منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

من تحديات الاقتصاد الرقمي؛ النقود والعملات الرقمية (5) سلسلة مقالات الاقتصاد الإسلامي والرقمنة؛

الدكتور أحمد الإدريسي

0

من تحديات الاقتصاد الرقمي؛ النقود والعملات الرقمية (5)

سلسلة مقالات الاقتصاد الإسلامي والرقمنة؛

بقـلم: الدكتور أحمد الإدريسي

من أخطر تحديات الاقتصاد الرقمي؛ النقود الرقمية وما نتج عنها من مخاطر مالية، وظهور العملات الرقمية، فإن النقود الرقمية يقتصر التعامل بها على فئة معينة من الناس؛ ومن ثَمَّ فإن نفعها ليس شاملا لجميع أفراد المجتمع. ف”إذا نظرنا إلى خصائص التفرد ومدى تحققها في العقود الرقمية نجد أن القبول العام لها من جميع الأفراد ليس متحققًا؛ كما أنها تفتقد إلى أغلب وظائف النقود[1].

إضافة إلى المخاطر والسلبيات الأخرى التي قد تتعرض لها الدول بسبب التوسع في التعامل بالنقود الرقمية، كعدم التحكم في أسعار الصرف، وازدياد معدل التضخم، وفقدان البنوك المركزية للإشراف والرقابة والتحكم في عرض النقود. ويُستبعد أن تكون النقود الرقمية مستودعًا للثروة وأداةً لاختزان القيم، إضافة إلى سلبيات التعامل بها، من احتمال تعرضها لعمليات القرصنة الإلكترونية، ومخاطر انقطاعها بسبب توقف المؤسسات المصدرة لها أو إفلاسها.

أولا: معيار الثمنية ومدى تحققه في العملات الرقمية.

من المتفق عليه أن الميزة الفاصلة بين ما يعد نقدًا وما لا يعد هي الثمنية[2]. فهذه هي أهم وظائف النقود، بالإضافة إلى كونها تصلح مستودعًا للثروة، وقاعدة للمدفوعات الآجلة – كما سبق في ماهية النقود. ومن لوازم ذلك أن تتسم النقود بالقبول العام عن جانب جميع الأفراد، وأن تمثل قوة شرائية عامة لجميع السلع والخدمات التي يحتاجها مالك النفود[3]. والثمنية تثبت بأحد أمرين:

1- تثبت بالوضع واعتبار الشارع لها، كما في الذهب والفضة اللذين هما أصل الأثمان[4]. ولذلك ربط الشارع كثيرا من الأحكام بهما كالزكاة والديات وغيرها[5].

2- تثبت الثمنية برواج النقد وتعارف الناس عليه وشيوع التعامل به.

وعلى مذهب الجمهور الذين يرون أن علة تحريم بيع أحد النقدين بجنسه متفاضلا، أو أحدهما بالآخر نسيئة ليست قاصرةً عليهما، بل تتعداهما إلى غيرهما من جنس الأثمان، خلافاً للشافعية الذين يرون أن العلة هنا قاصرة لا تتعدى الذهب والفضة إلى غيرهما من النقود[6]. وبهذا صارت النقود الورقية نقودا تجري عليها أحكام النقود، قال الإمام مالك في المسألة: (ولو أن الناس أجازوا بينهم الجلود حتى تكون لها سكة وعين لكرهتها أن تباع بالذهب والورق نَظِرَة)[7]. وهو ما یکاد يجمع عليه المعاصرون وقررته المجامع الفقهية والهيئات العلمية[8]. ولذلك فإن معیار ما يعد نقدًا وما لا يعد هو الثمنية. فإذا ثبتت الثمنية لأية عملة صارت نقدًا يجوز التعامل به.

ثانيا: التكييف الشرعي للتعامل بالنقود الرقمية والعملات الافتراضية،

اختلف الفقهاء وخبراء الاقتصاد في حكم التعامل بالنقود الرقمية، إلى ثلاثة أقوال:

– القول الأول: ذهب إلى عدم الجواز، وقال إنها تعتبر نوعًا مستقلًا وجديدًا من النقود، ولها خصوصيات مخالفة للنقود الكتابية والنقود الورقية؛ حيث لا تتمتع بذاتية مستقلة عنهما. وهي؛ “عملة تتميز بالمجهولية؛ إذ لا يُعلم مصدرها ولا المسئول عنها، حتى بين المتعاملين بها، ولا يمكن الكشف عن صاحب المعاملة[9]. وقالوا أيضا: إن التاجر باستلامه لها لا يعد دائنًا للمصدر، وإنما يحصل السداد بمجرد وصولها إليه. فالتاجر أو البائع لابد له من تحويلها إلى أحد هذين النوعين بعد وصولها إليه؛ وذلك لأنه ليس لها ذلك القبول العام الذي للنقود الورقية أو حتى الكتابية، فهي بحاجة إليهما دائمًا.

– القول الثاني: ذهب إلى الجواز، وقالوا: إنها لا تعدو أن تكون نوعا من النقود الكتابية؛ لأنها لا تكون في صورة مادية، فهي تشبه السداد عن طريق التحويلات البنكية أو البطاقات البنكية، وهي حسابات في أرصدة أصحابها، ومسجلة بأسمائهم، ولا تنتقل ملكيتها إلا بتغيير أسماء أصحابها، فهي ليست إلا أمراً بالتحويل من شخص إلى شخص آخر، بطريقة أكثر سهولة وأمانًا وخصوصية.

– القول الثالث: يرى جواز التعامل بالنقود الرقمية لكن مع التقيد بضوابط وشروط لتفادي المخاطر والسلبيات التي يؤدي إليها التعامل بها.

ثالثا: نموذج تطبيقي؛ التعامل بالبتكوين.

يمكن أن نجمل نظرة الفقه الإسلامي التعامل بالبتكوين من خلال ما يلي:

1- البتكوين لا تتمتع بصفة الثمنية التي هي الميزة الفاصلة بين ما يعد نقدًا وما لا يعد.

2- البتكوين عملة تتسم بالمجهولية؛ حيث لا يعلم مصدرها ولا المسئول عنها، حتى بين المتعاملين بها لا يمكن الكشف عن صاحب المعاملة. وإنما یتم فقط التأكد من العنوان الإلكتروني الذي يتم من خلاله الدفع لمرة واحدة فقط.

3- البتكوين لا تحظى بالقبول العام كنقد مقبول، ولم يجر بها عرف المتعاملين. وقد لاحظ أحد الباحثين أن غالب استعمال البتكوين إنما يكون في أضيق الصور التي لا يمكن استعمال النقود الورقية فيها[10]. وهذا يؤكد أنها لا تحظى حتى الآن بالقبول العام.

4- تعاملات البتكوين تشوبها الشكوك من كونها عملیات مشبوهة تستخدم في عمليات غسيل الأموال وتجارة المخدرات والأسلحة والأعضاء البشرية؛ ولذلك فإنه لا توجد دولة صرحت بقبولها للبتكوين عملةً رسميةً معترفًا بها.

5- اعتماد البتكوين على الرقمنة والتشفير مما يجعلها غير متاحة للقطاع الأكبر من المتعاملين، ويجعلها معرضة لمشكلات التقنية وما قد تتعرض له من أخطاء تعرِّض عملات البتكوين للضياع[11].

6- صعوبة تقنين البتكوين واخضاعها لرقابة أو قوانين معينة، مما يجعلها مجالًا فسيحًا لكل ما هو غير قانوني، دون وجود مرجعية عند التنازع.

7- احتمال تعرض البتكوين للضياع والفقد؛ حيث تكون محفوظة في محفظة إلكترونية، وبضياع هذه المحفظة لا يمكن إعادة ما بها من عملات البتكوين، وستظل مجمدة في سلسلة البلوكات التي تحتوي على جميع تعاملات البيتكوين. وهذا الاحتمال يظل قائمًا وبقوة، لا سيما مع عمليات الاختراق وهجمات القرصنة التي تتعرض لها الأجهزة المتصلة بشبكة المعلومات الدولية (الإنترنت).

8- تقوم عملية التنقيب عن البتكوين على المقامرة؛ فمن يستطيع الوصول إلى حل العمليات الرياضية قبل بقية المنقبين هو الذي يحصل على رسوم المعاملات التي يقوم المستخدمون بدفعها من أجل تسريع معالجة معاملاتهم. وبذلك برز عنصر الغرر والمخاطرة؛ حيث ترتفع قيمة البتكوین وتنخفض بشكل غير متوقع، وأغلب الذين يتعاملون بها الآن إنما يخاطرون طلبًا لارتفاع کبیر یوفر لهم الكثير من الأرباح، وقد يخسرون خسائر فادحة.

9- فيها تعدي على حق الدولة في الانفراد بإصدار النفود؛ ولذلك لم تعترف بها معظم دول العالم، إلا ما ذكر من ترخيص الاتحاد الأوربي لمؤسسة صرف أوربية لعملة البتكوين سنة 2012، و اعتراف وزارة المالية الألمانية بها، وكذلك بعض الولايات الأمريكية سنه 2013، ثم سويسرا سنة 2016، ونحو هذه الاعترافات المحدودة جدا[12].

لذلك وجب توظيف أحد الأصول الشرعية؛ “سد الذرائع”[13]. وأصل سد الذرائع يقتضي المنع من التعامل بهذه العملة.

خـاتمــة:

بناء على ما سبق يمكننا القول بأن صفة الثمنية ليست متحققة في عملة البتكوين بصورة يمكن معها الاطمئنان إلى التعامل بها أو اعتبارها نقودًا لها خصائص النقود وتؤدي وظائفها. وذلك بالنظر في خصائص النقود، كما أن البتكوين لا تتسم بالقبول العام من جانب جميع الأفراد، ولا تمثل قوة شرائية عامة لجميع السلع والخدمات التي يحتاجها مالكها، ومن ثَمَّ فهي مقياس للقيم وأداة للدفع ولكن ليس بشكل مطلق.

كما يُسبب التعامل بالبتكوين أضرارا بالغة بالعملات الرسمية واقتصاديات الدول وسياساتها المالية، ولما يشوب معاملاتها من التجارة في المحرمات، ولخلوها عن أية تنظيمات أو تقنينات أو ضوابط أو قيود، ويجهلِ مصدرها وعدم وجود أي غطاء ملموس لها، وهو ما يتنافى مع مقاصد الشريعة في الأموال التي تتغيَّی إبعاد الضرر عن المال، ومنع أكله بالباطل والاعتداء عليه، ومنع إضاعته، وتحقيق الأمن له وقطع مادة النزاع فيه، ورواجه وتداوله، وثباته، وإقامة العدل فيه[14]. ويكتنف التعامل بها نوعٌ من الشك في مدي قانونية أنشطتها ومعاملاتها التي لا تخضع سوى لرغبات المتعاملين بها، دون أي نوع من أنواع الرقابة.


[1] – من وظائف النقود بشكل عام، أنها؛ وسيط للتبادل، ومعيار للسلع والخدمات، ومستودع للثروة وأداة لاختزان القيم، وقاعدة للمدفوعات الآجلة وتسوية الديون والالتزامات.

[2] -الثمنية في النقود تعني أنها تكون معيارًا للأشياء تقوَّمُ بها السلع والخدمات، وتصلح أداةً للدفع. يُـنظر: د. محمد عثمان شبیر، المعاملات المالية المعاصرة في الفقه الإسلامي. (دار النفائس بالأردن، الطبعة السادسة، 1427ه-2007م). الصفحة: 161.

[3] – د.عدنان خالد التركماني. السياسة النقدية والمصرفية في الإسلام. (مؤسسة الرسالة، بيروت طبعة: 1409هـ-1988م). الصفحة: 50.

[4] – أبو الوليد الباجي، المنتقی شرح الموطأ. (دار الكتاب الإسلامي بالقاهرة، الطبعة الثانية، بدون تاریخ). ج:4/ص:258.

[5] – د. عباس أحمد محمد الباز، أحكام صرف النقود والعملات في الفقه الإسلامي وتطبيقاته المعاصرة. (دار النفائس بالأردن، الطبعة الأولى 1419هـ-1999م). الصفحة: 144.

[6] – الكاسائي، بدائع الصنائع. (دار الكتب العلمية – بيروت، الطبعة الثانية 1406هـ-1986م). ج:5/ص:234. وابن تيمية، مجموع الفتاوى. (طبعة: مكتبة ابن تيمية -القاهرة، بدون تاريخ). ج:19/ص:251-252.

وينظر أيضا: د. عباس أحمد محمد الباز، أحكام صرف النقود والعملات في الفقه الإسلامي وتطبيقاته المعاصرة. دار النفائس بالأردن، الطبعة الأولى 1419هـ-1999م). الصفحة: 146 وما بعدها.

[7] – المدونة الكبرى في المذهب المالكي. (دار الكتب العلمية – بيروت، الطبعة الأولي 1415هـ-1994م). ج:3 / ص:5 .

[8] – د.علي السالوس، الاقتصاد الإسلامي والقضايا الفقهية المعاصرة. (دار الثقافة بالدوحة، ومؤسسة الريان ببيروت، طبعة: 1418هـ-1998م). ج:1/539.

وقرارات المجمع الفقهي الإسلامي بمكة المكرمة، الدورة الخامسة المنعقدة سنة: 1402ه، القرار السادس حول العملة الورقية. وقرارات وتوصيات مجمع الفقه الإسلامي: قرار رقم:21/9/3، سنة: 1407هـ.

[9] – يُـنظر: الدفع بالنقود الإلكترونية. (الناشر: عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، بدون تاریخ). الصفحة: 105-107.

[10]– د. عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب العقيل. الأحكام الفقهية للعملات الإلكترونية (Bitcoin)، الصفحة: 20.

[11] – الأحكام الفقهية المتعلقة بالعملات الإلكترونية (Bitcoin) الصفحة: 21-22.

[12] – د. عبد الله العقيل. الأحكام الفقهية المتعلقة بالعملات الإلكترونية (Bitcoin) الصفحة: 17.

[13]– سد الذرائع: يقصد به منع الوسائل التي تفضي إلى المحرمات، وإن كانت تلك الوسائل في نفسها مباحة وجائزة. وهو أصل متفق عليه بين الفقهاء، نص عليه المالكية والحنابلة في كتبهم واعتبروه أصلا من أصولهم، أما الحنفية والشافعية فلم يذكروه ضمن أصولهم، لكنهم يقرون بمضمونه، فهو داخل عندهم في القياس والاستحسان، على اختلاف في بعض أقسامه.

يُـنظر: شرح تنقيح الفصول للقرافي الصفحة:448، والفروق للقرافي أيضا ج:2/ص:32،

وابن القيم، إعلام الموقعين. ج:3/ص:110 وما بعدها. وبدائع الصنائع. ج:1/ ص:157 وص: 275، وج:2/ص:264. وتحرير المنقول وتهذیب علم الأصول للمرداوي. الصفحة:328.

ود. يوسف عبد الرحمن الفرت، التطبيقات المعاصرة لسد الذريعة. الصفحة: 79- 84.

[14] – دة. سلمى بنت محمد صالح هوساوي، مقاصد الشريعة في المعاملات المالية. بحث بمجلة البحوث والدراسات الشرعية، العدد 25. الصفحة:271-273.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.