الاحتفاء بالمولد: من الأهازيج إلى صناعة المعنى
بقلم: عز الدين صمبة
الحمد لله الذي أنار الوجود ببعثة خير الأنام، وأكرم البشرية برسالة خاتم المرسلين، وجعل ذكره حياة للقلوب، وشريعته نورا للعقول، فقال سبحانه: ﴿قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين﴾ [المائدة: 15]. وصلى الله على من جعله الله رحمة للعالمين، حيث قال جل وعلا: ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾ [الأنبياء: 107].
إن ذكرى المولد النبوي الشريف ليست مناسبة عابرة تنطوي مع الأيام، بل هي مدرسة متجددة تستوقف الأمة عند معانيها السامية، وتدعوها إلى وقفة تأمل وتزود. ومن هنا فإن الاحتفاء الحق لا يكتمل إلا إذا اتخذ صورة دوائر متكاملة: دائرة علمية تغذي العقول بالمعرفة، ودائرة تربوية تزكي القلوب بالصحبة الصالحة ومكارم الأخلاق، ودائرة عملية اجتماعية تحرك الأيادي نحو خدمة الناس، ثم دائرة وجدانية تضفي عبر الأمداح والأهازيج روحا من البهجة بعد أن يترسخ الجوهر.
الدائرة العلمية
ولأن كل بناء راسخ يبدأ من تأسيس الوعي، فإن أول ما يتقدم في هذه الذكرى هو العلم. فلا حياة للأمة بلا معرفة، ولا معنى للمولد بلا وعي. ومن هنا تتحول المناسبة إلى موسم لقراءة السيرة النبوية قراءة واعية، لا تقف عند حدود السرد التاريخي، بل تسعى إلى ربط الماضي بالحاضر، واستلهام الدروس التي جعلت من الرسالة مشروعا حضاريا متكاملا. قال تعالى: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾ [الأحزاب: 21]. ولتحقيق هذا الهدف النبيل لابد أن تقام الندوات العلمية، وتعقد الحلقات الفكرية، وتنظم المعارض التي تعيد إلى الأذهان كيف أسس النبي صلى الله عليه وسلم مجتمع المدينة على العدل والكرامة، والمحبة والإيمان.
الدائرة التربوية
غير أن العلم وحده لا يكفي ما لم يزكّ القلب ويهذب السلوك. ومن هنا يأتي البعد التربوي الذي يمثل روح المناسبة، إذ قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» أخرجه البيهقي وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه.
فالمولد في جوهره موسم لتربية القلوب على أعمالها الكبرى: من صدق وإخلاص وخشية ومحبة، وتعاهدها بصحبة الصالحين الذين يثبتون القلب على دروب الطاعة. فيكون المولد للأطفال فرصة للقصص التربوية التي تحاكي صدقه وأمانته، وللشباب ميدانا للمسابقات التي تربطهم بالأحاديث وتغرس فيهم مكارم الأخلاق . أما الأسر فتجد في اللقاءات التربوية مجالا لتجديد العهد بتربية الأبناء على الهدي النبوي، وصياغة البيت المسلم على منهجه. وهكذا يغدو المولد مناسبة لا تستهلك في المظاهر، بل تترجم إلى صحبة، وذكر، وتزكية، وعمل قلبي يثمر سلوكا عمليا.
الدائرة العملية والاجتماعية
وإذا زكيت القلوب بالتربية، تجلت ثمارها في العمل الاجتماعي النافع، لأن المحبة الصادقة للنبي صلى الله عليه وسلم لا تختزل في القول وحده، وإنما تتجسد في خدمة الخلق وبذل الخير. قال صلى الله عليه وسلم: «أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس» أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط (6026). ومن هنا يتحول المولد إلى موعد للعطاء: قوافل تضامن مع الفقراء والمحتاجين، وزيارات للمرضى في المستشفيات تحت شعار “على خطى الرحمة”، وحملات بيئية وتوعوية تستلهم وصيته صلى الله عليه وسلم: «إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها» رواه أحمد وغيره بإسناد صحيح. وهكذا يلتقي الذكر القلبي بالفعل العملي، وتتماهى المحبة مع الرحمة في واقع ملموس.
موقع الأمداح والأهازيج وتجديد مواكب الشموع
وبعد أن تكتمل دوائر العلم والتربية والعمل، يظل للبعد الوجداني موقعه الطبيعي، حيث تزين الأمداح والأهازيج المجالس وتنعش القلوب. لكنها إن انفردت صارت صورة بلا مضمون، أما إذا جاءت بعد الجوهر، فإنها تضفي روحا من البهجة. وهنا تبرز الحاجة إلى تجديد مواكب الشموع، بربط مظهرها بالمعنى، فتصاحبها رسائل تربوية وشعارات قيمية، وتواكبها مبادرات اجتماعية وتوعوية. عندها تتحول من طقس شكلي إلى رسالة نورانية تنسجم مع حقيقة المناسبة.
ختاما، فإن المولد النبوي لا يكتمل أثره إلا إذا التقت دوائره في نسيج واحد: فالعقل يتغذى بالعلم، والقلب يتزكى بالتربية وصحبة الصالحين، واليد تتحرك بالعمل النافع، والوجدان يزدان بالأهازيج في موقعها الطبيعي. فإذا اجتمعت هذه الدوائر، صار المولد نهرا متدفقا يغذي العقول بالمعرفة، ويروي القلوب بالإيمان، ويبعث في النفوس طاقة للعمل الصالح. إنه جسر يربط الماضي بالحاضر، ونور يضيء المستقبل برسالة الرحمة المهداة. وبهذا يغدو المولد مدرسة متكاملة لا تختزل في القصائد والمدائح، بل تعاش في الفكر والسلوك والعمل، فيبقى حيا نابضا في حياة الأمة جيلا بعد جيل.
#محمد_قدوتنا_فلسطين_قضيتنا