منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

مسرح الأطفال في الجزائر دراسة مسحية على عينة من أطفال الطور المتوسط

دة. نورة بنبوزيد

0

مسرح الأطفال في الجزائر

دراسة مسحية على عينة من أطفال الطور المتوسط

Children’s theater in Algeria: A descriptive study on a sample of middle school children

دة. نورة بنبوزيد

كلية علوم الإعلام والاتصال – جامعة الجزائر (3)

– الجزائر-

 

نشر هذا المقال في مجلة ذخائر العدد العاشر

ملخص:

تهدف هذه الدراسة إلى الكشف عن عملية مشاهدة الطفل الجزائري للمسرح باعتباره من بين الفنون الهامة التي تلعب دورا أساسيا في تشكيل الحدث الثقافي وهذا راجع إلى طبيعة الفن المسرحي القائم على الحضور البشري للجمهور والممثلين، والتي تتعداها إلى صياغة التفاعل بينه وبين ما يعرض أمامه فوق الخشبة. وتظهر استجابته بصورة مباشرة مما تجعله أفضل مجال لدراسة عملية التلقي وهذا ما نسعى إلى ابرازه. وخلصت هذه الدراسة إلى أن الطفل باعتباره جمهورا مسرحيا يشارك في العملية الاتصالية متفاعلا مع ظروف الاستماع أو المشاهدة التي تتطلبها طبيعة العرض الفني، كما يعتبر مسرح الأطفال من الوسائط الهامة في تنمية وتفعيل القدرات العلمية والتربوية والفنية للأطفال، حيث يتم تقديم المعرفة بقالب فني يساعد على صقل أذواق الناشئة ويجعلهم يقبلون بشغف على تقبل المعطيات التي عادة ما تكون جافة.

كلمات مفتاحية: المسرح، الأطفال، العرض المسرحي، جماليات التلقي، الفن.

Abstract:

This study aims to reveal the process of watching a theater by Algerian children as one of the important arts that play a key role in shaping the cultural event. The latter is based on the presence of audience and actors who effectively interact with events presented on the stage. It concludes that children, as a theatrical audience, participates in the communicative process, interacts with the listening or viewing conditions required by the nature of the artistic presentation. Children’s theater is also considered as an important medium in developing and activating scientific, educational and artistic capabilities where knowledge is presented in an artistic form that helps refine their tastes and makes them accept data that are usually dry.

Keywords: Theater, Art, Children, Performance, Aesthetics Reception, Cultural Event.

1- مقدمة:

تمثل الطفولة في الهرم السكاني للجزائر قاعدة تتميز باتساعها النسبي وهم بذلك يمثلون شريحة اجتماعية هامة خلقت ضرورة الاهتمام بها وتوفير الجو الملائم لها وكل أسباب النمو السليم وذلك بتوفير الأرضية الثقافية التي تعدّه ليفهم واقعه العائلي والاجتماعي والثقافي بكل ثوابته ومتغيراته إلا أن الأسرة الجزائرية غير قادرة على استيعاب دورها تجاه الطفل كعضو يتطلب مراعاته، وما تقدمه المدرسة غير قائم على تنسيق متكامل ولا تخطيط شامل.

وتشارك الأسرة والمدرسة المهمة مؤسسات وقنوات اتصال أخرى منها الصحافة، الكتاب، التلفزيون، الإذاعة والمسرح. وتحدد أهميتها بما يمكن أن تلعبه في عملية تثقيف الطفل وتربيته. ولهذا يعتبر مسرح الأطفال الفن الوحيد القادر على الصدق والتأثير دون منازع لأن لغته نابعة من الإنسان الممثل دون واسطة وبمباشرة مرئية تلبي حاجة الطفل الذي لا يؤمن في مرحلة أولى إلا بالمحسوس.

يفوق المسرح في تأثيره على الطفولة وسائط الأدب الأخرى. فالمعروف أن لونين من التفكير يغلبان على الأطفال هما: [1]التفكير الحسي الذي يعتمد على الأشياء الملموسة والتفكير الصوري الذي يعتمد على تكوين صورة حسية. أما التفكير المعنوي المجرّد فلا يبلغه الأطفال إلاّ في سنوات طفولتهم الأخيرة. والمسرح بهذا أكثر ملائمة للأطفال من الوسائط الأخرى. إنه عامل مؤثر في شخصية الطفل وذلك لما يتضمنه من معان وقيم وأشكال جمالية معينة تعمل على بلورة هذه الشخصية من جوانبها العاطفية والذهنية والجسدية خاصة وأن المسرح يحتوي على جملة من التغييرات المختلفة كالحكاية، الحركة، التشخيص والشكل. فالمسرح يحرك مشاعر الأطفال وأذهانهم ويغذيهم فنيا وأدبيا ووجدانيا، وهم باعتبارهم جمهورا يشكلون بعدا أساسيا من أبعاد العمل الدرامي. ومدى تأثير المسرح في الأطفال واضح فهم يبدون ردود أفعال شديدة حيال الأعمال التي يشاهدونها.

ويغلب على الأطفال الطابع الاندماجي لأن المسرح بخصائصه الدرامية يريهم الحوادث في أماكنها وبأشخاصها بشكل مجسد وملموس ومرئي ومسموع إضافة إلى مناظره وديكوراته وإضاءاته التي تصل إلى قمة المتعة والانفعال. لا بد من الإشارة إلى أن انفعال الأطفال الشديد مع وقائع العمل المسرحي لا يعني أنهم لا يفرّقون بين ما هو واقع وما هو مجرد عمل درامي، إنما يكمن ذلك في شدة إرادتهم في التقمّص والمحاكاة والاندماج والتعاطف.

وإذا كان مسرح الأطفال في إطاره العام يؤدي إلى ما أشرنا إليه سنحاول معرفة العلاقة التي تربط الطفل الجزائري بالمسرح من خلال التساؤل الجوهري:

–        ما هي علاقة الطفل الجزائري بالمسرح؟ وما طبيعة هذه العلاقة من حيث التأثيرات الإيجابية والسلبية؟

وقد فككناه إلى تساؤلات فرعية تمثلت في:

1-     ماهي عادات وأنماط إقبال الأطفال على المسرح؟

2-     ما هي دوافع الاقبال؟

3-     هل يمكن اعتبار المنتوج المسرحي المقدم للطفل دعامة للعملية الاتصالية والتربوية؟

4-     هل يساهم الأولياء في ترسيخ ثقافة المسرح لدى الطفل؟

5-     هل يتفاعل الإناث والذكور بنفس الصفة مع الفروض المسرحية.

وعليه فلكل دراسة أو بحث هدف حتى يكون ذا قيمة علمية. والبحث العلمي هو الذي يتجه إلى تحقيق أهداف عامة غير شخصية ذات قيمة ودلالة علمية. وتتلخص أهداف الدراسة في ما يلي:

–        محاولة تكوين وعي علمي للدور الكبير والمهم للمسرح.

–        التعرف على كيفية تعامل الأطفال مع العروض المسرحية.

–        التأكيد على ضرورة التعرف على واقع الدور الذي يلعبه المسرح في تربية الأطفال أخلاقيا واجتماعيا وثقافيا…

–        معرفة واقع تلقي الأطفال وتفاعلهم مع العروض المسرحية بأبعادها الثلاثة: الأخلاقية، المعرفية والجمالية.

–        معرفة التباين الحاصل على مستوى متغير الدراسة (الجنس) وتحديد طبيعة هذه العلاقة من حيث التأثيرات السلبية والايجابية.

ومما لا شك فيه أن لكل بحث أهمية بالنسبة لتقدم العلوم والمعارف ورقي الدراسات الإنسانية بصفة عامة وبالتالي نريد أن تكون لدراستنا أهمية تستطيع إلقاء الضوء على الإشكالية المطروحة سواء من حيث القيمة العلمية أو النظرية أو التطبيقية. إن هذه الدراسة تأخذ أهمية أولا من ناحيتين:

-باعتباره محاولة لدراسة دور المسرح في عملية التنشئة الاجتماعية والثقافية للطفل الجزائري دراسة علمية موضوعية.

-محاولة تلمس الطريق الصحيح لتنشئة سليمة للأطفال. وتتلخص أهمية البحث فيما يلي:

–        تتناول الدراسة لقطاع هام في المجتمع الجزائري وهو قطاع الطفولة الذي يعد مجال متشعّب المعطيات والذي لم يجد اهتماما كافيا خاصة في مجال المسرح.

–        الاهتمام بظاهرة التفاعل من خلال التلقي المسرحي كطرح جديد يحاول إعادة الاعتبار للمتلقي الصغير.

وتكمن أسباب اختيارنا لهذا الموضوع في:

–        ندرة الدراسات والأبحاث الأكاديمية وخاصة منها الدراسات المسحية عن الجمهور المسرحي من الأطفال.

–        تبيان أهمية مسرح الأطفال في التنشئة الاجتماعية والثقافية للطفل.

–        لأن الطفل في مراحل نموه لا يستوعب الأشياء إلاّ من خلال ما هو محسوس ومرئي والمسرح في هذه الحالة هو عبارة عن نشاط، حركة، رقص، غناء، تمثيل وغيرها…

–        محاولة خلق وعي لضرورة الالتفات إلى الطفل الجزائري تربويا وإعلاميا عن طريق الرسالة المسرحية.

وللإجابة على إشكالية الدراسة وتساؤلاتها، اعتمدت الباحثة الدراسة الوصفية التحليلية بتوظيف المنهج المسحي من خلال توجهنا الميداني في دراسة تفاعل الطفل الجزائري مع العروض المسرحية مستخدمة في ذلك الأساليب الكمية والكيفية في جميع البيانات وتحليلها. ويفيد المسح في التعرف على الظاهرة المدروسة في الوضع الطبيعي الذي تنتمي إليه من خلال جرد (مسح) المعلومات ذات العلاقة بمكوناتها الأساسية وبالظاهرة والاتجاهات[2]. وتم توظيف الاستبانة باعتبارها الأداة المناسبة لمنهج الدراسة وموضوعها للحصول على المعلومات الدقيقة التي لا يستطيع الباحث ملاحظتها بنفسه، كما تضمن عدم تدخله في التقرير الذاتي للمبحوثين مما يرفع من درجة الثبات ودقة النتائج[3].

وتسمح أيضا باكتشاف علاقات رياضية وإقامة مقاربات كمية بهدف استخلاص اتجاهات وسلوكيات مجموعة كبيرة من الأجوبة المحصل عليها.[4]

احتوت الاستمارة على سؤال يتعلق بالبيانات الشخصية – الجنس- وأسئلة أخرى تتعلق بالمسرح وكيفية تلقيهم العرض المسرحي. وعلى هذا الأساس انقسمت الأسئلة إلى ثلاثة محاور:

–        عادات مشاهدة الطفل الجزائري للعروض المسرحية.

–        نوع العروض المسرحية المفضلة لديهم.

–        كيفية الاستجابة للعروض المسرحية.

وظفت الباحثة أيضا المقابلة كأداة مساعدة للتحاور مع الأطفال تفاديا لأي مشكل في فهم واستيعاب أسئلة الاستبيان وفهم جميع الجوانب المتعلقة بمفردات الدراسة من جهة أخرى[5].

وتتكون عينة الدراسة من سبعين طفلا تتراوح أعمارهم ما بين 9 و12 سنة وهم بذلك يمثلون الطفولة المتوسطة سبق وأن شاهدوا عروضا مسرحية سواء على مستوى المدرسة أو على خشبة المسرح. وقد وقع اختيارنا هذه الفئة العمرية لعدة أسباب نذكر منها أن الطفل في هذه المرحلة قادر على فهم الواقع وإدراك العلاقات القائمة بين الأشياء نتيجة احتكاكه بالخارج. ثم تبدأ القيم بالنمو. يتسم في هذه المرحلة أيضا بالحركة ويميل إلى قصص الأبطال والتشبه بهؤلاء. يعبر « بياجي» عن هذه المرحلة بفترة العمليات العقلية الملموسة مثل الحفظ والتذكر[6]. لذلك يعتبر المسرح حسب «ونفرد وارد» أهم وسيلة تستطيع تلبية حاجات الطفل النفسية والتربوية والجمالية[7] لما تجسده من مواقف وسلوكات من خلال أحداث وأبطال المسرحية يعايشها الطفل في إطار مشوق وهادف.

اعتمدت الدراسة على العينة القصدية في اختيار مفرداتها حيث أن الباحث يقدر عدد وحداتها وطريقة اختيارها بشكل تحكمي مع التأكيد أن هذا الاجراء لا يكون اعتباطيا بل بناء إلى ما ترمي إليه إشكالية الدراسة وأهدافها[8].

ونظرا لظروف جائحة كورونا التي حالت دون إمكانية توجه الأطفال نحو المسارح لمشاهدة العروض المقترحة تم الالتحاق بالأطفال في مؤسستهم التعليمية.

2-المداخل المفاهيمية ومقاربات للدراسة:

1.2 مفاهيم الدراسة:

يقول فرويد: «..إن العلم ينبغي أن يبنى بمفاهيم أساسية واضحة» [9].

في هذا السياق ستعمل الباحثة على تحديد المفاهيم الأساسية للبحث وفي كيفية توظيفها. ولكون المفاهيم والنظريات يصب بعضها في بعض فإنه يستحسن أن تتعامل مع كل مفهوم مع تحديد التعريف النظري والإجرائي له.

– مسرح الأطفال:

  • التعريف الاصطلاحي:

يعد مسرح الأطفال ذلك المسرح الذي يخدم الطفولة سواء أقام به الكبار أم الصغار[10]مادام الهدف هو إمتاع الطفل والترفيه عنه وإثارة معارفه ووجدانه وحسّه الحركي.

أو يقصد به تشخيص الطفل لأدوار تمثيلية ولعبية ومواقف درامية للتواصل مع الكبار أو الصغار. معنى ذلك أن الكبار يؤلفون ويخرجون للصغار ما داموا يمتلكون مهارات التنشيط والإخراج وتقنيات إدارة الخشبة. أما الصغار فيمثلون ويعبرون باللغة والحركة ويجسدون الشخصيات بطريقة مباشرة أو غير مباشرة اعتمادا على الأقنعة[11].

ويقسم أحمد نجيب مسرح الأطفال إلى:

1-     مسرح الأطفال البشري: أين يقوم الممثلون بالأداء سواء كانوا كبارا أو صغارا.

2-     مسرح العرائس أو الدمى: عبارة عن مخلوقات خيالية أبدعها خيال المؤلف وصنعتها موهبة الفنان و حركتها إرادة أيادي جماعة من الفنانين في إطار النص الذي كتبه المؤلف لجمهور من الأطفال[12].

  • التعريف الاجرائي:

مسرح الأطفال وسيلة اتصال ومادة إعلامية وثقافية وتربوية وترفيهية يعمل على تنمية الطفل عقليا، عاطفيا واجتماعيا من خلال ما شاهده من عروض مسرحية خاصة به.

–  الطفل والطفولة:

  • التعريف اللغوي والاصطلاحي:

الطفل جمع أطفال، مثنى طفلة، الصغير من كل شيء. وقد يكون الطفل واحد أو جمعا، لأنه اسم جنس والطفولة، حالة الطفل.[13]

ويعني الطفل حسب اتفاقية حقوق الطفل لعام 1989 المادة 01: كل إنسان لم يتجاوز الثامنة عشرة ما لم يبلغ سن الرشد قبل ذلك بموجب القانون المنطبق عليه[14].

وتعتبر الطفولة أولى مراحل الوجود الإنساني على الأرض وإن كانت تسبقها مراحل أخرى في تكوين ذلك الكائن الحي الذي خلقه الله سبحانه وتعالى وعهد إليه لعمارة الأرض. ولو نظرنا إلى تلك المراحل لوجدناها مرتبة في آية من آيات القرآن الكريم في سورة غافر حيث نقرأ «هو الذي خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم يخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدّكم ثم لتكونوا شيوخا ومنكم من يتوفى من قبل، ولتبلغوا أجلا مسمى ولعلكم تعقلون».[15]

لقد اختلف العلماء السيكولوجيون في تحديد الدعامة التي يستند عليها تصنيف مراحل النمو حيث يرتبط كل طور بمواضع جسدية معينة تتغير كلما كبر الشخص. وهناك من حدد الطفولة على أساس العمر الزمني. أما الفريق الثالث من الاجتماعيين فقد حددها استنادا إلى نوع العلاقات المتبادلة بين الطفل والاخرين الذين يتفاعل معهم[16].

وعموما فإن الطفولة طبيعة ذهنية معينة لا ينبغي مقارنتها بشخصية الكبار لأن كل منهما خصائص مختلفة.

–  جمهور الأطفال:

نعني به الأطفال الذين يتعرضون لوسائل الاتصال الجماهرية، ويتم الاتصال عن طريق مشاهدة العروض المسرحية والسينمائية، قراءة الكتب والمجلات ومشاهدة البرامج التلفزيونية وغيرها..

ومصطلح جمهور الأطفال حديث العهد لأنه حتى وقت قصير لم يكن للأطفال أدب خاص بهم ذلك أن وسائل الاتصال الجماهرية كانت زادا ثقافيا موجها للكبار، يتألف جمهور الأطفال من أشخاص، لكن هؤلاء يرتبطون عادة بجماعة أو عدد من الجماعات العائلة، جماعة الأصدقاء، وجماعة المدرسة.[17] وهذا معناه أن الجمهور على أساس تكوينه لا يمثل طبقة اجتماعية، بل مزيجا متداخلا وواسعا بحيث لا يمكن الاتصال به إلا من خلال أنظمة الإنتاج والتوزيع الجماعية.

  • التعريف الاجرائي:

هو التعريف المعتمد في الدراسة حيث تم تحديد الطفولة زمنيا لتشمل الأطفال في مرحلة الطفولة المتوسطة والذين تتراوح أعمارهم بين 9- 12 سنة من الجنسين، سبق لهم مشاهدة عروض مسرحية سواء في مؤسساتهم التعليمية أو على خشبة المسرح.

–   التفاعل:

  • التعريف الاصطلاحي:

يقصد بالتفاعل علاقة الطفل بالمسرح من حيث العادات والأنماط وتحديد طبيعة هذه العلاقة من حيث التأثيرات الإيجابية والسلبية.

  • التعريف الاجرائي:

مدى وصول الرسالة للطفل من خلال ما يبديه من تفاعل في وضعيات المشاهدة عن طريق ما يدلي به عبر أسئلة الاستبيان والمقابلة.

2.2 المقاربة النظرية للدراسة

تم اعتماد المقاربة الوظيفية في هذه الدراسة نظرا لطبيعة الموضوع الذي يدرس العلاقة بين الجمهور ووسائل الاعلام.

ويعني المدخل الوظيفي أساسا[18] دراسة وسائل الاتصال وما يمكن أن تؤديه للجمهور. يركز هذا المدخل على دراسة الكيفية التي يستخدم بها الجمهور وسائل الاتصال الجماهيري مثل أنماط القراءة والمشاهدة والاستماع وغيرها.

ولم تقم هذه الدراسة على نظرية معينة، لأن اختيار هذه الأخيرة قد لا يعطي إلا تفسيرات جزئية لا تغطي الظاهرة ككل، حيث أن المسرح وسيلة إعلامية تتميز بخصائص تُميزها عن غيرها من الوسائل لما للصوت والحركة والموسيقى والغناء والديكور من تأثير.

وقد تم بناء الدراسة انطلاقا من إن أدبيات، حيث كل بحث تنقسم إلى ثلاثة أنواع: دراسات سابقة تعرضت لنفس الموضوع وبنفس المقاربة النظرية والمنهج تقريبا مع اختلافات طفيفة مرتبطة بالإطار الزماني والمكاني للدراسة.

دراسات مشابهة تناولت موضوعا مشابها للدراسة التي يتم إجراءها مع اختلافات قد تكون مرتبطة بالوسيلة أو العينة أو المنهج أو أدوات الدراسة. والدراسات المرتبطة التي ترتبط جزئيا بالدراسة التي ينوي الباحث القيام بها. وبعد الاطلاع على الدراسات الجزائرية إيمانا من أن أي دراسة لا تتحقق إلا في شروط مجتمعاتها كي تتماشى مع الواقع الاجتماعي والثقافي بالضرورة. اتضح أن معظمها تناولت ثقافة المكتوب. أما الثقافة المسموعة المرئية انصبت حول موضوع الرسوم المتحركة وعلاقتها بالطفل، سواء تلك التي يبثها التلفزيون الجزائري أو التي تعرضها القنوات العربية أو الأجنبية.

وما كان من نصيب مسرح الأطفال الذي عثرنا عليه سوى دراسة كريم بلقاسي الموسومة بمسرح الأطفال في الجزائر، دراسة في القيم والتفاعل جامعة الجزائر 2003.

ودراسة محمد بوكراس بعنوان واقع مسرح الطفل في الجزائر دراسة حالة المسرح الوطني الجزائري، مذكرة نيل شهادة الدراسات العليا في الفنون الدرامية، الجزائر سنة 2000.

3- مدخل نظري لمسرح الأطفال

1.3 أبعاد مسرح الأطفال وأهميته وأهدافه:

أبعاد مسرح الأطفال:

تنبع أهمية مسرح الأطفال من وظيفته الأساسية في تحويل المولود الجديد من كائن بيولوجي إلى كائن اجتماعي. وخلال سنوات الطفولة الحاسمة تتم عملية الانتماء الاجتماعي وتتشكل الهوية الذاتية التي يلعب المحيط الاجتماعي بمختلف مثيراته ووسائطه الدور الحاسم فيها. ولا تقتصر العروض المسرحية على تكوين الهوية بل تتعداه إلى تكوين الشخصية بمجملها وتحديد السلوك وتوجهاته من خلال توجيه عمليات النمو في مختلف أبعادها العاطفية والمعرفية والاجتماعية والسلوكية.

وهكذا فإن العرض المسرحي ليس مجرد ارتقاء فكري وتهذيب للحواس بل هو إعداد للمستقبل.

ولذلك فلا مبالغة في القول بأن مدى تقدم المجتمع مرتبط بمدى أهمية النظرة إلى الطفولة والتعامل معها وإعدادها. ويصدق ذلك على مسألة تعزيز الهوية الوطنية وصناعة المستقبل في عصر تصعيد حدّة التفاعل الثقافي وانفتاح الحدود واستحالة التقوقع. يتطلب الاتصال الثقافي تعاملا مع المعلومات والأفكار بما يؤول إلى تكوينات وأبنية لغوية (وسائل الاتصال) تتميز بالجمال والقوة والوضوح لأن الأطفال يستقبلون الرسائل الاتصالية وهم يعرفون أنهم لا يواجهون الحياة بنفسها بل يواجهون ما يمثلها في قوالب فنية. ولو كانت هذه الرسائل تنقل وقائع بنفس مواصفاتها لكان الأطفال أكثر إحساسا بالملل وأكثر نفورا منها. ذلك أن حواس الأطفال شديدة الاستجابة لعناصر التجسيد الفني ولهذا فإن الاتصال الثقافي بالأطفال يعمد إلى الاستعانة باللغة اللفظية وغير اللفظية ليشكل للمعنى أبعادا في عملية التجسيد الفني، شرط أن تساندها الأصوات والألوان والحركات التي تعتبر هي الأخرى لغة أكثر ليونة مما تتيح مجالا واسعا للتفكير.

أهمية مسرح الأطفال:

يقول مارك توين عن مسرح الأطفال: إنه أقوى معلم للأخلاق وخير دافع إلى السلوك الطيب اهتدت إليه عبقرية الانسان لأن دروسه لا تلقن بالكتب بطريقة مرهقة أو في البيت بطريقة مملة بل بالحركة المنظورة التي تبعث الحماس وتصل مباشرة إلى قلوب الأطفال. إن كتب التربية لا يتعدى تأثيرها العقل وقلما تصل إليه بعد رحلتها الطويلة ولكن حين تبدأ الدروس رحلتها من مسرح الأطفال فإنها لا تتوقف في منتصف الطريق بل تمضي إلى غايتها[19]. وعلى العموم فإن أهمية مسرح الأطفال يمكن تلخيصها فيما يلي:

–        يعتبر مسرح الأطفال من الوسائط الهامة في تنمية وتفعيل القدرات العلمية والتربوية والفنية للأطفال، حيث يتم تقديم المعرفة بقالب فني يساعد على صقل أذواق الناشئة ويجعلهم يقبلون بشغف على تقبل المعطيات التي عادة ما تكون جافة.

–        يعمل المسرح على منهجة حياة الأطفال عن طريق التأثر لعمل العمل المسرحي من خلال العبرة المقدمة لهم بقالب مسرحي والابهار المشهدي من ديكور وملابس وإضاءة وأصوات والإيهام المسرحي الذي يخلق حالات الانفعال التي تؤدي بهم إلى البهجة والسرور والممتعة خاصة المواقف المضحكة.

–        إن التمثيل المسرحي حسب علماء النفس أهم الوسائل استخداما في تحقيق التوازن النفسي مما يؤدي عادة إلى نقص التوتر النفسي وتحقيق حدة الانفعالات المكبوتة ولا يحدث ذلك إلا إذا رضي المتفرج أو الممثل عن المواقف والشخصيات التي تؤثر فيه. ومن الظواهر النفسية، الخجل، الانطواء وعيوب النطق[20].

–        إن العروض المسرحية وسائل اتصال فعالة للتعبير عن فكرة أو مفهوم أو شعور معين عن طريق اللغة والحركة وتعبيرات الوجه والاشارات وأسلوب الكلام. وكل ذلك يجعل منها وسيلة ذات قوة اجتماعية للإعلام والتثقيف والتوجيه إلى جانب الترويج والتسلية الهادفة.

–        المسرح وسيلة اتصال فعالة وخاصة حيث تكون موجهة إلى الأطفال، تلك الشريحة الاجتماعية التي تنفرد بطلاقة الخيال والقابلية للتشكيل والاستعداد للاندماج والقدرة على تمثيل الأدوار والاحساس الجمالي الغض والاستجابة الإبداعية لما يعرض عليه من منبهات[21].

–        يعتبر العرض المسرحي حدث فني لما للصورة السمعية البصرية أهمية في تفوّقها على العنصر الكلامي.

-يتميز العرض المسرحي بحرية الأداء والايقاع وتلاحم أجزاء الفعل المسرحي، إلى جانب المثيرات الحسية.. مما يتيح استمرارية الجاذبية والتفاعل.

–        صادق تطور مسرح الأطفال عدة عراقيل إلى أن وجدت العروض المسرحية كتابها وأهميتها وخصوصيتها، حيث أحدثت علاقة مع جمهور الناشئة. ويعتبر جمهور الأطفال العنصر الأساسي في العرض المسرحي إذ يقف عليه نجاحه أو فشله.

أهداف مسرح الطفال:

يمكن تلخيص أهداف مسرح الأطفال في جملة من النقاط:

–        تنمية الجانب الفكري عند الطفل حيث يعمد إلى إثراء الجانب الثقافي على صعيد المضمون والشكل وبذلك يتهيأ جيل مسرحي لديه الاستعداد للتعامل مع المسرح بصورة جيدة عندما يكبر.

–        تنمية الجانب الجمالي حيث تتمكن العروض المسرحية الجيدة من أن تنمي إحساس الأطفال الجمالي لما يرونه من جماليات في الشكل فيتابع الأطفال جماليات التكوينات الإخراجية والأداء والموسيقى التصويرية وغيرها[22].

–        الفائدة المتأتية عن التربية الفنية التي تخلق الذوق الرفيع لأجيال المستقبل.

–        غرس القيم النبيلة والحث على الالتزام بها.

2.3. شروط الكتابة للطفل في مرحلة الطفولة المتوسطة:

يتجه الطفل في هذه المرحلة اتجاها اجتماعيا يتميز بتطور علاقاته الاجتماعية نتيجة التحاقه بالمدرسة. ويميل إلى الاعتماد على نفسه فيطلع بخياله الحر إلى عوالم رحبة فسيحة تعيش فيها الجنيات والحوريات والعمالقة والأقزام. كما يميل إلى القصص التي تقدم القيم الاجتماعية مثل التعاون، الاخلاص[23]وغيرها…

وفي نطاق المسرحية يشترط أن يكون موضوع المسرحية هادفا وذا فكرة سليمة لتنمية القيم والاتجاهات التربوية فيه بمراعاة ثلاثة مقاييس:

أولا المادة أي أن يكون للمؤلف شيئا يريد قوله وثانيا الإخلاص بنقل ما يريد قوله بأمانة وثالثا الصدق ويقصد به إظهار العالم على حقيقته.

تفرض المرحلة العمرية على الكاتب أن يراعي القدرات العقلية والذهنية للطفل فلا يجوز أن يقدم أعمالا مسرحية تفوق بمضامينها وعمقها القدرات الذهنية للأطفال المشاهدين حتى لا تأتي الكتابة تعبر عن مستواه الفكري هو ولا تصل إلى الأهداف المرجوة منها، فتعجز عن ملامسة مشاعر الأطفال الحقيقية لما يحس به ويتفاعل معه وإلا فقد العمل المسرحي تأثيره الفعلي عليه.

أما كيف نكتب للأطفال كتابة إبداعية فإن في هذه المرحلة يخضع شكلها لثلاثة مقاييس: الاعتبارات التربوية، السيكولوجية، الاعتبارات الأدبية، والفنية.

خاتمة:

بعد استرجاع الاستمارات، تم تفريغ البيانات ومعالجتها إحصائيا وتوصلت الدراسة من خلالها إلى النتائج التالية:

–        جل الأطفال المستجوبون يحبذون المسرح حيث تقاربت الإجابات بتكرار 38 (%54,2) لدى الذكور و32 (45,7 %) لدى الاناث. وإذا قارنا إجابات الأطفال مع متغير الجنس نجد أنها تثير الاهتمام لأن هذا الأخير لا يعتبر المحرك أو الدافع الأساسي الذي يخلق الاهتمام بالمسرح.

ويمكن إعادة شغف الأطفال بالمسرح إلى إجابات دفينة في نفوسهم عبّروا عنها في التجربة التي جمعتهم بهذه الوسيلة الاتصالية. وقدمت مفردات العينة أسبابا منطقية لتبرير اهتمامهم مثل، الترفيه، التعلم، التسلية، تعلم اللغة العربية الفصحى، يدلني على فعل الخير…

إن هذه التبريرات تبرز مدى وعي الأطفال أيضا أهمية المسرح للتعلم والتسلية سواء لدى الذكور أو الاناث على حد سواء من جهة وأن الأطفال في المرحلة المتوسطة يتخذون قرارات نابعة من الحاجة النفسية لديهم.

–        يقصد الأطفال المسرح بصفة نادرة في المرتبة الأولى حيث بلغت نسبة هؤلاء 68,13  % ويقصد 25 % منهم المسرح أحيانا ولا يذهب إلى المسرح باستمرار إلا نسبة 20 % ولعل هذا راجع إلى عدم اكتراث الأولياء بأهمية هذا النوع من الفنون أو غياب هذا الأخير في بعض المؤسسات التعليمية ودور الثقافة.

–        توجد اختلافات بين الذكور والاناث فيما يتعلق بمدى الاستفادة من العروض المسرحية، حيث يستفيد الذكور قليلا 23 (32,8  %) بينما تستفيد الاناث أكثر 46 (65,7  %) يمكن تفسير ذلك إلى الرغبة التي تبديها الاناث في فهم مضمون الرسالة المسرحية للاستفادة منها أو لأنها تجد في ذلك المضمون ما يلبي ميولها ورغباتها.

–        وفيما يتعلق بمدى استيعاب الأطفال بمغزى العروض المسرحية التي شاهدوها، ظهر أن أغلبهم وباختلاف جنسهم يتمكنون من ذلك 46 (65,7 %) بينما أخفقت نسبة ضعيفة في تحقيق ذلك الاستيعاب، 23 ( 32,8%). إن أي عمل إبداعي يحمل رسالة أو هدف لكن الأثر يختلف من شخص لآخر لأن الأفراد يختلفون في درجة الوعي والاستيعاب وإدراك المعاني.

–        جعلت الأعمال المسرحية الأطفال المستجوبين يشعرون بالمتعة والرضا في أي عرض مسرحي أتيح لهم. وتترجم هذه المتعة في الموضوع الشيّق للعرض وطريقة حل الصراع وبناء عنصر التشويق سواء لدى الذكور والاناث.

–        يتأثر جمهور الأطفال ويستجيب للأحداث خاصة إذا كان العرض المسرحي يعبّر عن اهتماماته ورغباته، على أنه من الصعب لأي فرقة مسرحية كانت أن تلبي كل الرغبات كما أنه من الصعب معرفة اهتمامات الجمهور والتوفيق بينها في ظل غياب الدراسات الميدانية التي قد تعطي دلالات ومؤشرات من شأنها أن توجه مسرح الأطفال.

–        أما بخصوص إقبال الأطفال على النوع المسرحي المفضل، اتضح توجه الذكور والاناث بصفة متساوية نحو المسرحيات ذات الطابع الكوميدي. هذا التفضيل لا يخص المسرح الوطني الجزائري بل هي ظاهرة عالمية وذلك نظرا للأسلوب الخفيف والمرح الذي يبنى على تقديم أحداث ومواقف مضحكة وإلى مواضيعها الملتصقة بالواقع الاجتماعي وحياة الانسان اليومية ولأنها تطرح المواضيع بصورة مباشرة وبأحداث وشخصيات جزائرية نابعة من صميم الواقع الاجتماعي.

–        لا يوجد فارق إحصائي بين الذكور والاناث في تفضيلهم للغة العرض المسرحي حيث يفضلونه باللغة العربية الفصحى. وقد يفسر ذلك إلى تأثير المدرسة التي تعمل على إثراء حصيلة الطفل اللغوية بالمفردات والتراكيب اللغوية أو عرض مواد تلعب دور الوسيط بحيث تبقى فصيحة وقريبة إلى اللهجات العامية في آن واحد، مثلا: راح الولد إلى أمه القاعدة أمام النافذة.

–        ومن الصفات التي اختارتها عينة الدراسة للبطل المفضل في المسرحية نجد أن 27,1  %ذكورا و41,4 % إناثا اختاروا صفة الذكاء في حين 22,8 %ذكورا و 40 % إناثا يرون أن العلم أهم صفة. أما نسبة 12,8 % من الذكور و 32,8 % من الاناث يرون في البطل صفة حب الخير أهم صفاته. واتفق كل من الذكور والإناث على صفات أخرى كالشجاعة والتعاون وحسن الخلق والتفوق على الشر وغيرها من الصفات الإيجابية على حد سواء.

–        يمكن التنويه إلى أن الميل إلى مثل هذه الصفات راجع إلى تصوير البطل في المسرحية ممن لهم الخصائص الأخلاقية المتوافقة مع خصائص الطفولة وأهداف المجتمع في تربية الناشئة.

–        أظهرت المعطيات الإحصائية أن معظم أفراد العينة الذكور منهم والاناث يرغبون في التشبه بأبطالهم المفضلين في المسرحية حيث أجاب 89 % «بنعم» و 11% ب»لا». إن ميل الأطفال إلى الامتثال للبطل بسبب تحلي هذا الأخير بصفات نبيلة أشار إليها الأطفال سابقا. وبالتالي ظهر أن الرغبة في التقليد هامة لدى الأطفال. يعني هذا أن الأطفال يشعرون بالمشاركة العقلية والعاطفية وأنهم يحصلون على متعة في هذه التجربة الاتصالية.

–        توجد اختلافات ذات دلالة إحصائية بين الذكور والإناث، بخصوص العناصر التعبيرية المفضلة في العروض المسرحية. حيث تستقطب الحركات التي يتميز بها البطل في حدّ ذاته والقصة. وجاءت باقي العناصر التعبيرية بأقل أهمية مثل الأغاني الموسيقى، بينما تمركز اهتمام الإناث في عنصر الموسيقى والأغاني والرقص، والقصة.

قد يفسر الأمر بسيادة فكرة البطل الذكر في أذهان الذكور بفعل سيادتها في أبطال المسرحية، بينما تحرك الإيقاعات الموسيقية الذوق الفني للإناث.

–        ورد الاختلاف أيضا لدى الأطفال باختلاف جنسهم إذ تفضل الإناث أن يكون البطل أنثى بينما يفضله الذكر ذكرا. وهذا أمر طبيعي لأن كل فئة ترغب أن يكون البطل المفضل من نفس الجنس.

–        أظهرت الدراسة أن المسرح يستهوي جمهور الأطفال المستجوبين وهذا الاستقطاب يكمن في كونه تجربة اتصالية مباشرة بدون وساطة قائمة على تعبيرات فنية ملموسة، وما ينتج عن ذلك من قيمة كشاغل للوقت بسبب الحاجة الملحة للحصول على أنواع المتعة والتسلية.

–        يذهب البحث أيضا إلى الاستنتاج بأن عادة مرافقة الأطفال إلى المسرح ترتكز في عدم مشاركة أفراد الأسرة الأطفال بوجه عام في الوقت الذي ينبغي أن تبقي الأسرة الوحدة الاجتماعية الأولى التي يحتك بها الطفل احتكاكا مستمرا. إنه كلما ألحت الحاجة بالطفل إلى المعرفة زاد استقباله واستيعابه وأن المشاهدة الصامتة لا تعني أن الأطفال لديهم مواقف راسخة من قبل أو ربما عثر على وسائل هيئت التآلف مع المواقف المعروضة بحيث لا يقف منها على جديد لأننا ندرك أن وسائل تثقيف وتسلية الأطفال قليلة جدا وهو ما يدل على ضيق أفق الأولياء، حيث لا يعي غالبيتهم بأهمية إثارة الحوار والمناقشة من خلال مرافقة الأطفال إلى المسرح.

–        ترى نسبة 65 % من مفردات العينة أن العنف غير مقبول في المسرحية 30% لدى الذكور و 35 % لدى الإناث. قد يكون ذلك إلى كونهن أقل جرأة من الذكور. لكن هذا الحكم يبقى نسبيا لتدخل عوامل أخرى نفسية وتربوية.

وعليه فإن فهم خصوصيات وأهمية مسرح الأطفال يأتي كمرحلة متقدمة لفهم رسالة المسرح عامة وتوفير الظروف الملائمة لأداء هذه الرسالة. وهذا لا يمكن التسليم بوجوده نظرا للظروف التي يمر بها المسرح في بلادنا. إن مسرح الأطفال مولود يبحث عن الرعاية الخاصة في إطار غياب الإطار التشريعي ونقص الإمكانيات المادية والمعنوية التي تقف مانعا أمام كل إرادة فاعلة. ويرتبط نقص الإنتاج المسرحي الموجه للأطفال بعدة عوامل كغياب النظرة العلمية والإدراك بأهمية هذا الميدان، انعدام التكوين في مجال مسرح الأطفال وعدم وجود مجال تخصص قائم كما تقتضيه الرؤية والمعرفة العلمية. ولأن مسرح الأطفال ينمو ويتطور في بيئة تولي المسرح كامل العناية وهو موضوعا ليس معزولا على كل الظروف الثقافية والاجتماعية التي يعيشها المجتمع، لذلك من الخطأ دراسة ومناقشة ما ينبغي أن يكون بعيدا عن ما هو كائن.

وما هو كائن في ميدان مسرح الأطفال في الجزائر هو تجربة حديثة لم تحظى بالاهتمام الملائم رغم أهمية وحساسية هذا الميدان.

إن المبادرات التي ظهرت إلى الوجود من أجل إعطاء دفع لمسرح الأطفال والتي قامت على مجرد الاجتهاد الشخصي، لم تستطيع الاستمرار ولم تكن كافية لإنصاف فن يقوم على المعالجة العلمية. فالحديث عن المبادرات الشخصية وبعض المهرجانات رغم ما خلقته من تحفيز لا يمكن أن يخلق مسرح أطفال علمي، لأن المسرح أو الثقافة الموجهة للأطفال عامة لا تبنى على المبادرات الشخصية بل تدخل في أطر سياق عقلاني وعلمي عام.

ومن جهة أخرى هناك ضرورة أولية وأساسية لانتماء مضمون العمل الفني بما يحمله من لغة وأفكار للسياقات الحقيقية. وضرورة تفاعل الفنان المبدع مع تلك السياقات بشكل خلاق لا يمثل حرفية ذلك المضمون أو نقله أو ترجمته كما هو، وإنما يستدعي الأمر اكتشاف العناصر التي تشير في ذهن المتلقي مشاعر التواصل والارتباط بذاكرته الجماعية. ولكي تتم هذه العملية لا بد أن يكون مضمون الابداع مناسب للمحيط الذهني لكل من المتلقي والمبدع في نفس الوقت. الأمر الذي ينقل المتلقي من التلقي السلبي إلى حالة التلقّي الفعال.

يكفي هنا إلقاء نظرة سريعة على ما يقدم للطفل من برامج في وسائل الاعلام المختلفة ليتبيّن مدى الاستلاب الذي يطال ليس فقط مسرح الأطفال ولكن معظم التعبيرات الفنية الأخرى.

وعليه فإن مسألة تظافر جهود كل المؤسسات الاجتماعية والثقافية والتربوية ووضع خطة ثقافية شاملة حاجة ملحة للخروج من حالة التعثر والتبعثر وتؤسس لحصانة الطفل الجزائري ضد التغريب والأمركة من خلال صناعة الأصالة العربية المستقلة.


قائمة المراجع:

– تمار، يوسف، العينة في الدراسات الإعلامية الاتصالية، الجزائر، منشورات بغدادي.

– الحر، زكاء، الطفل العربي وثقافة المجتمع، لبنان، بيروت، دار الحداثة للنشر والتوزيع، 1984.

– دورتيه، جان فرانسوا، معجم العلوم الإنسانية، ترجمة جورج كتورة، ط2، بيروت، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، 2011.

– شربيل، موريس، التطور المعرفي عند جان بياجي، لبنان، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، 1976.

– عبد الحميد، محمد، البحث العلمي في الدراسات الإعلامية، ط3، القاهرة، القاهرة، عالم الكتب، 2008.

– العظمة، وفيق، سيكولوجية الأطفال، ط1، دمشق، دار الرواد للتأليف والترجمة والنشر، 1996.

– العناني، حنان عبد الحميد، أدب الأطفال، ط2، الأردن، دار الفكر العربي، 1992.

– القاضي، دلال، والبياتي، محمود، منهجية وأساليب البحث العلمي، ط1، د. بلد، دار حامد للنشر والتوزيع، 2008.

– محمد عمر، نوال، مناهج البحوث الاجتماعية والإعلامية، القاهرة، المكتبة الأنجلو مصرية، 1986.

– مرعي، حسن، المسرح التعليمي، لبنان، مكتبة الهلال للنشر والتوزيع، 2010.

– مصري، عبد الحميد حورة، سيكولوجية التذوق الفني، القاهرة، دار المعارف، د.ت.

– معلوف، لويس، المنجد في اللغة، ط31، بيروت، دار دمشق، 1991.

– نجيب، أحمد، فن الكتابة للأطفال، بيروت لبنان، دار اقرأ، 1983.

– الهيتي، هادي نعمان، صحافة الأطفال وأدبهم، ط1، الأردن، دار أسامة للنشر والتوزيع، 2012.

– وارد، ونفرد، مسرح الأطفال، ترجمة محمد شاهين الجوهري، القاهرة، المؤسسة الوطنية المصرية للتأليف والنشر، 1986.

– اليونسكو، اتفاقية حقوق الطفل، 1989.

– ANGERS, Morice, Initiation pratique à la méthodologie des sciences humaines, les éditions C.E.C.I.N.C, 1997.

– DELDIME, Roger, Théâtre pour enfants, collection univers des sciences humaines, Edition A Dedock, bruxelle.

– FREUD, Sigmund, Métapsychologie, Edition: Gallimard, Paris, 1968.

– VALLON, Claude, Pratique du théâtre pour enfants, Edition: Pierre Favre, Paris, 1981.


[1]  الهيتي، هادي نعمان، صحافة الأطفال وأدبهم، ط1، الأردن، دار أسامة للنشر والتوزيع، 2012، ص280.

[2]  محمد عمر، نوال، مناهج البحوث الاجتماعية والإعلامية، القاهرة، المكتبة الأنجلو مصرية، 1986، ص108.

[3]  عبد الحميد، محمد، البحث العلمي في الدراسات الإعلامية، ط3، القاهرة، القاهرة، عالم الكتب، 2008، ص106.

[4] ANGERS, Morice, Initiation pratique à la méthodologie des sciences humaines, les éditions C.E.C.I.N.C, 1997, p 130.

[5]  القاضي، دلال، والبياتي، محمود، منهجية وأساليب البحث العلمي، ط1، د. بلد، دار حامد للنشر والتوزيع، 2008، ص 122.

[6]  شربيل، موريس، التطور المعرفي عند جان بياجي، لبنان، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، 1976، ص21.

[7]  وارد، ونفرد، مسرح الأطفال، ترجمة محمد شاهين الجوهري، القاهرة، المؤسسة الوطنية المصرية للتأليف والنشر، 1986، ص148.

[8]  تمار، يوسف، العينة في الدراسات الإعلامية الاتصالية، الجزائر، منشورات بغدادي، ص29.

[9] FREUD (s), Métapsychologie , Edition: Gallimard, Paris, 1968, p11.

[10] VALLON, Claude, Pratique du théâtre pour enfants, Edition: Pierre Favre, Paris, 1981, p15.

[11]  نعمان الهيتي، هادي، صحافة الأطفال وأدبهم، ط1، الأردن، دار أسامة للنشر والتوزيع، 2012، ص282.

[12]  نجيب، أحمد، فن الكتابة للأطفال، بيروت لبنان، دار اقرأ، 1983، ص164.

[13]  معلوف، لويس، المنجد في اللغة، ط31، بيروت، دار دمشق، 1991، ص367.

[14]  اليونسكو، اتفاقية حقوق الطفل، 1989.

[15]  سورة غافر، آية 67.

[16]  العظمة، وفيق، سيكولوجية الأطفال، ط1، دمشق، دار الرواد للتأليف والترجمة والنشر، 1996، ص9.

[17]  الحر، زكاء، الطفل العربي وثقافة المجتمع، لبنان، بيروت، دار الحداثة للنشر والتوزيع، 1984، ص24.

[18]  دورتيه، جان فرانسوا، معجم العلوم الإنسانية، ترجمة جورج كتورة، ط2، بيروت، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، 2011، ص 137.

[19]  مرعي، حسن، المسرح التعليمي، لبنان، مكتبة الهلال للنشر والتوزيع، 2010، ص21.

[20]  المرجع نفسه، ص20.

[21]  مصري، عبد الحميد حورة، سيكولوجية التذوق الفني، القاهرة، دار المعارف، د.ت، ص159.

[22] DELDIME, Roger, Théâtre pour enfants, collection univers des sciences humaines, Edition A Dedock, Bruxelles,  p19.

[23]  العناني، حنان عبد الحميد، أدب الأطفال، ط2، الأردن، دار الفكر العربي، 1992، ص 72.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.