منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الاحتفال بالمولد ودعوى عدم الورود

بلال فيصل البحر

0

الاحتفال بالمولد ودعوى عدم الورود

بلال فيصل البحر (*)

فإن قيل: إنه لم يرد عن السلف الأول فعله.

قيل: عدم وروده عنهم لا يقتضي العدم مطلقاً، لأن عمل المولد بابُه الوسائل، وقد تقرر أن الوسائل تتبع حكم المقاصد، فإن كان المقصد حسناً كانت الوسيلة مستحسنة وإلا فلا، ومن هنا نص شيخ الإسلام ابن تيمية على أن من عمل المولد فإنه يؤجر لحسن قصده وتعظيمه للجناب النبوي.

وأيضا فدعوى عدم الورود يـهدمها الأصل الثالث الذي استخرجه بعض الفضلاء، وهو ما رواه مسلم عن أبي سعيد الخدري قال: خرج معاوية على حلقة في المسجد، فقال: ما أجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله، قال آلله ما أجلسكم إلا ذاك؟ قالوا: والله ما أجلسنا إلا ذاك، قال: أما إني لم أستحلفكم تـهمة لكم، وما كان أحد بمنزلتي من رسول الله صلى اللهُ عليه وسلم أقل عنه حديثا مني، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج على حلقة من أصحابه، فقال: (ما أجلسكم)؟ قالوا: جلسنا نذكر الله ونحمده على ما هدانا للإسلام، ومَنَّ به علينا، قال: (آلله ما أجلسكم إلا ذاك)؟ قالوا: والله ما أجلسنا إلا ذاك، قال: (أما إني لم أستحلفكم تـهمة لكم، ولكنه أتاني جبريل فأخبرني أن الله عز وجل يُباهي بكم الملائكة).

فقولهم (جلسنا نذكر الله ونحمده على ما هدانا للإسلام ومَنَّ علينا به) وفي رواية أحمد والنسائي والطبراني والبيهقي في (الشعب): (ومن علينا بك) وهو صريح في جواز الاجتماع للذكر شكراً على من الله به علينا من ابتعاث النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهو الاحتفال بالمولد، وحتى على رواية مسلم (ومن علينا به) أي: الإسلام، يدل على الجواز بطريق الإشارة، لأن المن بالإسلام حصل به عليه الصلاة والسلام.

فإن قيل: قد حكى أبو العباس بن تيمية أن الوسيلة إن كان المقتضى لفعلها قائماً على عهده صلى الله عليه وآله وسلم ولم يفعلها فلا يحسن فعلُها.

قيل: هذا أحد القولين لأهل الأصول، والقول الآخر حكاه العز والقرافي، أنـها إن اشتملت على مصلحة محققة، حسُن فعلها وإلا فلا، وهو أصح، ولا نزاع في تحقق المصلحة من اجتماع الناس والعامة على العلم والذكر وغيرهما من القربات، ولاسيما في هذه الأيام.

وسواء كان الـمقتضى للأخذ بـها قائماً على عهده صلى الله عليه وآله وسلم أم لا، واشتراط قيام الـمقتضى لا معنى له، ويبطل بقضية جمع القرآن وغيرها، فإن الـمقتضى لجمعه كان قائماً في العهد النبوي بدليل قتل القراء السبعين في بئر معونة، عدا من قُتل منهم في وقائعه عليه الصلاة والسلام، ومع هذا لم يجمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم القرآن، فقام بجمعه الصحابة بعده دون مراعاة قيام الـمقتضى من عدمه، ولهذا لم يسأل عمر أبا بكر عن قيام الـمقتضى بل سأله كيف تفعل شيئاً لم يفعله النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فأعلمه أبو بكر بأنه خير، فدل على أن كل ما فيه خير ساغ اتخاذه وفعله سواء قام الـمقتضى له في العهد النبوي أم لا.

ومن احتج بعدم الورود وبنحو حديث (كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد) يقال له: هذا صحيح في الاجتماع الذي تحقق أن من ورائه مفسدة، لكنه لا يطرد فيما ذكرناه، وغاية عدم الورود أن يكون كلية سالبة، لا يمتنع تخلّف بعض جزئياتـها بدليل كما تقدم ذكره، وبه يتبيّن أن عدم الورود لا يستلزم العدم مطلقاً.

والحديث عام خُصَّ بالدليلين اللذين ذكرهما الحافظ والجلال، وتخصيص العموم غير مُستَنكر إذا سوّغه الدليل، بل ما من عام إلا وقد خُصَّ، ولو قُدّر عدم ورود ما مرّ من الأدلة، لكان يكون تخصيص هذا العموم بالمصلحة المتحققة الحاصلة بالاجتماع على الذكر والعلم، قويٌّ مُتَّجه، وفي تخصيص العموم بالمصلحة قولان للعلماء هما روايتان عن أحمد.

على أن مذهب الجمهور في قوله عليه الصلاة والسلام: (ما ليس منه) أي: ما يُنافيه ولا يشهدُ له شيءٌ من قواعده وأدلته العامة، ومن هنا قال الشافعيُّ رضي الله عنه: (ما أُحْدِثَ وخالفَ كتاباً أو سنةً أو إجماعاً أو أثراً فهو البدعةُ الضلالةُ، وما أُحْدِثَ من الخير ولم يُخالف شيئاً من ذلك فهو البدعةُ المحمودة) أخرجه البيهقي في (مناقبه) ولم يخالفه فيه أحد من المتقدمين، ولذا حكى ابن حجر الهيثمي الاتفاق عليه وقال ابن رجب في (الجامع): (والمرادُ بالبدعة ما أحدث مما لا أصل له في الشريعة يدل عليه، أما ما كان له أصل من الشرع يدل عليه، فليس ببدعة شرعاً، وإن كان بدعة لغة).

وقال الحافظ ابن حجر في (الفتح): (والمراد به ما أحدث وليس له أصل في الشرع، وما كان له أصل يدل عليه الشرع فليس ببدعة) ويشهد له رواية أبي عوانة في (مستخرجه): (من أحدث في أمرنا ما لا يجوز فهو ردّ) وهو ظاهر في أن ما شهدت أصول الشارع العامة لجوازه فليس من البدعة المذمومة بل هو حسن، فظهر ضعف قول من أنكر البدع المستحسنة كما قاله الشاطبي وغيره.

ومن حُسن سياسة الأيوبيين أنـهم لم يمنعوا الناس من عمل المولد الذي كان قد عمله الفاطميون، بل نقلوه من مظاهره المخالفة لقانون الشرع، إلى ما استحسنه العلماء في وقتهم من قراءَة السيرة والاجتماع على الذكر والخير والعلم والنشيد وإطعام الطعام وغير ذلك من أعمال البر والخير.

(*) مقتطف من كتاب المختصر اللطيف في حكم عمل المولد الشريف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.