﴿ثُمَّ ٱسۡتَقَـٰمُوا۟﴾ – الجزء الثامن عشر – (١٠) سلسلة “نتغير لنغير”
د.فاطمة الزهراء دوقيه
﴿ثُمَّ ٱسۡتَقَـٰمُوا۟﴾ – الجزء الثامن عشر – (١٠) سلسلة “نتغير لنغير”
د.فاطمة الزهراء دوقيه
مقصود عبادة الإسلام المالية “الزكاة” تزكية النفس الإنسانية وتنمية الخير فيها واستقامتها، وهي المجبولة على حب المال حبا جما، وكثيراً ما يمنع هذا الحب من فعل المعروف وأداء الحقوق، بل قد يحصل السطو على الأموال غير المستحقة بشتى الطرق؛ بالنصب والاحتيال والظلم والطغيان، وأكل أموال الناس بالباطل.
ومن الناس من تسمعه يتحجج لفعله السطو والسرقة والاحتيال، أليس في المجتمع حق ولا عدالة توزيع للأموال والثروات؛ فمن الناس من يتمتع بالترف والغنى، ومنهم الذي يعاني مرارة الفقر والحاجة.
وكما جاء فرض الزكاة لتزكية النفس المعطية تعبيراً عن إيثارها رضا الله على رضا نفسه، والنجاح في معالجة أنانيتها، وتطهيرها من مرض البخل وخبث الشح، فإنها كذلك لتزكية النفس المعطاة لها ..
بإيتاء الزكاة تزكو نفس الفقير من أمراض الغل والحسد واليأس والحقد … وكل ما قد يدفعه إلى ارتكاب الموبقات من سرقة ونهب واغتصاب واعتداء، وكل المخاطر التي تترتب عن الفقر، الذي يخبر عنه الله تعالى أنه ابتلاء وفتنة تخشى عواقبها، مثل قتل النفس البريئة لقوله تعالى:﴿وَلَا تَقۡتُلُوۤا۟ أَوۡلَـٰدَكُمۡ خَشۡیَةَ إِمۡلَـٰقࣲۖ نَّحۡنُ نَرۡزُقُهُمۡ وَإِیَّاكُمۡۚ إِنَّ قَتۡلَهُمۡ كَانَ خِطۡـࣰٔا كَبِیرࣰا﴾ الإسراء:٣١، وقوله سبحانه:﴿وَلَا تَقۡتُلُوۤا۟ أَوۡلَـٰدَكُم مِّنۡ إِمۡلَـٰقࣲ نَّحۡنُ نَرۡزُقُكُمۡ وَإِیَّاهُمۡۖ وَلَا تَقۡرَبُوا۟ ٱلۡفَوَ ٰحِشَ مَا ظَهَرَ مِنۡهَا وَمَا بَطَنَۖ وَلَا تَقۡتُلُوا۟ ٱلنَّفۡسَ ٱلَّتِی حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلۡحَقِّۚ ذَ ٰلِكُمۡ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ﴾ الأنعام:١٥١. فالفقر قد يدفع صاحبه إلى القتل، والإفساد في الأرض، وارتكاب المحرمات والفواحش؛ فهو “خطر على عقيدة المرء، وأخلاقه، وعلى أمن المجتمع وسلامته، ومن ثم يجب على المجتمع أن يتصدى للفقر كمشكلة اجتماعية عامة”[1].
وقد شرع الله تعالى للناس الزكاة وسيلة كبرى للتصدي لهذا الخطر، لتعالج الكثير من آفات النفس والمجتمع، في جانبي المعطي كما تقدم، وفي جانب الفقير الذي تعالجه من “الحسد والنظر إلى ما في يد الأغنياء؛ لأن الزكاة تدفع له حقاً شرعيّاً:﴿وَفِیۤ أَمۡوَ ٰلِهِمۡ حَقࣱّ لِّلسَّاۤىِٕلِ وَٱلۡمَحۡرُومِ﴾ الذاريات:١٩، وطبيعي أن الفقير الذي ينال حقه هذا سيطهر من الحقد والحسد؛ لأن القاعدة:﴿هَلۡ جَزَاۤءُ ٱلۡإِحۡسَـٰنِ إِلَّا ٱلۡإِحۡسَـٰنُ﴾ الرحمن:٦٠، والشاعر يقول:
أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم **** فطالما استعبد الإنسانَ إحسانُ”[2].
وهو ما سيتحقق له إذا ما روعيت مجموعة من الآداب والوظائف والمعاني الإيمانية التي تنطوي عليها هذه العبادة، وـ”الهدف من الزكاة ليس إعطاء الفقير دريهمات معدودة، وإنما الهدف تحقيق مستوى لائق للمعيشة، لائق به بوصفه إنسانًا كرمه الله، واستخلفه في الأرض، ولائق به بوصفه مسلماً ينتسب إلى دين العدل والإحسان، وينتمي إلى خير أمة أخرجت للناس”[3].كما أن الهدف من الزكاة بالنسبة للفقير أو المستحق أن تكون له “معونة دائمة منتظمة، حتى يزول الفقر بالغنى، ويزول العجز بالقدرة، أو تزول البطالة بالكسب، وهكذا”[4]، وذلك لضمان التصدي للعواقب الوخيمة للفقر والعوز وعدم أداء فريضة الزكاة في المجتمع.
ومن جهة أخرى، فإن الزكاة تزكي نفس الفقير وتطهره من عقدة الشعور بالنقص والشعور بالدونية والإهانة؛ والله تعالى يقول:﴿وَأَمَّاۤ إِذَا مَا ٱبۡتَلَىٰهُ فَقَدَرَ عَلَیۡهِ رِزۡقَهُۥ فَیَقُولُ رَبِّیۤ أَهَـٰنَنِ﴾ الفجر:١٦، وهو شعور يتولد للمرء نتيجة فهمه الخاطئ للمراد الإلهي من التضييق في الرزق، ومن ذلك الابتلاء والاختبار أيصبر أم يجزع. والحقيقة أن تقتير الله “على من قتر عليه لا يدل على إهانته له وسقوط منزلته عنده، بل يوسع ابتلاء وامتحاناً، ويقتر ابتلاء وامتحانًا، فيبتلي بالنعم كما يبتلي بالمصائب”[5].
فإذا كان الغني في ابتلاء ببسط الله الرزق له، فإن الفقير في ابتلاء كذلك “بالحرمان والضيق في الرزق، من هما مظنة الشغف بالدنيا، واشتهاء ما لم يتح للمحروم من ملاذها، والإحساس بهواته على ربه الذي قسم الرزق، يبسطه على من يشاء ويقدر”[6].
وهكذا فعبادة الزكاة درس كبير في استقامة النفس وتزكيها وسموها التي تطال الطرفين: الغني المعطي للمال، والفقير الآخذ له، فضلاً عن المال نفسه، إذ إخراج الزكاة منه طهرة له من حق المستحقين ونماء وبركة له. فالتزكية والخير وبركة هذه العبادة تطال كل الجوانب؛ فالمال يتزكى، والأهم منه النفس الإنسانية تتزكى. وهي إن زكت وطهرت، ساد في المجتمع ما يمكن تسميته بـ”الصحة النفسية”، كثمرة من ثمار تزكية هذه العبادة المالية .. والتي تتمثل فيما تم تفصيله، ويمكن إجمال كل ذلك في ناحيتين:
- الأولى: تحرر الإنسان في إرادته من سيطرة حب المال عليه وآفاتها الخطيرة لدى الجانبين
- الثانية: نشأة جو مجتمعي صحي يطبعه الاعتراف بالجميل والامتنان وعفة اللسان وآداب وأخلاق نفسية راقية؛ فمن المعلوم شرعاً أن المعطي ممنوع من المن على الآخذ وأذاه حتى لا تبطل صدقته، أو ينقص أجر زكاته، بل عليه أن يتصرف على أساس إدراكه وإيمانه أن الفقير هو سبب الثواب الذي سيأخذه من أداء حق الله فيه؛ إذ لو لم يكن هذا الفقير لحرم رافداً من روافد الخير في الدنيا والآخرة. والمعلوم كذلك أن من آداب الأخذ أن يشعر الآخذ بالحب والامتنان نحو من جعله الله سببا لتخطي حاجة الفقر، فيحسن كما أحسن الله إليه، بأن سخر له من يحسن إليه وآتاه حقه من المال، امتثالاً لقوله تعالى:﴿وَأَحۡسِن كَمَاۤ أَحۡسَنَ ٱللَّهُ إِلَیۡكَ﴾ القصص:٧٧، وقوله عز وجل:﴿هَلۡ جَزَاۤءُ ٱلۡإِحۡسَـٰنِ إِلَّا ٱلۡإِحۡسَـٰنُ﴾ الرحمن:٦٠. ومن هذا الإحسان المطلوب تقديم الشكر لقوله ﷺ:{لا يَشْكُرُ اللهَ مَن لا يَشْكُرُ الناسَ}[7]. وهكذا حين تبنى العلاقات على هذه الأخلاق ويسود الاعتراف بالجميل، النتيجة صحة نفسية لأفراد المجتمع، قامت بها فريضة دينية ليس لأحد منة في تشريعها ولا تنظيمها، بل هي أمر إلهي، وركن من أركان الإسلام [8]..
[1]– العبادة، العجمي، ص ٧٩.
[2]– نفسه، ص ٧٥.
[3]– حوى، الإسلام، ص ١٣٧.
[4]– نفسه، ص ١٣٨.
[5]– ابن القيم، التبيان في أيمان القرآن، ص٤٩.
[6]– بنت الشاطئ، التفسير البياني للقرآن الكريم، ٢/١٥٢.
[7]– أبو داوود وغيره .
[8]– يراجع العبادة، ص ٧٤.