منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

“فقه الطوفان بين البشارة والنذارة: استبصار السنن في زمن التحولات”(23) تابع

عبد الغني منتصر

0

“فقه الطوفان بين البشارة والنذارة: استبصار السنن في زمن التحولات”(23) تابع

بقلم: عبد الغني منتصر

 

الفصل الخامس

تصدير الفصل الخامس: فجر الاستخلاف ونداء أجيال الشهود

“ليس التاريخُ مجردَ توالٍ للأيام، بل هو مسرحٌ كونيٌّ لتجلّي الوعود الإلهية وصراعِ الإرادات. وعندما ظنَّ المستكبرون أنهم أطبقوا قبضتهم المادية على مصير البشرية، وحاصروا الروح في أقبية ‘نهاية التاريخ’ المظلمة، انبعثت من تحت أنقاض غزة صرخةٌ وجودية زلزلت أركان المنظومة الدولية؛ لتعلن للعالمين أنَّ ‘وعد الآخرة’ ليس نبوءةً غيبية مؤجلة، بل هو واقعٌ حيٌّ يُصاغ الآن بمداد الدم الزكيّ وعرق المرابطين في الخنادق.

إننا في هذا الفصل، نعلن الانعتاق التام من زمن ‘الانتظار السلبي’ والارتهان لخرائط الآخرين، لندخل عصر ‘الاستخلاف الفاعل’؛ العصر الذي تتحول فيه العقيدة من نصٍّ مسطور إلى جغرافيا محررة، وينقلب فيه المنهاج من فكرةٍ مجردة إلى أمةٍ شاهدة، وتغدو فيه الشهادةُ ليس نهايةً للحياة، بل ميلاداً متجدداً لسيادة الوحي.

إنه نداء الأجيال التي أدركت أنَّ الاستخلاف أمانةٌ تستوجب ‘الاشتباك’ لا الاعتزال، وأنَّ فجر الأمة لا يبزغ إلا من ثغور الذين كفروا بالطاغوت الجيوسياسي وآمنوا بربوبية الله لجهة الأرض والسماء. هنا، في هذا الفصل، نرسم ملامح العبور الكبير؛ من ضيق القطرية المكبَّلة إلى سعة الأمة المستخلفة، ومن انكسار الهزيمة إلى شموخ ‘جيل الشهود’ الذي استعاد بوصلة التاريخ ليوجهها نحو القدس.. ونحو مرضاة الله.”

المبحث الاول:

1- سقوط نبوءة “فوكوياما”: غزة تُعيد تشغيل محرك التاريخ

لقد راهن (فرانسيس فوكوياما) ومن خلفه مراكز الفكر الإمبريالي على أنَّ العالم قد دخل مرحلة “الاستقرار النهائي” تحت سيادة الليبرالية الرأسمالية، زاعماً أنَّ التطور الأيديولوجي للبشرية قد بلغ منتهاه، ولم يعد بإمكان أمة أن تخرج عن “بيت الطاعة الغربي”. إلا أنَّ غزة، بمنهاجها وطوفانها، لم تكن مجرد “حدثٍ عسكري”، بل كانت “انفجاراً أيديولوجياً” حطم جدران السجن الفلسفي الغربي. لقد أثبتت غزة أنَّ التاريخ لا يموت، بل يُبعث من جديد حين تتوفر “الإرادة المنهاجية” التي تكفر بالمادة وتؤمن بالوحي.

إنَّ سقوط نبوءة فوكوياما تجلّى في قدرة بقعة محاصرة تقنياً ومادياً على هزيمة “الذروة التكنولوجية” للغرب، مما أعلن رسمياً أنَّ الليبرالية ليست قدراً، بل هي “عَرَضٌ تاريخي” زائل أمام حتمية النهوض الإسلامي، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذينَ كَفَروا يُنفِقونَ أَموالَهُم لِيَصُدّوا عَن سَبيلِ اللَّهِ ۚ فَسَيُنفِقونها ثُمَّ تَكونُ عَلَيهِم حَسرَةً ثُمَّ يُغلَبونَ﴾. إنَّ هذا السقوط يكشف أنَّ غزة قد نقلت التاريخ من “المسار المادي الخطي” الذي رسمه الغرب، إلى “المسار الدائري الرباني” الذي تعود فيه الأمور إلى أصولها. لقد حاول الغرب “تدجين” الشعوب عبر الاستهلاك والمديونية والتبعية الثقافية، ليضمن أنَّ “الإنسان الأخير” سيكون مطيعاً للنظام العالمي. فجاء “إنسان غزة” ليصفع هذا التصور؛ مقدماً نموذجاً لإنسانٍ لا يجد قوته في “السوق” بل في “المحراب”، ولا يطلب أمنه من “القانون الدولي” بل من “اليقين الإلهي”.

هذا التمرد الوجودي هو الذي أعاد تشغيل “محرك التاريخ”؛ لأنَّ التاريخ لا يتحرك بالآلات، بل بـ “التناقضات القيمية الكبرى”. وغزة اليوم تمثل “النقيض الحضاري” الكامل للغرب، وبداية الانطلاق نحو أفقٍ إسلامي لا يكتفي بالبقاء، بل يسعى للقيادة والسيادة الكونية. إنَّ سقوط الفوكويامية في غزة هو إعلانٌ بميلاد “عصر ما بعد الغرب”؛ حيث لم تعد “الديمقراطية الليبرالية” هي المعيار الوحيد للتحضر، بل أصبح “الصمود الملحمي” والتمسك بـ “السيادة الإلهية” هو المعيار الجديد للكرامة البشرية. لقد أثبتت غزة أنَّ النموذج الغربي قد وصل إلى “طريق مسدود”؛ فهو عاجز عن حماية الضعفاء، وعاجز عن لجم التوحش الصهيوني، وعاجز عن تقديم معنىً للحياة وراء المادة.

في حين يقدم “المنهاج” اليوم للعالم أفقاً جديداً يجمع بين قوة الميدان ورحمة الإيمان؛ أفقاً يبدأ من تحرير فلسطين ليصل إلى تحرير الإنسانية من عبادة المادة إلى عبادة رب العباد. إنَّ التاريخ الذي أرادوا إغلاقه قد فُتح على مصراعيه بـ “مفتاح الطوفان”، ليصبح المستقبل ساحةً لسيادة المنهاج القوي. وبناءً على ذلك، فإنَّ نبوءة فوكوياما قد دُفنت في رمال غزة، وما نشهده اليوم هو “البعث التاريخي للأمة”. إنَّ الانطلاق نحو الأفق الإسلامي العالمي لم يعد حبراً على ورق، بل أصبح حقيقةً جيوسياسية تُفرض بالدم والصبر. لقد استعادت الأمة “ثقتها التاريخية”، وأدركت أنَّ التفوق المادي للعدو هو “وهمٌ بصري” يتبخر عند “المسافة صفر”.

إنَّ “وعد الآخرة” قد حلَّ محل “نهاية التاريخ”، وبدأت البشرية تلتفت نحو هذا النور المنبعث من ركام غزة، باحثةً عن بديلٍ يحفظ لها إنسانيتها وسيادتها. إننا أمام “انعطافةٍ كونية” ستؤدي حتماً إلى سقوط المركزية الغربية وبروز المركزية الإسلامية، لتكون كلمة الله هي العليا، ويكون الدين كله لله، كما وعد سبحانه: ﴿وَيُريدُ اللَّهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَيَقطَعَ دابِرَ الكافِرينَ﴾.

2- انهيار “المركزية الغربية” أخلاقياً: سقوط الأقنعة في اختبار غزة

لقد سوّق الغرب لنفسه لقرونٍ مضت على أنه “القبلة الأخلاقية” للعالم، والوصيُّ الوحيد على قيم الحرية وحقوق الإنسان، متبنياً “مركزية حضارية” ترى في غير الغربي “إنساناً من الدرجة الثانية” يحتاج دائماً لوصاية الأسياد. إلا أنَّ زلزال “طوفان الأقصى” أحدث شرخاً عميقاً في هذا الجدار القيمي الزائف؛ ففي اللحظة التي اختُبرت فيها تلك المبادئ أمام دماء أطفال غزة، سقط القناعُ عن الوجه القبيح لليبرالية المتوحشة.

إنَّ انحياز العواصم الغربية السافر للإبادة الجماعية، وصمتها المطبق أمام تمزيق أجساد الأبرياء، أثبت أنَّ “حقوق الإنسان” ليست إلا أداةً إمبريالية تُشهر فقط حين تخدم مصالح المستعمر، وتُقبر حين يتعلق الأمر بسيادة أمة الإسلام، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾. وإذا ما دققنا النظر في حطام هذه السردية، سنكتشف أنَّ غزة قد حققت “التحرر الأخلاقي العالمي”؛ حيث لم يعد الإنسان المعاصر يرى في باريس أو واشنطن منارةً للرشاد، بل صار يرى فيهما شريكاً أصيلاً في القتل. لقد كشفت غزة أنَّ الغرب الذي يتشدق بـ “القانون الدولي” هو أول من يدوسه حين يهدد أمن ربيبته (الصهيونية).

هذا الانكشاف لم يكن مجرد “سقطة سياسية”، بل هو “إفلاسٌ حضاري كامل”؛ فالمنظومة التي تعجز عن حماية مستشفى أو مدرسة من القصف الممنهج، وتبرر تجويع شعبٍ بأسره، هي منظومة فقدت حقها في قيادة البشرية. إنَّ “المركزية الغربية” اليوم تعيش عزلةً أخلاقية لم يسبق لها مثيل، بينما تتجه أنظار الباحثين عن “الحقيقة والعدل” نحو غزة، ليتعلموا معنى الكرامة الحقيقية التي لا تُباع في أسواق النخاسة الدولية. وفي مقابل هذا الانحدار، يبرز “السمو الأخلاقي للمنهاج”؛ فبينما يقتل العدو ليدمر، يقاتل المرابط ليحرر ويحمي. لقد قدمت غزة للعالم “ميثاقاً أخلاقياً” جديداً مكتوباً بالصبر واليقين، حيث لا تسقط القيم حتى في أحلك ساعات الحصار.

إنَّ هذا التباين الصارخ بين “وحشية التقدم المادي” و”طهارة الموقف الإيماني” هو الذي أعاد ترتيب أولويات البشرية؛ فأصبحت غزة هي “المركز” الذي تدور حوله ضمائر الأحرار، وصار الغرب “هامشاً” أخلاقياً يغرق في تناقضاته. إنَّ سقوط الأقنعة الغربية ليس حدثاً عابراً، بل هو التمهيد الضروري لـ “خلافة المنهاج”؛ الأمة التي لا تفرق بين دمٍ ودم، وتقيم العدل في الأرض كما أمرها ربها، تصديقاً للقول الحق: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ﴾. وبناءً على ذلك، فإنَّ العالم اليوم يمر بمرحلة “المخاض الأخلاقي الكبير”.

إنَّ سقوط المركزية الغربية يعني انتهاء زمن التبعية الروحية والفكرية للمستعمر. لقد حررت غزة العقل الإنساني من سحر “الحداثة الكاذبة”، ووضعت الجميع أمام حتمية البحث عن نظامٍ عالمي جديد يقوم على “الفطرة” و”الوحي” بدلاً من “المصلحة” و”الهيمنة”. إنَّ “أمة المنهاج” هي المؤهلة لملء هذا الفراغ الأخلاقي، لأنها تملك دستوراً لا يتبدل بتبدل المصالح، ويقيناً لا يزعزعه بطش الظالمين. إنَّ بزوغ فجر الاستخلاف يبدأ من لحظة “الكفر بالأنداد” الغربية، والإيمان بمركزية القدس كعاصمةٍ للعدالة الإلهية القادمة، كما وعد سبحانه: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ۚ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾.

3- مفهوم “الزمن القرآني” مقابل “الزمن المادي”: انبعاث الوعي التاريخي

لقد نجحت المنظومة المادية الغربية طويلاً في حصر الأمة داخل “زمنٍ خطيٍّ مهزوم”، يبدأ من لحظات الانكسار، ويُقاس بمدى التبعية لمواعيد “النظام العالمي” ومخططاته. إلا أنَّ طوفان الأقصى جاء ليُعلن قفزةً نوعية نحو “الزمن القرآني”؛ وهو الزمن الذي لا يُقاس بالسنوات، بل بـ “المواقف والفتوحات”. إنَّ ما أنجزته غزة في لحظاتٍ زمنية قصيرة، أعاد ربط وعي الطفل والشيخ بتاريخ الأمة المجيد، فصارت “بدر” و”الخندق” و”حطين” ليست مجرد ذكريات غابرة، بل هي “واقعٌ حي” يُعاش فوق الأرض وتحتها. لقد تحطم “الزمن المادي” الذي كان يخبرنا أنَّ العدو لا يُقهر، ليحل محله زمنُ “وعد الآخرة” الذي يرى النصر يقيناً قادماً لا محالة، تصديقاً لقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا * وَنَرَاهُ قَرِيبًا﴾.

وبالنظر في أعماق هذا التحول، نجد أنَّ غزة قد استحدثت “توقيتاً إيمانياً” خاصاً بها وبمن سار على نهجها؛ توقيتاً لا يعترف بـ “تأخر النصر” بمعايير الدنيا، بل يراه “استكمالاً للإعداد” بمعايير الوحي. إنَّ “الزمن المادي” الغربي يقوم على الاستهلاك والعجلة والخوف من الموت، بينما “الزمن القرآني” يقوم على الصبر والارتقاء واليقين بالخلود. هذا الربط الوجداني جعل المسلم في أقصى الأرض يشعر أنَّ دقيقةً واحدة من “الرباط” في غزة تزن قروناً من الركود؛ مما أحيا في الأمة “الذاكرة السيادية” التي حاولت الصهيونية طمسها. لقد عادت الأمة لرى نفسها “أمةً شاهدة” على الزمان، لا مجرد مفعولٍ بها في دهاليز التاريخ الاستعماري.

وعلى ضوء هذه المكاشفة، يتضح أنَّ الطوفان قد كسر “عقدة الانتظار السلبي”؛ فلم تعد الأمة تنتظر “صلاحاً” جديداً يظهر من المجهول، بل أدركت أنَّ “الزمن القرآني” يُصنع بالاشتباك. إنَّ هذا الوعي التاريخي المتجدد هو الذي جعل من “المسافة صفر” لحظةً خارجة عن حدود الفيزياء والمادة، لتصبح لحظةً من “زمن المعجزات” التي يُثبّت فيها الله الأقدام. إنَّ الهزيمة النفسية كانت مرتبطةً بالعيش في “زمن العدو”، أما النصر اليوم فيبدأ من العيش في “زمن الاستخلاف”؛ حيث كل يومٍ يمر هو خطوةٌ مدروسة نحو القدس، وحيث التاريخ يُكتب بمداد اليقين أنَّ العاقبة للمتقين، كما وعد سبحانه: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾.

وبناءً على ذلك، فإنَّ استعادة “الوعي التاريخي” هي الضمانة الكبرى لاستمرار المنهاج؛ فالأمة التي تعيش في “الزمن القرآني” لا يمكن كسر إرادتها بحصارٍ أو جوع، لأنها تدرك أنَّ هذه الابتلاءات هي “محطات تمكين” وليست “نهايات طريق”. إنَّ غزة اليوم هي التي تضبط ساعة العالم الأخلاقية والسياسية، معلنةً أنَّ زمن التيه قد ولى، وأنَّ زمن الفتح قد أشرق. إننا أمام انبعاثٍ حضاريٍّ لا يرى في الحاضر إلا جسراً للمستقبل الموعود، حيث تلتقي الأجيال عند سدرة المنتهى من العزة والتمكين، ليكون هذا الجيل هو الشاهد والمبشر بعصرٍ جديد يسوده الحق والتوحيد، كما قال عز وجل: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ﴾.

4- تجلّيات “وعد الآخرة” في الميدان: إرهاصات النصر النهائي

لم يعد حديثُنا عن “وعد الآخرة” اليوم حديثاً وعظياً يُتلى في المنابر فحسب، بل صار “واقعاً استخباراتياً” وميدانياً يُقلق مضاجع دوائر القرار العالمي؛ فقد كسر “طوفان الأقصى” صمت التاريخ ليُعلن أنَّ إرهاصات النصر النهائي قد بدأت تتجسد في تفاصيل الميدان. إنَّ هذه التجليات لا تظهر فقط في صمود الحجر، بل في “تآكل الهيبة الإسرائيلية” التي كانت العمود الفقري للمشروع الاستعماري في المنطقة. لقد رأينا بأعيننا كيف أنَّ الفئة القليلة المؤمنة قد استطاعت أن “تسوء وجوه” المنظومة الأمنية والعسكرية التي ظنت أنها لا تُقهر، وهذا هو الجوهر المادي لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعدُ الآخِرَةِ لِيَسُوءوا وُجوهَكُم وَلِيَدخُلُوا المَسجِدَ كَما دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾.

وباستقراء هذه الإشارات الكونية، نجد أنَّ الميدان قد كشف عن “انفصال القدرة عن المادة”؛ حيث نرى طائرةً بمليارات الدولارات تنهزم أمام إرادة مقاتلٍ “حافٍ” يخرج من نفقٍ لا يملك إلا إيمانه وسلاحه البسيط. هذا “الخرق للنواميس” المادية هو أكبر تجلٍّ لوعد الله بالتمكين، وهو إشارةٌ واضحة إلى أنَّ الأمة قد دخلت مرحلة “المدد الإلهي” الذي لا يخضع لحسابات المختبرات العسكرية. إنَّ تحول غزة إلى “ثقبٍ أسود” يبتلع هيبة “الرجل الغربي” ومن خلفه، يؤكد أننا أمام “تحولٍ كوني” لا رجعة فيه؛ حيث بدأت موازين القوى تميل نحو “أهل الحق” الذين أعدوا ما استطاعوا، فكفاهم الله ما لا يستطيعون.

ومن زاويةٍ أخرى، تبرز تجليات هذا الوعد في “الاصطفاف العالمي غير المسبوق”؛ حيث تحولت فلسطين من “قضية جغرافية” إلى “قضية وجودية” تهتز لها عواصم الأرض. إنَّ خروج الشعوب في مشارق الأرض ومغاربها، وهتافها باسم المقاومة، هو إيذانٌ بانتهاء زمن “التيه والشتات” الفكري، وبدء زمن “الاجتماع حول الحق”. هذا القبول والتمكين النفسي الذي قذفه الله في قلوب الملايين هو جزءٌ أصيل من “وعد الآخرة”؛ إذ لا يتحقق النصرُ على الأرض إلا إذا سُبقت به القلوبُ وعمرت به الصدور. إنَّ غزة اليوم هي “المؤشر” الذي يخبرنا أنَّ فجر الاستخلاف قد لاح ضياؤه، وأنَّ الانهيار الداخلي للكيان هو مسألة وقتٍ وسياق، لا مسألة “إمكان وعدم”.

وبناءً على هذه الحقائق الميدانية، فإنَّنا نؤصل لليقين بأنَّ المعركة الحالية هي “بداية النهاية” للمشروع الصهيوني. إنَّ “وعد الآخرة” الذي نراه اليوم يتجلى في وحدة الساحات، وفي رعب المحتل من أنفاق غزة، وفي يقين الأم الثكلى، هو البرهان الساطع على أنَّ الأمة قد استعادت “زمام المبادرة التاريخية”. إنَّ التاريخ لم يعد يُكتب في “البيت الأبيض”، بل يُكتب في “بيت المقدس” وأكنافه. وما هذه الملاحم إلا “زفرات الاحتضار” للنظام العالمي القديم، وإرهاصات الميلاد للنظام الرباني القادم، الذي سيُتوج بدخول المسجد الأقصى فاتحين مكبرين، تصديقاً للوعد الصادق: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هُوَ ۖ قُلْ عَسَىٰ أَن يَكُونَ قَرِيبًا﴾.

5- المنهاج كبديلٍ حضاري: نسخة إنسانية جديدة في مواجهة عالم الاستهلاك

بينما يغرق العالم المعاصر في أوحال “المادية الصرفة” التي حولت الإنسان إلى مجرد رقمٍ في دورة الاستهلاك، والعبد لميوله وغرائزه، تقدم غزة عبر “منهاجها” الفريد “نموذجاً إنسانياً متعالياً”؛ إنساناً يتصالح مع روحه ويستمد قوته من اتصاله بالخالق لا من امتلاكه للأشياء. إنَّ غزة اليوم لا تصدر السلاح فحسب، بل تصدر للعالم “المعنى”؛ ففي زمن العدمية والضياع، تبرز النسخة الغزية لتثبت أنَّ السعادة والكرامة تكمنان في “العطاء” لا في “الأخذ”، وفي “الرباط” لا في “الانفلات”. هذا المنهاج يقدم البديل الحضاري الذي يزاوج بين عمران الروح وعمران الأرض، محققاً التوازن المفقود الذي عجزت عنه كل الفلسفات الوضعية، تصديقاً لقوله تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾.

ومن خلال هذا الطرح المنهاجي، تبرز “أخلاقية القوة” كبديلٍ لـ “توحش القوة” الغربية؛ فنحن نرى المقاوم الذي يقاتل بضراوة في الميدان، هو نفسه الذي يفيض رحمةً وإنسانيةً مع الأسير والضعيف، في مشهدٍ أذهل شعوب الغرب قبل شرقها. إنَّ هذا السلوك ليس تكتيكاً إعلامياً، بل هو ثمرة “التربية المنهاجية” التي تعيد تعريف “الإنسان” بوصفه خليفةً لله في الأرض، مأموراً بالعدل حتى في ذروة الصراع. إنَّ هذا البديل الحضاري يحطم “وثن الاستهلاك” الذي استعبد البشرية، ويطرح بدلاً منه “ثقافة الاكتفاء والجهاد”، حيث تصبح الغاية هي “رضوان الله” والتحرر من رق الأغيار، مما يعيد للإنسان إنسانيته التي سحقها النظام الرأسمالي العالمي.

وعلى ضوء هذا الانبعاث، نجد أنَّ غزة قد قدمت للعالم “مختبراً حياً” للسيادة الروحية والمادية؛ فالحصار الذي أراده العدو “قبراً”، حوله المنهاج إلى “حضانةٍ للابتكار” والاعتماد على الذات. هذا النموذج يرسل رسالةً لكل الشعوب المستضعفة بأنَّ “الخلاص” لا يكون بانتظار فتات المساعدات الدولية، بل بامتلاك “إرادة الاستغناء” والعودة إلى الجذور الإيمانية. إنَّ المنهاج يطرح “عولمةً بديلة”؛ عولمة الأخلاق والقيم العابرة للقارات، التي تجمع الناس على “كلمة سواء” في مواجهة طغيان المادة. إنها النسخة الإنسانية التي تمنح الفرد شعوراً بالجدوى والرسالية، وتحوله من كائنٍ يبحث عن “الرفاه الزائف” إلى إنسانٍ يصنع “المجد الخالد”.

وبناءً على ذلك، فإنَّ المنهاج هو “سفينة نوح” الحضارية في هذا العصر المضطرب. إنَّ سقوط السرديات الغربية قد ترك فجوةً روحية هائلة، لا يمكن لغير “منهاج غزة” بصدقه وواقعيته أن يملأها. إننا أمام “انعطافةٍ إنسانية” كبرى، حيث سيتسابق العقلاء للتعرف على سر هذا الصمود، ليكتشفوا أنه “القرآن” الذي يصنع الرجال. إنَّ تقديم هذا البديل هو المهمة الكبرى لأمة الاستخلاف؛ فالعالم لا يحتاج لنسخةٍ مكررة من الغرب، بل يحتاج لـ “نور النبوة” الذي يتجسد اليوم في صبر غزة وبطولاتها. إنَّ التاريخ يفسح المجال الآن لهذا البديل ليقود المسيرة البشرية نحو بر الأمان والتوحيد، كما وعد سبحانه: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.