فتوى المجلس العلمي الأعلى في موضوع الزكاة؛ إسقاط ثلاثة أصناف من المستحقين للزكاة.
الدكتور أحمد الإدريسي
فتوى المجلس العلمي الأعلى في موضوع الزكاة؛
إسقاط ثلاثة أصناف من المستحقين للزكاة
الدكتور أحمد الإدريسي
أسقط المجلس العلمي الأعلى في هذه الفتوى ثلاثةً من أصناف المستحقين للزكاة وحجته؛ انتفاؤهم في عصرنا الحاضر، جاء في الفتوى: “أما الأصناف الثلاثة وهي العاملون عليها والمؤلفة قلوبهم، وفي الرقاب، فإنها غير واردة في سياقنا الحاضر” (الصفحة:13).
إلا أن رأي جمهور الفقهاء المعاصرين، ومنهم الدكتور يوسف القرضاوي، هو استمرار هذه الأصناف الثلاثة، مع إمكان إعمال القياس والمصلحة المعتبرة.
وسنـبيّـن في هذا المقال وجاهة الرأي القائل بأن هذه الأصناف الثلاثة واردة في سياقنا الحاضر.
أولا: مصرف “العاملون عليها”.
العاملون عليها هم: الأفراد والمؤسسات الذين يسهرون على جمع الزكاة وتوزيعها وإدارتها، ومنهم موظفو صندوق الزكاة، والكتبة في دواوين الزكاة، وحفظة أموال الزكاة، ويمكن أن يشملوا أيضاً العاملين في الجمعيات الخيرية التي تتولى هذه المهام، حيث تعمل كبديل عن الدولة أو الهيئات الرسمية في جمع الزكاة وتوزيعها على المستحقين.
2- نماذج معاصرة لمصرف العاملين عليها:
من النماذج المعاصرة لمصرف العاملون عليها نذكر ما يلي:
– المؤسسات الحكومية: الهيئات والوزارات الحكومية المسؤولة عن إدارة الزكاة في بعض الدول.
– الجمعيات الخيرية: المنظمات غير الربحية، والمرخص لها، التي تتلقى أموال الزكاة وتقوم بتوزيعها.
3- مهامهم:
– جمع الزكاة: تحصيل أموال الزكاة من الأفراد والشركات الذين تجب عليهم.
– التوزيع: توزيع أموال الزكاة على المستحقين وفقاً للشريعة الإسلامية.
– حفظ السجلات: كتابة السجلات والبيانات المتعلقة بالزكاة وإدارتها.
– حفظ الأموال: تأمين أموال الزكاة وحفظها بشكل آمن.
4- كيف يأخذون نصيبهم من الزكاة؟
– يحق للعاملين على الزكاة أخذ نصيبهم منها كأجر مقابل عملهم في جمعها وتوزيعها.
– يجب أن تكون هناك حاجة فعلية لوجود هذه الإدارة أو الهيئة، وأن تكون النفقات مناسبة لعملهم.
– تكون نفقات المؤسسات من مصرف “العاملون عليها” نفسه، وليس من أموال الزكاة المخصصة للمستحقين.
ثانيا: مصرف “المؤلفة قلوبهم”.
1- تعريف مصرف المؤلفة قلوبهم:
المؤلفة قلوبهم[1] هم: فئات من الناس، سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين، يُعطون من الزكاة أو أموال بيت المال لتأليف قلوبهم، أي لجذبهم إلى الإسلام أو لتقوية إيمانهم أو لأجل اتّـقاء شرهم عن المسلمين. ويشمل أيضا المسلمين حديثي العهد بالإسلام لتقوية إيمانهم، خاصة في الدول غير مسلمة، والأشخاص ذوي شأن في مجتمعاتهم ليرغبوا غيرهم في الإسلام، أو من يُخشى شرهم على المسلمين فيُعطون دفعاً لضررهم.
2- ضوابط مصرف المؤلفة قلوبهم:
– مراعاة المقاصد الشرعية: يجب أن يراعي الصرف المقاصد والغايات الشرعية المنشودة.
– التناسب: ينبغي أن يكون الإنفاق بقدر لا يضر بالمصارف الأخرى، ولا يتوسع فيه إلا بمقتضى الحاجة.
– الدقة والحذر: يلزم توخي الحذر لتجنب الآثار غير المرغوبة شرعًا والتي قد تعود بالضرر على المسلمين.
3- مصرف المؤلفة قلوبهم في عصرنا:
يركز هذا المصرف في عصرنا على تأليف قلوب ذوي النفوذ والرأي ممن يرجى إسلامهم، ومساندة الأقليات المسلمة، ورعاية المسلمين الجدد، وكسب تأييد أهل الفكر والخبرة لمصلحة قضايا المسلمين.
4- مجالات مصرف المؤلفة قلوبهم في زماننا المعاصر:
– دعم الأقليات المسلمة: استمالة حكام ورؤساء لتأييد ودعم القضايا التي تواجه الجاليات والأقليات الإسلامية.
– تأليف من يرجى إسلامه: استهداف ذوي الرأي والنفوذ الذين قد يؤثر إسلامهم في الآخرين.
– دفع الضرر: استمالة أصحاب النفوذ ممن لا يندفع ضررهم إلا بالمال.
– رعاية المسلمين الجدد: تأسيس مؤسسات علمية واجتماعية لرعاية وتثبيت من دخلوا الإسلام حديثا.
ثالثا: مصرف “في الرقاب”.
1- تعريف في الرقاب:
هو إخراج نصيب من أموال الزكاة، لأجل فك رقبة العبد أو الأمة من العبودية، وتشمل أيضاً دعم المكاتبين الذين يتفقون مع أسيادهم على عتقهم مقابل مال، وكذلك دفع فدية أسرى المسلمين. أصل الكلمة هو “الرقبة” وهي العنق، ولكنها استُخدمت مجازاً للدلالة على الإنسان المملوك.
وفي عصرنا الحاضر يُـمكن أن يشمل مصطلح “في الرقاب”؛ الأسرى، والشعوب المسلمة المستعمرة، والمسلمون الذين يتعرضون للظلم أو الإبادة في بعض الأماكن.
2- ضوابط مصرف في الرقاب:
من ضوابط مصرف “في الرقاب”:
– تحديد من هم أصحاب الأحقية.
– استخدام أموال الزكاة لفك العبيد أو الأسرى المسلمين.
– الحذر من الاستغلال السياسي في غير محله.
3- مصرف في الرقاب في عصرنا.
يُصرف سهم “في الرقاب” في الزكاة في الحالات الآتية:
– تحرير المسلمين المستعبدين، سواء كان ذلك عن طريق إعتاق العبيد المتبقين،
– دعم الأشخاص الذين يعانون من أشكال العبودية الحديثة.
– الدعم المادي للأشخاص الذين يحتاجون إلى مساعدة قانونية لتحرير أنفسهم من ظروف قسرية، فيحتاجون إلى نفقات ومصارف إلى أن يتحرروا.
– فكّ أسرى المسلمين. في ظل غياب الرق بالمفهوم التقليدي، يُفسّر بعض العلماء هذا المصرف على أنه يشمل محاربة أشكال الاستعباد الحديثة، مثل استعمار الشعوب أو الظلم الذي يتعرض له المسلمون في بعض الأماكن.
– مساعدة المكاتبين: دعم العبيد الذين كتبوا اتفاقًا مع أسيادهم لشراء حريتهم عن طريق دفع مبلغ معين.
– مكافحة أشكال الاستعباد المعاصرة: يرى بعض الفقهاء أن هذا المصرف يشمل المساعدة ضد الاستعمار أو الظلم الذي يتعرض له المسلمون في مناطق معينة، وذلك بحسب الرأي الذي ذكره.
خلاصة:
إن إسقاط مصرف “العاملين عليها” قد يؤدي إلى عدم التفكير في إحداث صندوق الزكاة، وإلى التهاون في جمع أموال الزكاة وتنظيمها وتزيعها.
وقد يحتاج المسلمون في كل زمان إلى تأليف قلوب من يساعدون على نُصرة المسلمين، وحماية المقدسات، وإلى ذوي النفوذ في المنظمات الدولية.
ويجب على حكام المسلمين والعلماء العناية بمصرف “في الرقاب” في وقتنا الحاضر؛ لتحرير المسلمين الذين يعيشون في ظروف قسرية، وفكّ أسرى المسلمين، ومكافحة أشكال الاستعباد المعاصرة.
والله هو الغنيّ، وهو الولي الحميد.
[1] – تأليف القلوب عند الفقهاء هو استمالتها بالإحسان والمودة.