كتاب: المناهج الجامعية لتدريس علوم الشريعة: مرجعية التقويم ومداخل التجديد “للدكتور يونس محسين” عرض وتقويم
د. عز الدين حدو
كتاب: المناهج الجامعية لتدريس علوم الشريعة:
مرجعية التقويم ومداخل التجديد
“للدكتور يونس محسين”
عرض وتقويم
د. عز الدين حدو
باحث في الفكر الإسلامي وعلوم التربية
في ظل التحولات السريعة التي يشهدها العالم المعاصر والتحديات التي تواجهها المجتمعات الإسلامية، تبرز الحاجة الماسة لتطوير مناهج التعليم الشرعي الجامعي بما يتماشى مع متطلبات العصر، مع الحفاظ على جوهر العلوم الشرعية. ومن هذا المنطلق، يأتي كتاب “المناهج الجامعية لتدريس علوم الشريعة: مرجعية التقويم ومداخل التجديد” للمؤلف يونس محسين، ليقدم رؤية شاملة ومتكاملة لإصلاح مناهج التعليم الشرعي في الجامعات العربية والإسلامية.
يعد الكتاب إسهاماً علمياً مهماً في مجال تقويم التعليم الشرعي، حيث يعرض بأسلوب أكاديمي رصين وبمنهجية تحليلية متقدمة مختلف الجوانب المتعلقة بتدريس العلوم الشرعية، مقدماً حلولاً عملية مبتكرة لمواجهة التحديات الراهنة.
ونرى أن للكتاب قيمة علمية كبيرة في ميدان تخصص مناهج التعليم الجامعي في مجال العلوم الشرعية، وفكرته من المواضيع الأساسية التي تؤثر بشكل مباشر على جودة التعليم ومدى تأهيل الخريجين. فدراسة هذه المناهج وتحليلها وتجديدها؛ يعزز الفهم العميق للعلوم الشرعية، ويضمن توافقها مع المتطلبات الحديثة، والمعايير الأكاديمية، مما يسهم في تحسين جودة التعليم الشرعي وتأهيل الكوادر الأكاديمية.
أولاً: الجانب الفني للكتاب
- عنوان الكتاب: المناهج الجامعية لتدريس علوم الشريعة: مرجعية التقويم ومداخل التجديد.
- اسم المؤلف: يونس محسين (باحث في الفكر الإسلامي ومناهج التدريس).
- دار الطباعة والنشر: المعهد العالمي للفكر الإسلامي.
- رقم الطبعة: الطبعة الأولى، 1445هـ/2024م.
- حجم الكتاب وعدد صفحاته: 530 صفحة.
- مستوى الطباعة ونوع الخط والورق: الطباعة عالية الجودة، الخط واضح ومقروء، الورق ذو نوعية جيدة.
ثانياً: محتوى الكتاب
يهدف الكتاب إلى تقديم إطار مرجعي شامل لتقويم مناهج تدريس العلوم الشرعية في الجامعات العربية والإسلامية وتجديدها. ويسعى الكاتب من خلاله إلى تحليل وتقييم المناهج الحالية، واقتراح مداخل تجديدية تتناسب مع متطلبات العصر وحاجات المجتمع.
وفي سبيل ذلك سلك الباحث خطة بحثية انتظمت في:
- مقدمة: أبرز من خلالها محسين أهمية تطوير مناهج التعليم الشرعي في ظل التحولات السريعة والتحديات المعاصرة، مؤكدا على ضرورة المراجعة المستمر للمناهج لتلبية احتياجات الطلاب ومتطلبات المجتمع. ومبينا الهدف الرئيسي لكتابه في كونه إطار نظري وتطبيقي لإصلاح مناهج التعليم الشرعي، مع التركيز على التقويم والتجديد كمدخلين أساسيين لهذا الإصلاح.
- وباب أوّل حول: تقويم المنهج؛ مرجعيته وقضاياه. انتظم في ثلاثة فصول على الشكل التالي:
- الفصل الأوّل: محددات مفاهيمية وقضايا تأسيسية
أولاً: محددات مفاهيمية
ثانياً: قضايا التقويم وإشكالاته
الفصل الثاني: مرجعية تقويم مناهج التعليم الشرعي في الجامعة
أولاً: أُسس معيارية في تقويم مناهج تدريس علوم الشريعة
ثانياً: نحو إطار مرجعي لتقويم مسالك التعليم الشرعي الجامعي
- الفصل الثالث: نقد مسالك التعليم الشرعي وتقويمها
أولاً: تقويم الأهداف والمقررات
ثانياً: تقويم صيغ التدريس والتقويم
- باب ثاني حول: مداخل التجديد لمناهج تدريس علو الشريعة في الجامعة. انتظم في ثلاثة فصول على الشكل التالي:
- الفصل الأوّل: المدخل الإبستمولوجي
أولاً: النظر الإبستمولوجي في علوم الشريعة؛ مباحثه ودلالته التربوية والتعليمية
ثانياً: النظر الإبستمولوجي وتجديد المنهج
الفصل الثاني: المدخل التكاملي
أولاً: التكامل الداخلي للمنهج
ثانياً: التكامل الخارجي للمنهج
- الفصل الثالث: مدخل الملكات
أولاً: المحددات النظرية لمدخل الملكات
ثانياً: أُسس التنزيل البيداغوجي لمدخل الملكات
- ثم خاتمة ومجموعة من التوصيات العملية التي يمكن أن تكون دليلًا لصناع القرار في مجال التعليم الشرعي. هذه التوصيات تُعتبر خطوة مهمة نحو تحسين جودة التعليم وربط المناهج بمتطلبات العصر.
أهم قضايا الكتاب:
- التأصيل لمرجعية تقويم المناهج في مسالك الدراسات الإسلامية
يقدم الكتاب تحليلاً نظرياً معمقاً لفلسفة تقويم مناهج تدريس علوم الشريعة، ويعرض أسس النظر التقويم لهذه المناهج، ويقترح مداخل لتجديدها. مؤكد أن مدخل التقويم مرتهن بالاستناد إلى مرجعية تضبط الظر التقويمي، منسجمة مع خصائص المعرفية الشرعية، وخصوصية الجامعة، وأسس الفكر التربوي قديما وحديثا، مع الإفادة من مراد العصر الحديث في التربية والتعليم.
يقول محسين “على الرغم من مرونة هذه الأسس المعيارية التي أبدعها الفكر التربوي الحديث في تقويم المناهج؛ وقابليتها للاستثمار والتوظيف في تقويم مختلف المسالك التربوية، بصرف النظر عن مستواها، ودقة تخصصها؛ فإن الحاجة لا تزال قائمة إلى مزيد من الاجتهاد في بناء فلسفة ناظمة لأسس مرجعية تسدد جهود النظر التقويمي للدرس الشرعي الجامعي، بوجه يتناغم مع خصوصيته المعرفية والتربوية والمنهجية”[1].
- التحديات التي تواجه تقويم التعليم الشرعي:
الكتاب يناقش العديد من التحديات التي تواجه تقويم مناهج تدريس العلوم الشرعية[2]، وهي:
- التمسك بالمألوف والتوجس من النقد والتجديد.
- تضخيم مخرجات مناهج التعليم الشرعي.
- ضبابية المرجعية التقويمية.
- ضعف الاهتمام بالبحث التربوي في محافل التدريس الشرعي.
- التجديد في مناهج العلوم الشرعية:
يناقش الكتاب أهمية التجديد في مناهج تدريس العلوم الشرعية استنادًا إلى سنن التجديد الكونية والإلهية، مأكدا على أن يكون هذا التجديد قائما على التحرر من التقليد والجمود، مع استصحاب الأسس التربوية التي أسّسّ لها الوحي، ويغنيها بموارد الفكر التربوي الحديث، وبما حققته التجارب الجامعية الناجحة، ويوثق صلة هذه المناهج بخصائص علوم الشريعة ووظائفها، ويربطها بحاجات الأمّة؛ أملا في جودة المنهج في ذاته ومخرجاته[3].
مع ضرورة أن تكون مراجعة نظم التعليم الشرعي مبنية على رؤية نسقية شاملة، ف”لا يقتصر التجديد على الإفادة من الأصول العلمية والتربوية في تراثنا، بل المطلوب هو التوليف بينها وبين حسنات الفكر التربوي الحديث، بمنهج متكامل يسعف في استجابة المناهج الحالية لحاجة الأمة، مع ما يتصل بذلك من ضرورة الإفادة من التجارب الجامعية الناجحة في حاضرنا”[4].
- إصلاح السياسات التعليمية:
يناقش الكتاب دور السياسات التعليمية في دعم تجديد وتطوير مناهج التعليم الشرعي. ويسلط الضوء على ضرورة تكامل الجهود بين الحكومات والمؤسسات التعليمية والمجتمع المدني لضمان نجاح عملية التجديد.
- وظائف التعليم الشرعي:
الكتاب يستعرض الوظائف المختلفة التي يجب أن تؤديها مناهج التعليم الشرعي، بما في ذلك:
الوظيفة الدينية: تعزيز الهوية الإسلامية والقيم الروحية.
الوظيفة التربوية: تربية الطالب على الأخلاق والقيم الإنسانية.
الوظيفة العلمية: تنمية القدرات الأكاديمية والبحثية لدى الطلاب.
الوظيفة العملية: إعداد الطلاب لسوق العمل ومتطلبات الحياة المهنية.
- مداخل التجديد
تُعد مداخل التجديد من العناصر الأساسية التي يعالجها الكتاب، حيث يسعى المؤلف إلى تقديم رؤى وأفكار مبتكرة لتطوير مناهج تدريس علوم الشريعة بما يتماشى مع متطلبات العصر الحديث والتحديات التي تواجه المجتمعات الإسلامية.
ثالثاً: مزايا الكتاب
- السلامة من الأخطاء المطبعية والإملائية
يتميز الكتاب بالدقة في الطباعة والسلامة من الأخطاء المطبعية والإملائية. النصوص واضحة والجمل مترابطة بشكل جيد، مما يعكس احترافية ودقة في التحرير، ويشير إلى مراجعة جيدة قبل النشر.
- الفئة المستهدفة بالكتاب ومدى تحقيق هدف الكتاب
الكتاب موجه بشكل رئيسي لأعضاء هيئة التدريس في الجامعات، والباحثين في مجال التعليم الشرعي، والطلاب المتخصصين في علوم الشريعة. يحقق الكتاب هدفه من خلال تقديم تحليل شامل ومداخل تجديدية واضحة.
- التحليل والمرجعية العلمية
يقدم الكتاب تحليلاً شاملاً ودقيقاً -بعيدا عن الأوهام العلمية- لمناهج التعليم الشرعي في الجامعات، مع التركيز على الجامعات المغربية كنموذج. هذا التحليل يساعد في فهم التحديات الحالية وتحديد المجالات التي تحتاج إلى تطوير. موظفا لغة أكاديمية عالية المستوى ومناسبة للفئة المستهدفة من الأكاديميين والباحثين، و مصطلحات علمية وشرعية دقيقة وواضحة.
كما يعتمد الكتاب على مجموعة واسعة من المراجع والمصادر العلمية، مما يعزز مصداقية الدراسة ويضفي عليها طابعًا أكاديميًا رصينًا. مع مستوى عال في التوثيق العلمي، حيث يعتمد على مراجع موثوقة ويقدم توثيقاً دقيقاً للنقول والمصادر، مع استخدام النصوص الشرعية والنظريات التربوية بشكل جيد لدعم الأفكار المطروحة، زيادة على استخدام المقابلات العلمية مع الأكاديميين والخبراء، وهذا يضيف بعدًا ميدانيًا للدراسة.
- جوانب التجديد في الكتاب
يقدم الكتاب مداخل متعددة للتجديد في مناهج التعليم الشرعي، مثل المدخل الإبستمولوجي، الذي يرى فيه الكاتب أنه لا مندوحة “عن النظر في نشأة علوم الشريعة ومناهجها المؤسسة، والتدبر في طبيعة الارتباط الوظيفي بينها، وتأمل مبادئها ومعايير تصنيفها وترتيبها… فتلك بعض المباحث التي يعنى بها النظر الإبستمولوجي للعلوم، وهو نظر وظيفي يتجاوز عتبة الوصف النظري أو التاريخي لهذه المباحث؛ ليستلهم منها القواعد التربوية والتعليمية الضابطة لتعليمها وتعلّمها”[5].
ثم المدخل التكاملي، الذي لا يحصره الباحث في توثيق الوشائج بين وحدات العلم الشرعي فقط، بل يراه “يتصل أساسا برؤية تكاملية في بناء الإنسان المستخلف، والتكامل بين ما يقدّمه المنهج من معارف وحاجات الأمّة ومطالب المجتمع، والتكامل بين عناصر المنهج التربوي… يمكن الإفادة من هذا النظر الكلي في بلورة مدخل تكاملي ذي مقوّمات نسقية؛ ما يسهم في جهود تجديد الدرس الشرعي”[6].
ثم مدخل الملكات، الذي يراه محسين نموذج تربوي بديل، نستطيع من خلاله النهوض بمسالك التعليم الشرعي؛ كونه “نموذج ينطلق من روح التراث، ويعمق النظر في مضامينه التربوية؛ لاستمداد َ مبادئ فقه التربية والتعليم، وإعمالها بوصفها معايير لنخل النظريات التربوية الحديثة، مع ضرورة الإفادة من حسنات الفكر التربوي الحديث في بناء الاختيارات التربوية وترسيمها لمناهجنا المعاصرة”[7].
وهذه وإن كانت حقيقة مداخل تعزز من شمولية الإصلاح وتحديث المناهج، إلا أنّها قد يواجه بعض التحديات عند تطبيقها في السياقات الجامعية المختلفة، بسبب الفروق الثقافية والبنية التحتية المتاحة.
رابعا: ملاحظات عامة حول الكتاب:
- التركيز على السياق المحلي
الكتاب يركز بشكل كبير على التجربة المغربية في تدريس علوم الشريعة، دون النظر إلى تجارب جامعات أخرى في العالم الإسلامي، مما يجعله أقل شمولية من الناحية الجغرافية. فتوسيع النطاق ليشمل تجارب من دول أخرى يمكن أن يوفر رؤى أوسع ويساعد في فهم تحديات متنوعة وحلول مبتكرة، على عكس التركيز الشديد على السياق المحلي، الذي قد يقلل من جاذبية الكتاب للقراء من خارج المنطقة. وبالتالي يمكن التوصية لتحسين الكتاب بتضمينه تجارب جامعات من دول مختلفة في العالم الإسلامي، في سبيل تقديم رؤية شاملة ومتنوعة حول تدريس العلوم الشرعية. هذا من حيث نقد مسالك التعليم الشرعي.
وإلا فالكاتب قد عقد دراسات مقارنة عندما تطرق لمرجعية التقويم النظرية ( في التراث، ومصطفى صادقي، وابن عاشور، وتجربة معاصرة تمثلت في جامعة قرطبة بأمريكا من خلال كتاب التعليم الديني لطه جابر العلوني)، واستحضر الكاتب أيضا تجارب معاصرة أخرى في مداخل التجديد، من قبيل الجامعة الإسلامية بمالياز كتاب: التكامل المعرفي محمد أبو إبراهيم، وتجربة الجامعة اليابانية في تكوين هيئة التدريس بالجامعة.
- التوازن بين النظرية والتطبيق
يركز الكتاب بشكل كبير على التحليل النظري العميق، دون تقديم أمثلة كافية على كيفية تطبيق الأفكار المطروحة في البيئة التعليمية الواقعية في الفصول الستة، من قبيل إدراج دراسات حالة، أو نماذج تطبيقية يمكن أن تعزز فهم القراء للموضوع. على سبيل المثال، كيف يمكن لأستاذ العلوم الشرعية تطبيق مقترحات الكتاب حول استخدام التكنولوجيا في التدريس؟ كان بالإمكان تقديم أمثلة على أدوات تعليمية محددة أو أساليب تدريس مبتكرة، مما كان سيضيف قيمة كبيرة للكتاب.
- قلة الدراسات المقارنة
الكتاب يفتقر إلى دراسات مقارنة بشكل أوسع لمناهج التعلي الشرعي في الجامعات المغربية، مع مناهج جامعات أخرى في العالم الإسلامي، أو حتى في الدول الغربية. على سبيل المثال، كان من الممكن إضافة دراسات مقارنة أخرى مع مناهج جامعة الأزهر في مصر أو جامعة الزيتونة في تونس (لكونه أشهر الجامعات في تدريس العلوم الشرعية) مع المناهج المغربية، لمعرفة نقاط القوة والضعف. وبالتالي فإن تعزيز الدراسة بمقارنات مع مناهج تعليمية من دول أخرى يمكن أن يوفر رؤى إضافية ويثري النقاش الأكاديمي
- عدم التفصيل في بعض التوصيات
بالرغم من أن الكتاب يقدم توصيات قيمة، إلا أن بعض هذه التوصيات تفتقر إلى التفصيل الكافي حول كيفية تطبيقها بشكل عملي. فالكاتب ينصح بتحديث المناهج لتكون أكثر ملاءمة لمتطلبات العصر، لكنه لا يوضح بالتفصيل كيفية تنفيذ هذا التحديث. ما هي الخطوات المحددة التي يجب اتباعها؟ من هم الأطراف المعنية التي يجب إشراكها في عملية التحديث؟
وهذه الملاحظات لا تنقص من قيمة الكتاب شيئ، بل هي تفتح المجال لمزيد من الدراسات المستقبلية لتعميق هذه الجوانب ودراستها بشمولية أكثر. وفي المجمل، يعد كتاب “المناهج الجامعية لتدريس علوم الشريعة: مرجعية التقويم ومداخل التجديد” لمؤلفه يونس محسين، مرجعًا قيمًا للباحثين والمهتمين بتطوير التعليم الشرعي، ويسهم بشكل كبير في إغناء النقاش حول أفضل السبل لتحديث وتطوير مناهج التعليم في هذا المجال الحيوي.
خامسا: الآفاق البحثية التي يفتحها الكتاب
إلى جانب تقديمه لرؤى وتجارب عملية لتقويم مناهج التعليم الشرعي، يفتح الكتاب آفاقاً بحثية جديدة يمكن أن تسهم في تعميق الفهم وتحسين تطبيق هذا الرؤى والأفكار.
- البحث في الفروق الثقافية والاجتماعية وتأثيرها على مناهج التعليم الشرعي
يشير الكتاب في العديد من صفحاته إلى المسألة الاجتماعية وارتباطها ببناء المناهج التربوية وتقويمها، مثل قول الكاتب: “ولما كان الخطاب الشرعي خطابا اجتماعيا، فإن مناهج تدريس علوم الشريعة أولى المناهج بالالتزام بهذا المبدأ، لأنّ ُّالتصور الإسلامي يأبى الانفصام بين العلم والواقع، وهو تصور قائم على رؤية استخلافية، يكون العلم بمقتضاها إماما للعمل، وتكون حاجات، المجتمع ومشكلاته ً منطلقا لبناء المناهج، وأساساً معياريا لتقويمها”[8].
وبالتالي نكون أمام ضرورة دراسة تأثير الفروقات الثقافية والاجتماعية بين الطلاب على تصميم وتطبيق مناهج التعليم الشرعي. بحيث يمكن أن تسهم هذه الدراسات في تطوير مناهج تعليمية أكثر شمولية وتأخذ في الاعتبار التنوع الثقافي والاجتماعي.
- البحث في استخدام تطبيقات التكنولوجيا في التعليم الشرعي
يدعو الكاتب في فالعديد من ثنايا كتابه ويشر إلى مسألة توظيف تقنيات التكنولوجيا الحديثة واستخدامها في تدريس العلوم الشرعية، فرغم التطور الكبير الذي حصل في هذه التقنيات في مجال التدريس إلاّ أنّ استثمارها ” في تدريس العلوم الشرعية ً عموما يبقى دون المأمول، سواء َّ تعلق الأمر بالوسائل السمعية والسمعية البصرية أو المعلوميات… فتوظيف الوسائل التعليمية، على اختلاف أنواعها، له أثر نافع في تدريس علوم الشريعة، وتجويد العملية التعليمية،غير أن وظيفيتها تكون ً قاصرة عن تحقيق المطلوب في ِّظل غياب منهج سليم تُستعمل فيه لتعليم العلوم أو البحث فيها”[9].
ومنه يكون من آفاق هذه الكتاب فتح المجال للبحث في مناهج توظيف التكنولوجيا الحديثة في تدريس العلوم الشرعية بالتعليم الجامعي. ويمكن أن تشمل هذه الأبحاث دراسة فعالية الأدوات التكنولوجية المختلفة، مثل التعلم عبر الإنترنت، والبرامج التعليمية التفاعلية، والتطبيقات الذكية، في تحسين جودة التعليم الشرعي.
- البحث في تطوير نظام التقويم التربوي
يشير الكتاب إلى الحاجة الملحّة إلى تطوير أساليب التقويم المعتمدة في تدريس العلم الشرعي الجامعي، وتنايبها مع المناهج الحديثة. فقد توصل الكاتب في دراسته إلى ضرورة ” مراجعة شاملة لهذا النظام -نظام التقويم-، وذلك باستصحاب وظائف التقويم، وما أظهرته الدراسات والأبحاث المتخصصة في المجال من ثغرات، سواء من حيث التخطيط أو الإجراء أو الاستثمار”[10]. فيمكن أن تشمل الأبحاث في هذا المجال دراسة أفضل الممارسات في التقييم التكويني والتقييم الختامي، وكيفية تطبيقها في مناهج التعليم الشرعي.
- البحث في التكامل بين العلوم الشرعية والعلوم الإنسانية
يقترح الكتاب ضرورة إجراء أبحاث حول كيفية تكامل العلوم الشرعية مع العلوم الإنسانية الأخرى، مثل علم الاجتماع، وعلم النفس، والفلسفة. أشار إليها في عدة مواضع منها قوله: فالنوازل المستجدة، بوصفها موضوعا للتعليم والتعلم، يتطلب حلها استحضار ُ، البعد التكاملي لعلوم الشريعة من جهة، وعلاقة هذه الأخيرة بالعلوم الاجتماعية والنفسية والتربوية من جهة أخرى. وعلى هذا فإن التعلم لا ْيحدث بالمعنى الكامل ّإلا إذا كانت المضامين المعرفية َالمتعلمة مستجيبة لمواقف واقعية، فيتحقق الربط بين المعرفة النظرية ُ والواقع العلمي، ويصبح الفضاء الجامعي صورة مصغرة للمجتمع”[11]. فيمكن أن تسهم هذه الأبحاث في تقديم رؤى جديدة ومتكاملة لتدريس العلوم الشرعية.
- البحث في تأثير السياقات التاريخية على تطور مناهج التعليم الشرعي
يدعو الكتاب إلى دراسة السياقات التاريخية التي أثرت في تطور العلوم الشرعية عبر العصور، دراسات تبحث في بنية المعرفة الشرعية، وتبحث في مصادرها النقلية والعقلية تدبرا, وفي المناهج المؤسسة لها ولمراحل تطورها تتبعا وتبصرا، وفي العوائق التي حالت دونه رصدا، وفي العلاقة بين فروعها ومباحثها تأملا، وفي مجالات تصنيفها في الحقول العلمية والمعرفية ترسيما[12]. فيمكن أن تسهم هذه الأبحاث في فهم أفضل للتغيرات التي طرأت على هذه المناهج وتحديد العوامل التي أدت إلى ذلك.
في المجمل، يفتح كتاب “المناهج الجامعية لتدريس علوم الشريعة: مرجعية التقويم ومداخل التجديد” آفاقًا بحثية متعددة يمكن أن تسهم في تطوير مناهج التعليم الشرعي. هذه الآفاق البحثية تعكس فهمًا عميقًا للتحديات والفرص المرتبطة بتحديث التعليم الشرعي، وتقدم رؤى وأفكارًا يمكن أن تكون موضوعًا لأبحاث مستقبلية. يعكس الكتاب حرص المؤلف على تقديم رؤية شاملة ومتكاملة لتقويم مناهج التعليم الشرعي وتحديثها، مما يجعله مرجعًا مهمًا للأكاديميين والمربين وطلاب الدراسات العليا في مجال التعليم الشرعي.
[1] ص 72.
[2] 65.
[3] ص 48 بتصرف.
[4] 47.
[5] ص 226.
[6] ص 287-288.
[7] ص 357-356.
[8] ص 139.
[9] ص 435-438
[10] ص 219.
[11] ص 329.
[12] ص 231.