الحلقة السابعة: الشقراطسية؛ شعراء مبدعون في المديح النبوي
هشام كمال
الحلقة السابعة: الشقراطسية؛ شعراء مبدعون في المديح النبوي
بقلم: هشام كمال
ذكر أبو العباس أحمد بن عمار مفتي المالكية بالجزائر في عصره (المتوفى حوالي سنة 1205 هـ) في رحلته المعروفة باسم “نحلة اللبيب بأخبار الرحلة للحبيب” ص 116 ما نصه: “…..ومن أحسن ما قيل في ذلك اليوم العظيم – أي المولد النبوي- ويدخر ثوابه عند نبي الله الكريم، أبيات الشقراطيسي في مدح خير البرية صلى الله عليه وسلم وشرف وكرم.
ضاءت بمولده الآفاق واتصلت … بشرى الهواتف في الإشراق والطفل
وصرح كسرى تداعى من قواعده… وانقض منكسر الأرجاء ذا ميل
ونار فارس لم توقد وما خمدت…مذ ألف عام ونهر القوم لم يسل
خرت لبعثته الأوثان وانبعثت …ثواقب الشهب ترمي الجن بالشعل
……وأبيات الشقراطيسي التي أنشدها هذا المحب رحمه الله تعالى هي من قصيدة طويلة للشيخ الفقيه العالم الصالح أبي محمد الشَّقِراطيسي وهي من القصائد العظام البديعة النظام الرائقة المعاني الوثيقة المباني وهي من الطراز الأول وعليها في هذا الباب المعول وقد رأيت أن أثبتها هنا برمتها لانقياد البلاغة في أزمتها ولكونها فتحت للافتنان أبوابا وأحكمت من نسيج البديع أثوابا وطار صيتها في الآفاق وانعقد على بركتها الاجماع والاتفاق”. انتهى
وقال العبدري (المتوفى حوالي سنة 720 هـ ) في رحلته ص 133: قد أبدع هذا النّاظم رحمه الله فيما نظم، وشرّف هذه القصيدة بقصده الجميل وعظّم، فراقت معنى ومنظرا، وشاقت حسّا ومخبرا، فهي كما وصفها أبو عبد الله المصريّ حين قال: يئست من معارضتها الأطماع، وانعقد على تفضيلها الإجماع، فطبقت أرجاء الأرض، وأشرقت منها في الطّول والعرض. على أنّه رحمه الله قد أكثر فيها لأجل الصّناعة التّصنّع، وتكلّف منها ما هو بعيد المرام شديد التمنّع.
واعترض في كلّ معنى عرض، وربّما أغرق النّزع فخالف الغرض…
ولكنّ قصيدته بالجملة قد حلّت من البلاغة في حصن ممنع، وجلت وجها زهاه الحسن أن يتقنّع …. وقد أولع النّاس بها كلّ الولوع، واستحسنوا من محاسنها كلّ مفرّق ومجموع، وعنوا بها شرحا وتخميسا، وغنوا بها معهدا أنيسا …
والفقيه الكبير أبو عبد الله الرصّاع المتوفى سنة 894 هجري قال ذلك في كتابه تذكرة المحبين في شرح أسماء سيد المرسلين، وقد قال عن الشقراطيسي: ” هو الشيخ الفقيه العالم الصالح البليغ المفلق أبو محمد عبد الله بن الشيخ الفقيه أبي زكريا يحيى بن علي الشقراطيسي التوزري- وشقراطس قصر قديم من قصور قفصة – . توفي رحمه الله تعالى يوم الثلاثاء لثمان خلون من ربيع الأول سنة ست وستين وأربعمائة (466 هـ الموافق 11 نوفمبر 1073 م). وقصيدته هذه رحمه الله تعالى، من أجل القصائد التي مدح بها النبي صلّى الله عليه وسلم، وحيك في جنابه العالي بُردها المُعْلَم، وقد لهَجَ النّاس بذكرها حديثا وقديما واتخذوا من براعة نظمها ساقيا و نديما واعتنوا بها اعتناءا تاما وتصرّفوا فيها تصرُّفا عاما؛ فمن بين مُخَمس لها وشارح ….”.انتهى
قال ذ.عبد الله كنون (مجلة المناهل عدد 18 سنة 1980 ص 13): الشقراطسية قصيدة لامية من بحر البسيط في مدح الرسول صلى الله عليه وسلم، واستعراض وقائع السيرة النبوية وحياة الدعوة الإسلامية منذ انبلاج فجرها إلى أن عمت أقطار المعمورة، وذلك بأسلوب شعري جميل يتراوح بين التقرير والتخييل، والتصوير والتسجيل مما يتجاوز
الصورة الثانية:
حد الوصف، وأبياتها في فتح مكة أكثر من رائعة وهي تقع في 133 بيت، وشهرت بالنسبة إلى ناظمها أبي محمد عبد الله بن يحيى بن علي التوزري المعروف بالشقراطسي، نسبة إلى قلعة قديمة كانت بالقرب من قفصة في تونس تسمى شقراطس، على أنه عاش في مدينة توزر، وكان من فقائها ونبغ في الأدب والشعر، وله كتاب «الإعلام في معجزات خير الأنام» وغيره من الأوضاع وأخذ عنه جماعة من أهل العلم كأبي الفضل ابن النحوي، وحج وزار وأنشد قصيدته هذه بالمدينة المنورة تجاه الروضة الشريفة، وكانت وفاته في ربيع الأول سنة 466 هـ .
وتمتاز الشقراطسية بأنها من الملاحم المطولة التي فتحت باب نظم السيرة واقتحمت معركة الشعر التاريخي بنجاح، فنالت بذلك شهرة كبيرة، وتلقاها الناس بالقبول، ولم يقلل من انتشارها إلا ظهور قصيدتي البردة والهمزية للإمام البوصيري الذي تقفى خطوات الشقراطسي ونسج على منواله، ولكن تاريخ الأدب نسيه أو تجاهله…اهـ
ولنذكر هنا بعض أبيات الشقراطسية:
وفي دعائك بالأشجار حين أتت … تمشي بأمرك في أغصانها الذّلل
وقلت عودي فعادت في منابتها … تلك العروق بإذن الله لم تمل
والسّرح بالشّام لمّا جئتها سجدت … شمّ الذّوائب من أفنانها الخضل
والجذع حنّ لأن فارقته أسفا … حنين ثكلى شجتها لوعة الثّكل
ما صبر من صار من عين على أثر … وحال من حال عن حال إلى عطل
حيّى فمات سكونا ثمّ مات لدن … حيّى حنينا فأضحى غاية المثل
والشّاة لمّا مسحت الكفّ منك على … جهد الهزال بأوصال لها قحل
سحّت بدرّة شكرى الضّرع حافلة … فروّت الرّكب بعد النّهل بالعلل
وآية الغار إذ وقّيت في حجب … من كلّ رجس لرجس الكفر منتحل
وقال صاحبك الصّدّيق: كيف بنا … ونحن منهم بمرأى النّاظر العجل
فقلت: لا تحزن إنّ الله ثالثنا … وكنت في حجب ستر منه منسدل…..
وقد حظيت الشقراطسية بعناية العلماء والأدباء فمنهم من شرحها ومنهم من خمسها ولنذكر بعض ذلك على سبيل التمثيل لا الحصر:
تطريز الشقراطسيةأبو زيد عبد الرحمن بن محمد الفازازي627 هـ
فتح الإله ومنّه في شرح قصيدة السيرة والسُنّةأبو عبد الله محمد بن أحمد بن مرزوق التلمساني (ابن مرزوق الجد)781 هـ
الأنوار الجلية في شرح القصيدة الشقراطسية أبو عبد الله محمد بن أحمد العبدري الكانوني (المعروف بابن الصباغ)845 هـ
بغية الكرماء في شرح لامية الشقراطسيأبو عبد الله محمد بن أحمد بن محمد بن غازي المكناسي919 هـ
شرح الشقراطسية أبو العباس أحمد بن يحيى الونشريسي914 هـ
تحفة الأريب ونزهة اللبيب في شرح الشقراطسية أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن بن جلال التلمساني981
المقصد الأحمد في شرح مدح النبي محمدأبو العباس أحمد بن علي بن حزمون السلاوي1140 هـ
الفتح القريب في شرح شقراطسية الحبيبأبو العباس أحمد بن مبارك السجلماسي اللمطي1156 هـ
شرح الشقراطسية أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عبد السلام البناني1194 هـ
وهذه بعض تخميساتها:
*تخميس الشقراطسيةأبو زيد عبد الرحمن بن يغمر التلمساني682 هـ
*تخميس القصيدة الشقراطسيةأبو الحسن علي بن محمد بن يعقوب الجذامي (ابن الجَيَّاب)749 هـ
*الأنوار البدريّة في تخميس الشقراطسيةأبو البقاء محمد بن أحمد بن عبد النور التونسي780 هـ
*تخميس القصيدة الشقراطسيةأبو الفضل محمد بن إبراهيم بن أحمد الفشتالي797 هـ
*تخميس الشقراطسيةأبو عبد الله محمد بن يحيى بن أحمد بن مجبر السبتي817 هـ
*تخميس الشقراطسيةأبو عبد الله محمد بن أحمد بن غازي المكناسي919 هـ
*الكواكب الدرية في تخميس الشقراطسيةأبو عبد الله محمد بن علي بن إبراهيم الهواري (ابن الماجري)973 هـ
*الفيوضات الإلهية في تخميس القصيدة الشقراطسيةأبو العباس أحمد بن قاسم الجسامي1043 هـ
*تخميس الشقراطسيةأبو عبد الله محمد بن أحمد بن محمد بن أبي العافية الفاسي1146 هـ
*مطالع الأنوار في مدح المختار (تخميس الشقراطسية)أبو محمد عبد القادر بن أحمد البناني 1240 هـ
*ولمن أراد الشقراطسية مسموعة:https://www.facebook.com/watch/?v=1523206588398670
الحلقة السادسة: البرعي شاعر التوسلات؛ شعراء مبدعون في المديح النبوي