفرة لحماية المشاركين في هذا القطاع (كالمستهلكين والمستثمرين) دون الإفراط في تنظيمه من جهة، وإعاقة الابتكار من جهة أخرى.

3- ضمان عدم تعثر المؤسسات المالية حمايةً للنظام المالي ككل. كما يتضمن ذلك أيضاً وضع القواعد والتعليمات الخاصة بإدارة الأصول والخصوم في البنوك سواء بالنسبة للعمليات المحلية أو الدولية.

4- ضمان كفاءة عمل الجهاز المصرفي: ويتم ذلك من خلال فحص الحسابات والمستندات الخاصة بالبنوك للتأكد من جودة الأصول وتجنب تعرضها للمخاطر، وتقييم العمليات الداخلية بالبنوك وتحليل العناصر المالية الرئيسية وتوافق عمليات البنوك مع الأطر العامة للقوانين الموضوعة، وتقييم الوضع المالي للبنوك للتأكد من قدرتها على الوفاء بالتزاماتها، بهدف الحفاظ على تمويل بعض الأنشطة الاقتصادية والمؤسسات الحيوية والهامة والتي لا يستطيع القطاع الخاص تدبير تمويلها بالكامل.

5- حماية أموال المودعين والمستثمرين: ويتم ذلك من خلال تدخل السلطات الرقابية لفرض سيطرتها واتخاذ الإجراءات المناسبة لتفادي المخاطر المحتملة التي قد تتعرض لها الأموال في حالة عدم تنفيذ المؤسسات الائتمانية التزاماتها تجاه المودعين وخاصة المتعلقة بسلامة الأصول.

ثالثا: الرقابة على العملات الرقمية.

أصبحت الأصول الافتراضية أو الأصول المشفرة تحتل حيزاً متنامياً في الأسواق المالية في دول المنطقة، حيث سبق لمصرف البحرين المركزي أن أصدر في أكتوبر 2019 فصلاً حول الأصول المشفرة يتبع لفصول مجلد التوجيهات السادس الخاص بأسواق رأس المال، والذي يمثل الإطار التنظيمي والرقابي للإشراف على مزودي خدمات الأصول المشفرة، ويحتوي على القواعد اللازمة لمكافحة مخاطر غسل الأموال وتمويل الإرهاب المرتبطة بالأصول المشفرة، بما يتوافق مع توصيات فريق العمل المالي (FATF) واتباع أفضل الممارسات الدولية في هذا الشأن.

والملاحظ هو أن حجم التداول في العملات الرقمية (الأصول المشفرة) عن طريق منصات التداول المرخص لها من قبل مصرف البحرين المركزي –مثلا- بلغ نحو 143 مليوناً و320 ألف دينار خلال الربع الأول من عام 2021، بزيادة تقدر بنحو 300% على حجم التداول في الربع الأول من العام قبل هذا، والبالغ 41 مليوناً و886 ألف دينار، وبأكثر من 50 ضعفاً عن بداية التداول في الربع الثالث من عام 2019 والتي قدرت بمليونين و775 ألف دينار.

ويعكس هذا النمو الكبير، في جانب منه، رغبة العديد من المستثمرين في المضاربة والربح السريع، لكنّ جانباً منه يعكس أيضاً أن منصات التعامل المرخص لها من قبل مصرف البحرين المركزي أعلنت عن حصولها على شهادة الاعتماد الشرعي الصادرة من “دار المراجعة الشرعية”، التي حصلت على ترخيص من مصرف البحرين المركزي بصفتها شركة استشارات شرعية مرخصاً لها بإصدار شهادات التوافق الشرعي، وذلك بعدما أقرت «دار المراجعة الشرعية» بأن خدمات البيع والشراء وخدمات الحفظ تتوافق مع ضوابط ومبادئ الشريعة الإسلامية.

وبما أن تعاملات الأصول الرقمية-المشفرة تحدث بين عناوين عامة، فإنه يصعب في أغلب الأحيان تحديد المالك الحقيقي لهذه العناوين، ما يجعل تطبيق قاعدة السفر لمجموعة العمل المالية أمراً صعبا.

كما أن تطبيق توجيهات مجموعة العمل المالية على شركات التحويل اللامركزية أو منصات التعامل من طرف إلى طرف أمر صعب، حيث إنها لا تحتوي على نقطة اتصال مركزية ذات تحكم أحادية الجانب، ما يجعل تنظيمها أمراً صعباً. يعود هذا إلى أن مزودي خدمات الأصول الافتراضية اللامركزية لديهم عدد كبير من جهات الاتصال (التي يشار إليها غالباً باسم العقد) الموزعة في نطاقات قانونية مختلفة، بحيث يعتمد التحكم في المزود بناء على نموذج إجماع الأغلبية.

وتصبح حيازة الأصول المشفرة معقدة عندما تصبح هذه الأصول على نظام رقمي-إلكتروني، وتصبح ملكية الأصول أو إمكانية الوصول إليها محصورة في من يمتلك المفتاح الخاص، بدون ضرورة وجود أي إثبات أو سجل آخر. بالمقارنة، فإن الأصول التقليدية ترتبط بسجل مركزي أو قاعدة بيانات مركزية تحدد المالك، ما يجعل من السهل منح الحيازة بدون نقل الملكية، على عكس الأصول المشفرة.

خاتمة:

لقد وفرت التقنيات الحديثة مجالاً واسعاً للمؤسسات المالية الإسلامية لتقديم منتجات وحلول وتبني التحول الرقمي بما يعزز تجربة ورضا عملائها، ومع أهمية هذه المزايا المتعددة إلا أننا أمام تحدّي للجهات الرقابية التي يجب أن تتعامل مع أي مخاطر قد تنشأ جراء استخدام هذه التقنيات، بما في ذلك مخاطر الأمن السيبراني، ومخاطر غسل الأموال وتمويل الإرهاب وخصوصية المعلومات.

ومع ما تعتمده الرقابة المالية الإلكترونية على الاقتصاد الرقمي من شروط وضوابط يتبين أنها لا يكن أن تتوفر في شخص واحد، فإنه يبقى على المنظمين أن يكتسبوا ما يكفي من المعلومات حول الأعمال والتكنولوجيا التي تعتمد عليها الأصول المشفرة. من إحدى طرق التعلم الفعّالة، حيث تفتح أمام الشركات بيئة آمنة لاختبار أعمالها، وتتاح أمام المنظمين فرصة العمل والتعلم من الشركات.

ولابد أيضا من تظافر الجهود الجماعية والمشتركة بين كل من الفقيه، والعالم المالي، والمتخصص القانوني، والممارس الواقعي، وخبير التسويق.

والحمد لله رب العالمين.


[1] – يُنظر مثلا: النشرة الاقتصادية – البنك الأهلي المصري “نظم الرقابة المصرفية في الدول المتقدمة” العدد الرابع – القاهرة، 2001م.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.