منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

أمازيغية قبيلة غمارة: الأصول، الواقع، الأفاق

د. موسى المودن

0

أمازيغية قبيلة غمارة: الأصول، الواقع، الأفاق

The Amazighism of Ghamara Tribe:  Assets, reality, and prospects

د. موسى المودن

وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة – المغرب


نشر هذا المقال في مجلة ذخائر، العدد الثالث عشر (13)، (التنزيل مجاني)

ملخص:

تتناول ورقتنا البحثية الحديث عن «أصول أمازيغية قبيلة غمارة»، أو ما يعرف محليا بـ»الشلحة الغمارية» أو البوزراتية. وهي (أمازيغية قبيلة غمارة) من الفئات اللغوية المحتضرة، إلى جانب كثير من اللهجات التي صنفت من طرف منظمة اليونيسكو الدولية على لائحة الفئات اللغوية المهددة بالاندثار أو المندثرة، حيث ما يزال حوالي عشرة آلاف فرد يتحدثون بها في المنطقة الممتدة بين شمال قبيلة بني منصور وجنوب قبيلة بني بوزرة. حيث ساهمة الظروف الراهنة في تراجع كبير لعدد المتحدثين بها.

وأمام هذا الوضع الخطير الذي تعيشه هذه اللهجة، يطرح سؤال التثمين في ظل الصعوبات التي أصبحت تعانيها لهجة وجدت نفسها محاطة بمحيط يتحدث باللهجة الدارجة، بالإضافة إلى الغياب التام لدى الساكنة بأهمية تثمين هذا الموروث وإعادة إحياءه في مناطق أخرى، حتى يستمر هذا التنوع الذي ميز المنطقة منذ مئات السنين.

الكلمات المفتاحية:

قبيلة غمارة، الشلحة الغمارية، التعدد اللغوي، خطر الاندثار، تثمين الموروث.

Our research paper aims at studying the “origins of Amazighism of Ghamara tribe”, or what is known locally as “Ghamarism Shalha” or Bouzaratism. It is one of the dying linguistic groups, along with many of the dialects that were classified by the International Organization of UNESCO on the list of linguistic groups threatened with extinction or became extinct. Around ten thousand people only who still speak this dialect in the area between the north of the Bani Mansour tribe and the south of the Bani Bouzra tribe, where the current circumstances contributed to a significant decline in the number of speakers. Regarding the dangerous situation this dialect is experiencing, the question of valuing arises in light of the difficulties that the Ghamarism Shalha has experiencing, it is surrounded by an environment where the Arabic dialect is spoken. In addition, the importance of valuing this heritage and reviving it in other regions so that this diversity that characterized the region hundreds of years ago continues is completely absent in the local population.

Keywords:

 Ghamara tribe, Ghamarism Shalha, multilingualism, extinction, heritage, dialect.

تقديم:

إن أجمل ما قد يفتتح به الباحث هذا المقال المقتضب عن تاريخ الشلحة الغمارية ومكانتها قولة للأستاذ الراحل صدقي أزيكو عن علاقة الهوية بالاستمرارية والثبات: « إن شعبا متمسكا بمقوماته اللغوية والثقافية لا يموت ولا يستبعد إلى الأبد، لأن تلك المقومات هي التي تشعره بتميزه عن المستعمر، وهي التي تحميه من الذوبان في غيره من الشعوب، وهي التي تذكي فيه روح المقاومة ورفض الاستعباد». وحري بنا كأمة لها هوية وتاريخ عريقين أن تتشبث بهويتها وأصولها مهما كانت العواصف التي تحوم حولنا، فأن يموت الإنسان واقفا مدافعا، خير له من أن يعيش راكعا ذليلا مهانا منقادا.

إن الهوية اللغوية للشعوب الأمازيغية تمثل المرآة التي تعكس ثقافة وحضارة وتميز وتفرد هذه الأمة، وإن أي تهاون في التشبث بهذا الموروث لابد وأن يخلق لنا جيلا من اللامباليين بالانتماء وبالهوية وحتى بالدفاع والدود عن هذه الأرض، وإن وصلنا إلى هذه المرحلة – لا قدر الله – فسنكون حتما قد حكمنا على أنفسنا بالموت ثقافة وهوية وانتماء.

تعتبر أمازيغية قبيلة غمارة (الشلحة الغمارية) تراثا لغويا منسيا يتحدث به حوالي 10000 فرد حاليا، اندثر من قبائل بني جرير وبني سميح وبني سلمان الغمارية بشكل شبه كلي (مازلت لغة حديث جل قبائل غمارة والأخماس وبني سعيد المتعربة تتخللها ألفاظ أمازيغية كثيرة، وبالتالي يستعمل هؤلاء لغة عربية دارجة ركيكة، تستند إلى النحو الأمازيغي في بنية تركيبها، كتقديم الفاعل على الفعل وغيرها من القواعد الأخرى)، ولم يتبق سوى قبيلتين ناطقتين بهذه اللغة التي هي حاليا في طور الاندثار، مع قبائل أخرى نجد فيها استعمالا مهما لكثير من الألفاظ الأمازيغية -كما أسلفنا، وخاصة قبائل بني جرير وبني سميح وبني سلمان وبني منصور  وغيرهم من قبائل الريف الغربي.

وأمام هذا الخطر المحذق بتراث عمر لآلاف السنين، يطرح سؤال التثمين في ظل المخاطر التي أصبحت تطوق هذا الإرث اللامادي…. فلا مسؤولين يترافعون على إعادة إحياء هذا الموروث، ولا شبابا يهتم بدراسة وإعادة الوهج إلى هذا الموروث المهم…. فهل نموت بموت هذا الألق الثقافي الذي عمر لعشرات القرون !!؟

أولا: أصول أمازيغية قبيلة غمارة

1- أصول قبيلة غمارة:

تنقسم البنية القبلية في المغرب إلى شقين أساسين «البتر، البرانس»، ولهاتين القبيلتين بطون تتفرع منها أفخاذ القبائل الأخرى، وقبيلة غمارة تنتسب إلى قبيلة البرانس، وبالضبط من فخد مصمودة[1]، وبالتالي فالقبيلة مصمودية الأصول، وتمتد جذورها إلى القبيلة الأم «البرانس»، وهي أهم القبائل في المغرب، وأكثرها حضورا على المستوى الجغرافي والبشري، وأكثرها تأثيرا وتعميرا، وأيضا صعوبة في التأقلم والتعرب.

وشعوب مصمودة هم: «أقحاح البربر الذين لم يختلطوا بسواهم إلا نادرا، وأهل المغرب الأقصى الأولون المختصون بسكنى الجبال منذ الأحقاب المتطاولة، لم يخرجوا منه إلا بعد مجيء الإسلام إما لنشره بين من يجاورهم من الأمم والشعوب، وإما لتوطيد نفوذ الإمارات والممالك المغربية فيما خلف وطنهم من أوطان»[2].

وتعتبر قبيلة غمارة من أهم بطون المصامدة، فهي حسب رأي ابن خلدون «من ولد غمار بن مصمود، وقيل غمار بن مسطاف ابن مليل بن مصمود وقيل غمار بن أصاد بن مصمود. ويقول بعض العامّة أنهم عرب غمروا في تلك الجبال فسمّوا غمارة»[3]، ويذهب ابن خلدون إلى القول بأن هذا المذهب «هو مذهب عاميّ»[4].

وبخصوص القبائل المكونة لهذا القطر الذي ينحدر من القبيلة الأم (مصمودة)، فإن ابن خلدون يؤكد بأنهم (أي قبيلة غمارة) «شعوب وقبائل أكثر من أن تحصر. والبطون المشهورة منهم بنو حميد ومثيوه وبنو فال[5] وأغصاوه[6]، وبنو وزروال ومجكسة[7]، وهم آخر مواطنهم يعتمرون رحاب الريف بساحل بحر الدر[8] من عن يمين بسائط المغرب، من لدن غساسة فتكرّر فبادس فتبكيساس[9] فتيطّاوين فسبتة فالقصر الى طنجة خمس مراحل أو أزيد، أوطنوا منها جبالا شاهقة اتصل بعضها ببعض سياجا بعد سياج خمس مراحل أخرى في العرض إلى أن يتخطّى بسائط قصر كتامة ووادي ورغة من بسائط المغرب، ترتدّ عنها الأبصار وتنزل في حافاتها الطيور لا بل الهوام»[10].

2- أهم الدول التي تأسست في قبيلة غمارة:

أ- إمارة يليان الغماري:

كانت مدينة سبتة الواقعة على ساحل البحر الأبيض المتوسط من الأمصار القديمة قبل الإسلام، وكانت يومئذ منزل يليان الغماري ملك قبيلة  غمارة حينها، وكان رحمه الله أميرا داهية اشتهر بالحكمة والشدة والبأس، ولما زحف أمير الفتح الإسلامي عقبة ابن نافع على بلاد المغرب، تيقن ملك إمارة غمارة باستحالة مقاومة المد الإسلامي على بلاد المغرب، فأطاعه ملك غمارة، وصاحب طنجة وسبتة المك يليان الغماري وهاداه وأتحفه، ودله على بلاد البربر وراءه بالمغرب، مثل وليلى عند زرهون وبلاد المصامدة وبلاد السوس، وكانوا على دين المجوسية، ولم يدينوا بالنصرانية، فسار عقبة وفتح وغنم وسبى وأثخن فيهم وانتهى إلى السوس»[11]. ويذكر البعض أنه أسلم وحسن إسلامه، ويستدلون في ذلك بتوجيهه الفاتح عقبة بن نافع نحو بلاد المصامدة، قصد تجنيبه مهلكة الجواز نحو بلاد الأندلس[12].

وبعد انهيار الحكم الإسلامي في شمال إفريقيا نتيجة اغتيال عقبة على يد كسيلة بن ملزم بالقرب من قسنطينة وانحسار النفوذ الإسلامي تدريجا إلى ما وراء إفريقيا (تونس)، سيعود الأمير يليان إلى علاقاته السابقة مع حكام القوط، وسيستمر الأمر إلى ما عليه إلى قيام الخلافة بتعيين الأمير موسى بن نصير ومولاه طارقا ابن زياد أميرين على شمال إفريقيا، مما سيمهد إلى بداية عهد جديد يكون فيه السلم والتسامح الواقع الأبرز بعد إدماج البربر في المناصب المهمة داخل جسم الخلافة حينها.

وبعد استتباب الأمن في ربوع المغرب سيزحف الأمير موسى بن نصير إلى أمير قبيلة غمارة الذي سيتيقن من استحالة مقاومة الجيوش الإسلامية بجيشه الصغير، «فصانعه بالهدايا وأذعن للجزية، فأقرّه عليها سترهن ابنه وأبناء قومه، وأنزل طارق بن زياد بطنجة للجزية، وضرب عليهم مسكر للنزول معه. ثم كانت إجازة طارق إلى الأندلس فضرب عليهم البعوث، كان الفتح لا كفاء له كما مرّ في موضعه. ولما هلك يليان استولى العرب على مدينة سبتة صلحا من أيدي قومه فعمّروها»[13].

وقد شارك الغماريون بشكل كبير في المعارك التي دارت رحاها في بلاد الأندلس، إذ كانوا يشكلون النسبة الأكبر من الجيش الذي اجتاز الحدود الشمالية لفتح بلاد الأندلس، كما وساهمت عيون الأمير يليان في تسهيل اختراق الجيش الإسلامي للأندلس من جهة، وكذا تبيين مواطن الضعف في مملكة القوط من جهة أخرى.

ب- إمارة بني عاصم المجسكية:

بعد وفاة الأمير يليان الغماري الذي كان قد تعاقد مع الأمير موسى ابن نصير على بقائه في السلطة مقابل الولاء له، سيستولي «العرب على مدينة سبتة صلحا من أيدي قومه فعمّروها. ثم كانت فتنة ميسرة الخفير وما دعا إليه من سلالة الخارجيّة، وأخذ بها الكثير من البرابرة من غمارة وغيرهم، فزحف من برابرة سنجة إلى سبتة وأخرجوا العرب منها وسبوها وخرّبوها فبقيت خلاء»[14].

بعد طرد الغماريين البربر لفلول العرب المنهزمين إلى بلاد الأندلس، ستبقى مدينة سبتة خالية دهرا من الزمن، إلى أن يقوم رجل من بربر غمارة عليها، يعرف بين قومه بماجكس، وماجكس هذا من «رجالاتهم ووجوه قبائلهم، وبه سميت مجكسة[15] فبناها ورجع إليها الناس وأسلم. وسمع من أهل زمانه إلى أن مات فقام بأمره ابنه عصام ووليها دهرا»[16].

بعد وفاة عاصم (وسمية الإمارة على هذا الأمير –إمارة بني عاصم) قام بأمر الإمارة بعده ابنه مجير فلم يزل واليا عليها إلى أن هلك، ووليها أخوه يرضي ويقال إنه ابنه، وكانوا يعطون لبني إدريس طاعة مضعفة»[17]. إذ عرف عن الغماريين تمسكهم ببيعة الأدارسة بعد اعتلاءهم لسدة الحكم، ولهم معهم (أي الأدارسة) قصص وأحوال.

ولما استطاع الناصر القبض على زمام الأمور في بلاد الأندلس، سيوجه جيوشه قصد الاستيلاء على شمال المغرب، لحماية دولته من أطماع بني العباس والفاطميين معا، فتناول حبل «الود من أيدي بني إدريس المالكين ببلاد الهبط وغمارة حين أجهضتهم كتامة  وزناتة عن ملكهم بفاس، وقاموا بالدعوة للناصر وبثوها في أعمالهم نزلوا حينئذ للناصر عن سبتة، وأشاروا له إلى تناولها من بني عاصم، فسرّح إليها عساكره وأساطيله مع قائده نجاح بن غفير، فكان فتحها سنة تسع عشرة وثلاثمائة، ونزل له الرضي بن عصام عنها وآتاه طاعته وانقرض أمر بني عصام»[18]. وصارت سبتة إلى الناصر أمير الأندلس وخليفتها حينها.

3- الحدود المجالية بين الفترة الاستعمارية والفترة المعاصرة:

أ- الموقع الجغرافي:

كانت قبيلة غمارة في بداية الفترة الاستعمارية تتأطر ضمن مسمى الناحية الغمارية، أو مقاطعة غمارة، تحتوي على ثلاث عشرة قبيلة، منها تسع قبائل غمارية، وأربع لم تكن في عهدنا توصف بالغمارية، وهي قبائل الأخماس وبني يحمد وغزاوة ومتيوة. ونسبة هذه القبائل إلى الناحية الغمارية إنما هو من الناحية الإدارية.

ولا شك أن الامتداد الجغرافي الحديث للقبيلة انحصر في تسع قبائل معينة، و»هذه القبائل التسع، تقع أربع منها على شاطئ البحر الأبيض المتوسط، وهي من الغرب إلى الشرق، قبائل: بني زيات، وبني بوزرة، وبني جرير، وبني اسميح، وخمس منها غير متصلة بالبحر، وهي قبائل: بني زجل، وبني سلمان، وبني منصور، وبني خالد، وبني ارزين»[19].

ب- الطبيعة والسكان:

غالب أرض هذه المنطقة جبلي، ضعيف التربة، قليل الإنتاج. والأراضي الخصبة فيها قليلة، وتقع أغلب الأراضي الصالحة للزراعة في منحدرات أو سهل (سهل أمتار، سهل وادلاو، سهل السطيحات…).

* – السكان:

والأغلبية من سكان قبيلة غمارة – حاليا – «تقطن البادية. والأهالي كلهم مسلمون، واعتقادهم سني، ومذهبهم مالكي، وليس في أحكامهم عوائد ولا أعراف تنافي أحكام الشريعة لإسلامية المطهرة. وليس في المنطقة مسيحيون وطنيون أصلا، أما الإسرائيليون[20] فتوجد منهم أقلية في مدينة شفشاون»[21].

وقد عرفت منطقة غمارة خلال الفترة المتأخرة (2004م إلى 2014م) ازديادا سكانيا مهما، حيث انتقلت من ما يقارب 121126ألف نسمة سنة 2004م، إلى ما يقارب 128119 ألف نسمة سنة 2014م. وهو رقم منخفض، وربما يرجع الأمر إلى الهجرة القروية الكثيفة نحو المدن، وكذلك إلى انفتاح المجتمع الغماري على أساليب الحياة الجديدة (تحديد النسل)[22].

* – أهم السهول:

وقبائل غمارة على العموم: «واقعة في الجبال، أما السهول فهي بها قليلة، ومنها سهل واد لو، وسهل تيجسات، وسهل أمتر أمتار»[23].

* – أهم الجبال:

أما الجبال: «فغمارة كلها جبال، ومن أشهر تلك الجبال جبل « تيزيران» بكسر التاء والزاي، في قبيلة بني خالد، وهو أكبر جبال هذه الناحية وأعلاها»[24]. ومن جبالها جبل « تزوت»، «وكان فيه وحوش قديمة كبيرة، ولم يبق فيها الآن إلا قرود كثيرة ونسور. وفيه كان يتعبد الولي الصالح سيدي عبد الله الهبطي في خلوته الأولى حيث بقي عشر سنين»[25].

* – أهم الأنهار:

وغمارة «ليست فيها أنهار كبرى، وإنما فيها أنهار صغيرة جلها يقل ماؤها أو يجف في فصل الصيف. والنهران الكبيران اللذان بها هما نهر واد لاو، الواقع بين غمارة وبني سعيد، ونهر تيجسات (تكيسات) الذي بين بني زيات وبني بوزرة. ويليهما نهران آخران هما نهر أمتار الذي يشق قبيلة بني جرير، ونهر أورنيكا الذي يصب قرب الجبهة»[26].

* – اللغة المتداولة:

في هذه المنطقة ثلاث لغات:

العربية: وهي اللغة الوحيدة لأهالي المدن، (شفشاون)، ولسكان النواحي الغمارية الجبلية.

الشلحة: وهي اللغة الشائعة في ناحية غمارة الشمالية والوسطى، وتعتبر هذه الشلحة من اللهجات المهددة بالانقراض.

العبرية: وتتحدثها ساكنة شفشاون من اليهود فقط، وهم أقلية كانوا في الفترة الاستعمارية، أما الآن فلا يوجد منهم إلا قلة قليلة.

* – المدن والقبائل:

عدد المدن في القبيلة الغمارية لا يتجاوز المدينة الواحدة(شفشاون)، وهنالك مراكز قروية (ترغة، الجبهة، تيجساس..)، وفيها تعدد سكاني لا بأس به. أما عدد القبائل بالناحية الغمارية فهي تسعة قبائل تعود للقبيلة الغمارية (بني سلمان، بني منصور، بني بوزرة، بني جرير، بني خالد، بني زجل، بني ارزين، بني اسميح، بني زيات). وأربع لا تنتمي لها (الأخماس، غزاوة، بني يحمد، متيوة)[27].

* – الجماعات الحضرية والقروية:

في قبيلة غمارة توجد هنالك ثلاث دوائر، تتفرع عنها 20 جماعة قروية:

–  دائرة بواحمد (السطيحات):

وتحتوي على ما يقارب 7 جماعات قروية، تتوزع على نطاق جغرافي يطل بعض منه على البحر الأبيض المتوسط، ويحاذي البعض منه جماعات قروية أخرى. وهذه أهم الجماعات القروية في الدائرة: «بني منصور، بني بوزرة، بني سلمان، اسطيحة، تلمبوط، تاسيفت، تزكان»[28].

– دائرة الجبهة:

تحتوي هذه الدائرة على أربع جماعات قروية: «أمتار، بني رزين، بني اسميح، مركز الجبهة»، تنتمي إلى القبيلة الغمارية، وواحدة لا تنتني إلى القبيلة الغمارية، وهي: «متيوة».

– دائرة باب برد:

تحتوي هذه الدائرة على أربع جماعات قروية: «باب برد، مركز باب برد، أيونان، تمروت»[29].

ثانيا: الجماعات القروية التي تنتشر بها الشلحة الغمارية

توجد في قبيلة غمارة كما أسلفنا قبيلتان تتحدثان الشلحة الغمارية، وهما من القبائل التي تقع في وسط وشمال القبيلة الغمارية، تحيط بهما كل من قبيلة بني جرير وبني سميح من جهة الغرب، وقبيلة بني خالد من جهة الجنوب، وقبيلتي بني زيات وبني سلمان من جهة الشرق، وفي الأخير البحر الأبيض المتوسط من جهة الشمال.

1- قبيلة بني بوزرة الغمارية:

أ- الموقع الجغرافي:

تقع قبيلة بني بوزرة الغمارية إلى الشمال من قبيلة غمارة على الساحل المتوسطي الذي يحدها شمالا، وتحيط بها كل من قبائل بني جرير وبني زيات من الشرق والغرب، وبني سلمان وبني منصور من الجنوب. أما مساحة القبيلة فتبلغ 13500 كلم مربع[30]. يتحدث أغلب قبيلة بني بوزرة اللهجة الدارجة، اللهم من الجزء الشمالي المحاذي للقبيلة المنصورية، فهو مازال يتحدث الشلحة الغمارية المختلطة مع العربية»[31]. وصمود هذه اللهجة في هذه المنطقة ولقرون طويلة يعكس حرص الساكنة على موروثها الثقافي واللغوي.

ب- نبذة تاريخية عن قبيلة بني بوزرة:

ينتسب «سكان قبيلة بني بوزرة تاريخيا إلى عاملها الذي قدم فيما يبدو مع موسى ابن نصير أواخر القرن الأول الهجري. وهو أبو بزرى كجمزى. وممن يحمل هذه الكنية يزيد بن عطارد القيسي من التابعين –كما يقول الشيخ مرتضى في التاج (بزر)، وحدف الواو من (أبو) شائع في الاستعمال. وتحمل قبائل غمارة نفس التسمية، أمثال: بني منصور، بني سلمان، بني زجل… وهي جميعها في أصلها البربري تنتمي إلى غمار بن مصمود، ومن أبنائه: نال ويال؛ فتفرع عن يال: بنو بوزرا، وبنو زيات، وبنو سلمان، وبنو منصور؛ وتفرع عن نال باقي القبائل[32]. إلا أن الصواب عكس ما ذكر، لأن قبيلة بني بوزرا حديث البروز على الساحة السياسية والتاريخية، وأول ذكر لهذه القبيلة جاء مع بداية القرن 15 الميلادي، وقبل ذلك لم نقف على أي مصدر تناول القبيلة بالذكر.

ت- قبيلة بني بوزرة في الفترة الراهنة:

تنتمي قبيلة بني بوزرة حاليا إلى جهة طنجة تطوان الحسيمة، وتتأطر ضمن إقليم شفشاون، وبالضبط تدخل ضمن دائرة بوأحمد، وحاليا توجد بها جماعة قروية واحدة، تأخذ نفس التسمية، وهي الجماعة القروية بني بوزرة. وبالجماعة القروية حوالي ست مشيخات يتفرع عنها 42 مدشرا، ويبلغ تعداد سكان القبيلة حوالي 15639نسمة، أما عدد الأسر فيصل إلى 2667 أسرة، -حسب الإحصاء الأخير للسكن والسكنى لسنة 2014م. وهذا جدول مفصل يبين تموضع الجماعة القروية المكونة للقبيلة، وتعداد المشيخات بها، وما يتفرع عنها من مداشر، وكذا عدد السكان والأسر بها[33]:

الدائرةالجماعةعدد المشيخاتعدد المداشرعدد السكانعدد الأسر
الجبهةبني بوزرة642156392667

 

2- قبيلة بني منصور الغمارية:

أ- الموقع الجغرافي للقبيلة:

تقع قبيلة بني منصور في قلب القبيلة الغمارية. تبعد عن ساحل البحر الأبيض المتوسط بحوالي 15 كلم، تحيط بها كل من قبائل بني بوزرة من الشمال، وقبيلة بني جرير وبني سميح من الشرق، وبني خالد من الجنوب، وبني سلمان من الغرب. وأكثر أراضيها صخرية تمتد على مسافة ثمانية أميال[34]. وتبلغ مساحتها حوالي 15300 كلم مربع. وأغلب ساكنتها يتحدثون اللغة العربية الدارجة، اللهم من بعض المداشر المحاذية لقبيلة بني بوزرة، التي مازالت تتحدث الشلحة الغمارية (القريبة من السوسية) إلى يومنا هذا»[35].

ب- نبذة تاريخية عن قبيلة بني منصور الغمارية:

توجد قبيلة بني منصور حسب موليراس وسط قبائل غمارة «من الجهة الشرقية، حيث يمتد الركن الشرقي للقبيلة حتى الحدود الريفية. وهناك نهران كبيران يسقيان المنطقة ويمران بمحاذاة العديد من مناجم الحديد، وهما واد أمطير وواد تريغة. وبخصوص المزروعات، فإننا نجد نفس الأصناف من المزروعات التي توجد بالقبائل الغمارية الأخرى، وكذلك نفس الجبال الشاهقة والبرد القارس خلال فصل الشتاء. وتشكل الغابات الشاسعة جزءا مهما من ثروات المنطقة؛ ومن أهم أشجارها: أشجار البلوط والسنديان والسرو، والكرز الوحشي، أما الأودية فتمتلئ بأشجار الفواكه، وخصوصا شجر التين»[36].

وقد تغيرت البنية الطبيعية والجغرافي لقبيلة بني منصور كثيرا في الآونة الأخيرة، إذ قام الأهالي باجتثاث أغلب المساحات الغابوية قد تحويلها إلى أراضي لزراعة القنب الهندي، كما تغيرت الحدود الجغرافية للقبيلة نتيجة الاضطرابات التي عمت المغرب أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، حيث كان للحروب الداخلية دور هام في هذا الأمر، إذ نتج عن الفتنة المسماة بأيام السيبة تغير كبير في حدود كثير من القبائل، وخاصة التي تحاذي قبيلة الأخماس المجاورة لقبيلتي بني زجل وبني سلمان.

ت- قبيلة بني منصور في الفترة الراهنة:

تنتمي قبيلة بني منصور -حاليا- إلى جهة طنجة تطوان الحسيمة، وتتأطر ضمن إقليم شفشاون، وبالضبط تدخل ضمن دائرة بو أحمد، وحاليا توجد بها جماعة قروية واحدة، تأخذ نفس التسمية، وهي الجماعة القروية بني منصور. وبالجماعة القروية حوالي خمس مشيخات يتفرع عنها 32 مدشرا. ويبلغ تعداد سكان القبيلة إلى 20246 نسمة، أما عدد الأسر فيصل إلى 3011 أسرة -حسب الإحصاء الأخير للسكن والسكنى لسنة 2014م. وهذا جدول مفصل يبين تموضع الجماعة القروية المكونة للقبيلة، وتعداد المشيخات بها، وما يتفرع عنها من مداشر، وكذا عدد السكان والأسر بها[37]:

الدائرةالجماعةعدد المشيخاتعدد المداشرعدد السكانعدد الأسر
بو أحمدبني منصور532202463011

 

ثالثا: النطاق الجغرافي للشلحة الغمارية وأهم خصوصياتها

عرف مجال انتشار الشلحة الغمارية تقلصا كبيرا انطلاقا من بداية أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشري، واستمر هذا الأمر مع الاستعمار الأجنبي الإسباني للشمال المغربي، وحتى بعد نيل المغرب لاستقلاله سنة 1956م. وهذه نظرة شاملة عن وضعية الشلحة الغمارية في هذه المرحلة.

1- واقع الشلحة الغمارية في بداية القرن العشرين:

ليس لنا كتابات مختصة عن الشلحة الغمارية في هذه الفترة غير ما كتبه الباحث الفرنسي موليراس، وقد رد هذا الأخير سبب تواجد الغماريين الأمازيغ، وانتشار الشلحة الغمارية بين هذه الأصقاع إلى المرجعية التي ينتمي إليها هؤلاء الغماريون، أي أنهم جاءوا من بلاد الريف خلال فترة تاريخية معينة. أي أنه اعتبرهم من أهل الريف الصنهاجيين. بل ونفى عنهم صفة الغماريين[38].

والمؤلف بهذا الحكم، اعتبر أن كل من يتحدث بالأمازيغية فيها صنهاجي هاجر من الريف، وهذا الحكم في أغلبه يناقض المرويات التاريخية، والتي تؤكد أدوار «بربر غمارة المصموديين» في مواطن كثيرة، ففي هذه المصادر التاريخية لا تصفهم إلا بالبربر. وخاصة المصادر التي جاءت قبل القرن السادس عشر.

أ- محاولة تعريب قبيلة بني بوزرة:

انطلاقا من مرويات مولييراس، فإن قبيلة بني بوزرة الغمارية كانت تعيش مع جيرانها (بني زيات) صرعا وجوديا من أجل الاستمرار. «وأن رغبة القبائل الغمارية في تعريبها كان قويا، وأن أكبر هذه المحاولات، كانت تأتي من قبيلة بني زيات المتجبرة»[39]. إلا أنها ورغم ذلك، «كانت ماتزال تتحدث الشلحة الغمارية، وترفض بعناد الحديث باللغة العربية. على الرغم من كون الدراسات القرآنية تحظى بالأهمية لدى الآهالي»[40].

ب- العوامل الجغرافية والدفاعية مساهم كبير في استمرار الشلحة الغمارية:

أرجع مولييراس سبب بقاء هذه الشلحة إلى عدة أسباب من بين أهمها: العامل الطبيعي، فقبيلة «بني بوزراع ( بني بوزرة) كما كتبها، محمية شمالا بالبحر الأبيض المتوسط، حيث لا تخشى سوى الغزو المسيحي، وشرقا بواد أمطير»[41] الذي يفصلها عن ابن كرير.

أما «الحدود الجنوبية والغربية فمكشوفة، فبالرغم من وجود تلك الجبال العالية المحاذية لبني سلمان، فإن أهلها مستعدون ليصدوا أي عدوان، وهو ما ينطبق أيضا على القرى العديدة بالحدود الغربية»[42].

إذن، وانطلاقا من ملاحظات موليراس، نستنتج أنه أرجع صمود الشلحة الغمارية ومجموعة ابن بوزراع (بني بوزرة) إلى العامل الطبيعي (أودية، بحر، جبال شاهقة) من جهة، وإلى العامل الدفاعي العسكري (الاستعداد في الدخول في المواجهة من أجل حماية المجال الجغرافي) لأهله من جهة أخرى.

ت- التوسع خارج المجال:

أشار موليراس في معرض حديثه عن سر استمرار الشلحة الغمارية في تلك الأصقاع النائية إلى قضية الصراع العسكري بين القبائل، وخص بالذكر قصة صراع مجموعة بني بوزرة مع مجموعة بني زيات. وتحدث عن بسالة واستبسال «بني بوزرة ضد تهور جارتها بني زيات»[43].

فقد «حدثت سنة 1880م حرب ضروس بين القبيلتين، وبعد معارك دامية انهزمت قبيلة بني زيات، فتمكنت بني بوزرة من الاستيلاء على منطقة تشمل منعطف واد بني هليل، من الهوتة على حدود بني سلمان إلى ميناء تغيزا»[44]. إذا صحت هذه المروية حقا، فإننا سنكون أمام اتباع بني بوزرة استراتيجية النفوذ المجالي، والتي كان يتبعها المتحدثون بالشلحة الغمارية من أجل ضمن نفوذ سياسي من جهة، ونفوذ لغوي من جهة أخرى. وهذا في رأيي ما جعل الشلحة الغمارية وإلى فترات متأخرة تصمد أمام زحف اللغة العربية.

في معرض حديثه عن الشلحة الغمارية في قبيلة بني منصور وبني سميح وبني جرير، تنبأ مولييراس بانقراض الشلحة الغمارية من بين هذه الجبال بعد مائة سنة[45]، وأكد أنها لن تستمر أكثر من ذلك بسب اجتياح التعريب لهذه الجبال، ولصعوبة الاستمرار وسط قبائل كلها تعربت. إلا أنه كان مخطئ في تصوره، فبعد أكثر من قرن، مازالت الشلحة الغمارية في مجالها الذي كانت فيه، بالرغم من مرور أكثر من مائة سنة على كلامه، بل إن عدد المتحدثين بها ارتفع من 5000 ألف فرد[46]، إلى 10000 ألف فرد في الفترة الراهنة[47].

2- نطاق انتشار الشلحة الغمارية في الفترة الراهنة:

تنتشر أمازيغية قبيلة غمارة، المسماة «الشلحة الغمارية»، أو «الشلحة البوزراتية»، أو حتى «الشلحة المنصورية»، في كل من قبيلتي بني بوزرة وبني منصور، وبالضبط عن حدود هاتين القبيلتين المنتميتين إلى كونفديرالية قبيلة غمارة، حيث يصل عدد المتحدثين بهذه اللهجة أو الشلحة الغفمارية إلى حدود 10000 نسمة. يتوزعون ضمن مساحات جغرافية محددة، ويوجد أغلب المتحدثين بهذه اللهجة في قبيلة بني بوزرة، وما تبقى منهم يوجد في ربع بني عروص من قبيلة بني منصور[48].

 خريطة تبين مجال انتشار الشلحة الغمارية في قبيلة غمارة[49]

ولمعرفة مجال انتشار الشلحة الغمارية في الفترة الراهنة قررنا الاستعانة بالمعلومات التي جاء بها الباحث جمال الحنوشي أثناء حديثه عن وضعية الشلحة الغمارية في القبيلتين، إذ يقول في هذا الصدد إن: «أعمق بحث ميداني حول الشلحة الغمارية، وهو الذي قام به كولن سنة 1928م. حيث أنه في وقت قيام كولن بالبحث الميادني كان كل ارباع (أي تقسيمات القبيلة) ابني بوزرة أمازيغ باستثناء ابن مسلمان. وفي هذا الإطار ذاته يشير الحنوشي إلى أن أربع تندمان لم يكن ربعا منفردا، لأن كولن لم يشر إلى وجوده من عدمه، وربما استحدث فيما بعد. اذن فالجزء الذي يتكلم الأمازيغية لم يتغير كثيرا عبر الزمن، لأن حاليا كل اربع ابني بوزرة أمازيغ باستثناء بني مسلمان وتمدان»[50].

أما بالنسبة لقبيلة ابن منصور، «فإن التوزيع الجغرافي للغة الأمازيغية في سنة 1928م كان منحصرا في ارباع بني اعروص فقط. وقد أشار كولن الى الدواوير التالية، والتي هي كجزء من بني عروص: (ابن عفارة، اسوكا، أيت عزب، تاورت، تزكان، أطرهوش، تاكنزا، اتزن، اسورددن، تزمورت). وهذه الدواوير هي التي كانت تتحدث اللغة الأمازيغية في تلك الفترة»[51].

3- أهم الدارسين الذين تناولوا الشلحة الغمارية:

لم تلق الشلحة الغمارية الاهتمام الذي لقيته لغة الإسلام –اللغة العربية-، إلا أنه وبعد مجيء القرن العشرين ستتغير الأمور، وستبدأ بعض المحاولات الحثيثة من أجل إعادة الاعتبار، سواء بدراسات طفيفة أو عميقة، وهذه عينة[52] من هؤلاء الدارسين الذين اهتموا بدراسة الشلحة الغمارية ومميزاتها:

أ- أوجست مولييراس سنة 1899م:

تنبه مولييراس إلى هذه اللغة في معرض حديثه عن قبيلة غمارة وتاريخها العريق، إلا أنه وأثناء حديثه عن المنطقة وتاريخها وقع له خلط كبير في تصنيف الانتماء العرقي للقبيلة الغمارية، كما ضخم من بعض الظواهر التي يستحيل أن تكون مستتبة بين تلك الجبال في تلك الفترة. وبالرغم من ذلك، إلا أن ما جاء به من معلومات قيمة حول المنطقة وما تزخر به من مميزات، في فترة كان الاهتمام بالإنسان والمجال واللغة شبه منعدم، تكتسي أهمية بالغة، ستساهم وبلا شك في تطعيم الأبحاث المنجزة حول الظاهرة اللغوية بالمنطقة وخصوصياتها.

ب- جورج سیرافین كولن (1929م):

يعتبر الباحث «جورج سیرافین كولَنْ»، وهو سِلاليًّ، یعني -اختصاصي في السِّلالة- وهو علم یبحث في أصول السُلالات البشرية. وقد اهتم بسلالات البربر وبلغتهم البربریة وبمختلف لهجاتها، خصوصا في المغرب الأقصى. وهو من أوائل من اهتم بالشلحة الغمارية وأفرد مقالا خاصا بها.[53]

فلم يفت كولن أن يشير إلى استفحال ظاهرة التعريب في المنطقة، والتي بدأت ملامحها تظهر في اقتصار الحديث بها على العجائز فقط، «ففي قبيلة بني سميح الغمارية كبار السن في القبيلة هم (سكان مداشیر أفْغْل، إقرَّاوْشْن وبني بویَحْمد) يفهمون البربرية بعض المرات، لكنهم لم یعودوا یتكلمونها»[54].

بالإضافة إلى إشارته إلى بداية اقتصار الشلحة الغمارية على العجائز فقط، أشار كولن إلى انتهاء الحديث بالشلحة الغمارية في بعض أرباع بني منصور، حيث كانت الشلحة هي لغتهم سابقا. «ففي نفس هذه القبیلة، في الربع دْ افْرانْ اعْمان، كان سكان المداشیر التالیة یتكلمون بالبربریة وهي: افران اعمان، الخمیس وأزاغار، لكنهم الیوم لم يعودوا یتكلمون إلا العربیة»[55].

ت- دراسة جمال الحنوشي (2010م):

في دراسة جديدة قام بها الدكتور جمال الحنوشي حول البنية التركيبة والنحوية في الشلحة الغمارية ومميزاتها التي تمتاز بها؛ وهي دراسة ميدانية معمقة أخذ عليها الدكتور جمال الحنوشي شهادة الدكتور من الجامعة البريطانية، ذكر هذا الباحث عدة نتائج تبرز الاختلافات القائمة بين دراسة كولن سنة 1928م، وبين ما صارت عليه القبيلة الغمارية، وكانت أبرز هذه الاختلافات تخص التقسيم الجغرافي لقبيلة بني بوزرة، وكذا الخلط بين النفوذ الترابي للقبائل الغمارية، ومن جهة أخرى تدقيق المعلومات حول تعرب الأرباع المدروسة. وقد ركز في هذا الإطار على الاختلافات التي تخص الدواوير التالية، والتي عدها كولن ضمن متكلمي الأمازيغية (بوحمد، وسيكين، وأمطيقان) [56].

4- خصوصية اللهجة الغمارية وإشكالية تغلل اللغة العربية فيها:

الشلحة الغمارية» هي لهجة أمازيغية تنتمي إلى عائلة اللهجات الأمازيغية الشمالية، ويتكلمها حوالي: (10.000) شخص في المغرب نواحي مدينة الشاون. يقطن أغلب الناطقين بهاته اللهجة في الريف الغربي. من الدواوير التي لازالت محافظة على هاته اللهجة: أغلب مناطق بني بوزرة وجزء من فرقة بني منصور (بني عروص). وتتقارب كثيرا أمازيغية غمارة مع أمازيغية صنهاجة.

ويسمي أهل غمارة بربريتهم الشلحة. والذين سافروا منهم في المنطقة الشمالية لاحظوا أنها تقترب من بربرية الريف، ومن بربرية صنهاجة دْ السّْرايْر وكذلك من بربرية سوس. كما أنها تقترب من لهجة صنهاجةـ خصوصا كلام تركيست حيث أنهم يفهمونها بكل سهولة، ولكن في المقابل، فإن اللهجة الغمارية تختلف كثيرا عن الأمازيغية الزناتية بالريف ويصعب التفاهم بينهما. إن اللهجة العربية متداولة في كل المداشير الغمارية التي تتكلم بالأمازيغية، ووحدهن بعض العجائز لا زلن يقتصرن على التكلم بالأمازيغية وحدها، أما في الأسواق فلا يتكلم الناس إلا العربية. وللشلحة الغمارية خصوصيات تختلف بها عن باقي اللهجات الأمازيغية الأخرى، وهذه أبرز الخصوصيات التي تتميز بها الشلحة الغمارية:

أ- تغلغل اللغة العربية في الشحلة الغمارية:

تغلغلت في الشلحة الغمارية مفردات اللغة العربية تغلغلا كبيرا، فالتعبير عن النفي أو الاستفهام مثلا يتم بواسطة أدوات نحوية مأخوذة عن العربية، ونجد كلمات عربية كاملة تندس في المحادثات بالأمازيغية، في نفس الظروف التي تندس فيها كلمات إسبانية في المحادثات بالعربية أو ببربرية الريف عند قبائل الريف.

وتتميز الشلحة الغمارية بقدرتها على احتواء اللفظ العربي وتمزيغه، عبر إضافات تكون إما في بداية اللفظ(الحمام/تحمامن) أو في نهاية اللفظ (الأفعى/لفعاذ)، وفي بعض الأحيان تضاف هذه الألفاظ بدون أي تغيير (القائد/الباشا، القنطرة…). وظاهرة اندساس مجموعة من الألفاظ العربية بشكل كامل أو جزئي، ظاهرة صارت تهدد الشلحة الغمارية كثيرا، بل أصبحت تهدد بنية ومعنى الألفاظ الأمازيغية على حساب اللغة العربية الدارجة.

ب- الخصوصية النحوية:

وفي هذا الإطار سنحاول أن نبرز أهم الخصوصيات التي تمتاز بها الشلحة الغمارية في بنائها النحوي، وذلك انطلاقا من تبيين أهم القواعد التي تسير بها هذه اللهجة، مركزين فقط على خصوصية الاسم وأهم التغيرات التي تطرأ عليه.

* – الاسم في الشلحة الغمارية:

تتميز الاسماء في الشلحة الغمارية بكونها غير قابلة للتثنية، شأنها في ذلك شأن باقي اللغات أو اللهجات. وتتميز اللغة العربية بخاصية التثنية على عكس اللغات الأخرى. أما فيما يخص الشلحة الغمارية، فإن الأسماء المفردة لها قواعد معينة سنذكرها كالتالي:

* – الاسم المفرد المذكر:

تبتدأ أغلب الاسماء المفردة المذكرة في الشلحة الغمارية بحر الألف (أ)[57].

* – الاسم المفرد المؤنث:

تبتدأ أغلب الأسماء المؤنثة في الشلحة الغمارية، بحرف أو حرفين (ت/تا)[58].

* – اسم الجمع المذكر:

تشتق أغلب جموع الأسماء المذكرة في الشلحة الغمارية من مفرداتها، وهي على خمس صيغ. وحينما تدخل على الاسم تقع بعض التغيرات في اللفظ المراد جمعه، ومن بين هذه التغيرات:

– الابتداء بحرف (إِ).

– الابتداء بحرف (إِ) والانتهاء بحرف (نْ)[59]؛

5- واقع الشلحة الغمارية في الفترة الراهنة:

وعلى العموم فإن وضعية الشلحة الغمارية في تلك الفترة التي كان المؤلف يقوم بدراسته الميدانية، جد مطمئنة فمن خلال هذه المعطيات التي توصل إليها من المقابلات الشفوية التي قام بها مع المخبرين الذين استعان بهم في جمع المعلومات حول وضعية الشلحة الغمارية، نستنج أن الشلحة ما زالت متداولة في كثير من المناطق، سواء بين فئة الصغار أو الكبار. وفي هذا الإطار سيتحدث عن عينة من المخبرين الذين استقى منهم هذه المعلومات. وهذه أبرز النتائج التي توصل إليها[60]:

– جماعة بني منصور وبني بوزرة مازالوا يتحدثون الأمازيغية كما سلف الذكر؛

– عدد المتكلمين بها حوالي عشرة الأف شخص، وهذا ما يبين أن هذه اللغة لم تنقرض، وربما هي على وشك الانقراض، كما أخبر هستدنت؛

– هنالك دلائل أخرى على أن هذه اللغة ليست على حافة الانقراض، واحدة من هذه الدلائل، هي أن هذه اللغة يتحدث بها الأطفال وليس الشيوخ فقط؛

– الأطفال يتكلمون هذه اللغة في البيت؛

– في بوحمد وجد المؤلف طفلا ذو عشر سنوات يتكلم ويفهم الأمازيغية؛

– دوار أمطيقان يتحدث الأمازيغية بالكامل.

– حقيقة أن الجيب اللغوي للغمارية قد تحمل لفترة طويلة متغيرات الزمن يطرح سؤال عن العوامل التي عززت الأمازيغية في هذه المناطق والدارجة المغربية في المناطق الأخرى.

وانطلاقا مما توصل إليه الباحث في عمله الميداني، نستنتج أن هذه النتائج المتوصل إليها تؤكد أن الشلحة الغمارية ماتزال في وضعية جيدة، وأنه وإن ضيقت اللهجة الدارجة على نفوذها، إلا أن النطاق الجغرافي لها مازال في موقعه، بالرغم من اندثارها في بعض المناطق.

خاتمة:

على سبيل الختم، أحب أن أشير الى قضية أساسية تتعلق بهوية منطقة الريف الغربي، ويتعلق الأمر بأمازيغية قبيلة غمارة، وهي من الفئات اللغوية المهددة بالانقراض، وكانت قديما تمتد من نواحي بادس إلى سهول بني حسن حيث قبائل تامسنا. وحاليا انحصر مجال تداولها في إلى درجة خطيرة جدا.

تنتشر أمازيغية غمارة في منطقتين رئيسيتين، ويتعلق الأمر بجنوب ووسط قبيلة بني بوزرة، وكذا بشمال قبيلة بني منصور. وقد تقلص عدد المتحدثين بها (10000 فرد) إلى درجة جعلت منظمة اليونيسكو تدق ناقوس الخطر، فصنفت هذه اللغة ضمن اللغات المحتضرة، بالإضافة إلى أمازيغية صنهاجة سراير.

وغير مبادرات يشرف عليها مجموعة من الباحثين الغيورين على التراث المحلي في منطقة صنهاجة سراير والريف، فإننا لا نكاد نرى أي مجهودات أخرى محلية في هذا الصدد. وبالتالي يمكن أن نقول بأن الباحثين في المنطقة وصلوا إلى نوع من القطيعة بينهم وبين الهوية التي تمثلهم، وذلك بسبب استبعادها من دائرة الدراسة والبحث الأكاديمي.

وفي الفترة الراهنة، صار أغلب الأهالي يتحاشون الحديث بهذه اللغة بينهم، كما صار أغلبهم يرفض تعليمها لأطفاله. وهذا الأمر ان استمر سيؤدي تدريجيا الى التعجيل بتعريب المنطقة، وبالتالي فقدان سمة التنوع والتعدد اللغوي والاثني الذي ميز المنطقة منذ القدم.

أما على المستوى السياسي، (حيث الانتخابات البرلمانية والجماعية) تغيب هذه القضية (كون هذه اللهجة مهددة بالاندثار) في كل البرامج الانتخابية لكل المنتخبين الذين يمثلون المنطقة والإقليم، فهل ستقوم بعض جمعيات المجتمع المدني بما أهمله السياسيون وأصبح دورها منحصرا في التطبيل للسياسة والسياسيين!؟

المصادر والمراجع:

* كتب:

– ابن خلدون، عبد الرحمن، ديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والبربر ومن عاصرهم من ذوي الشأن الأكبر، تحقيق: خليل شحادة، دار الفكر، بيروت، الطبعة الثانية، 1408 هـ – 1988م.

– ابن منصور، عبد الوهاب، قبائل المغرب، الرباط، منشورات المطبعة الملكية، طبعة سنة: 1968م، الجزء الأول.

– أدرداك، شريف، إشكالية الأقليات اللغوية بالمغرب: أمازيغية «صنهاجة سراير» نموذجا، منشورات مجلة تدغين للأبحاث الأمازيغية، الحسيمة، 2018.

– داود، محمد، تاريخ تطوان، منشورات المطبعة المهدية، تطوان.

– مولييراس، أوجيست، المغرب المجهول: اكتشاف جبالة، ترجمة: عز الدين الخطابي، منشورات تيفرازناريف، مطبعة النجاح، الدار البيضاء، 2013م، الجزء الثاني.

– الوزان، محمد الحسن الفاسي، وصف إفريقيا، ترجمة: محمد حجي ومحمد الأخضر، دار الغرب الإسلامي، بيروت، الطبعة الأولى، 1983م.

* مقالات:

– أبو سليمان، محمد، مجلة السلام، تطوان، العدد التاسع، سنة 1934م.

– أعراب، سعيد، بني بوزرا، موسوعة معلمة المغرب، 4/1509.

– المودن، موسى، التعدد اللغوي في شمال المغرب بين خطر الاندثار وإمكانية التثمين (اللهجة الغمارية نموذجا) مجلة الدراسات الثقافية واللغوية والفنية، منشورات المركز الديمقراطي العربي، العدد الثامن، السنة: 2019م، ص ص 224 – 243.

* الإحصاءات:

المملكة المغربية، المندوبية السامية للتخطيط، « الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2014م» (pdf) (باللغتين العربية والفرنسية). صفحات 61–62. اطلع عليه بتاريخ 20-4-2021م.

* كتابات باللغات الأجنبية:

Colin, Georges S., Le parler berbère des Ġmāra, 1929.

– El Hannouche J., Ghomara Berber: A brief grammatical survey, 2008.


[1] ابن منصور، عبد الوهاب، قبائل المغرب، الرباط، منشورات المطبعة الملكية، 1968م، 1/301.

[2] ابن منصور، قبائل المغرب، 1/333.

[3]  ابن خلدون، عبد الرحمن، ديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والبربر ومن عاصرهم من ذوي الشأن الأكبر، تحقيق: خليل شحادة، دار الفكر، بيروت، الطبعة الثانية، 1408 هـ – 1988 م، 6/280-281.

[4]     نفسه.

[5]  يقصد بني نال. وهي قبيلة غمارية انقسمت على نفسها، وانقرض استعمال هذا اللفظ. اللهم من أسماء قليلة لعائلات ذات أصول نالية.

[6]  اغزاوة حاليا.

[7]  انقرضت هذه القبيلة حاليا وحلت محلها قبيلة أنجرة وبني يدر وغيرها.

[8]  يقصد البحر الأبيض المتوسط.

[9]  يقصد تجساس، التي تعرف حاليا باسطيحة، وفيها خرائب وآثار سالفة للغماريين القدامى.

[10] ابن خلدون، ديوان المبتدأ والخبر، م. س، 6/281.

[11] ابن خلدون، ديوان المبتدأ والخبر، م. س، 4/238.

[12]   نفسه.

[13] م. ن، 6/280.

[14]  نفسه.

[15]  قبيلة مجسكة، من كبريات القبائل الغمارية في الريف الغربي. بقي ذكرها ساريا في المصادر التاريخية إلى نهاية القرن الخامس عشر، حيث نلاحظ تغيرا جذريا في التقسيم القبلي لمناطق قبيلة غمارة.

[16]  ابن خلدون، ديوان المبتدأ والخبر، م. س، 6/280.

[17]  نفسه.

[18]  نفسه.

[19] داود، محمد، تاريخ تطوان، منشورات المطبعة المهدية، تطوان، 11/28.

[20]  حاليا لم تعد المدينة تضم أي جالية يهودية.

[21] أبو سليمان، محمد، مجلة السلام، العدد التاسع، تطوان، سنة 1934م، ص 8.

[22]   نفسه.

[23] داود، تاريخ تطوان، م. س، 11/29.

[24]   نفسه.

[25]   نفسه.

[26]   نفسه.

[27] داود، تاريخ تطوان، م. س، 11/29.

[28] المملكة المغربية، المندوبية السامية للتخطيط، الإحصاء العام للسكان والسكنى، سنة: 2014م.

[29]   نفسه.

[30] أبو سليمان، مجلة السلام، م. س، ص 8.

[31] أعراب، سعيد، بني بوزرا، موسوعة معلمة المغرب، 4/1509.

[32]   نفسه.

[33] الإحصاء العام للسكن والسكنى لسنة: 2014.

[34] الوزان، محمد الحسن الفاسي، وصف إفريقيا، ترجمة: محمد حجي ومحمد الأخضر، دار الغرب الإسلامي، بيروت، الطبعة الأولى، 1983م، 1/329.

[35] أبو سليمان، مجلة السلام، م. س، ص 8.

[36]  مولييراس، أوجيست، المغرب المجهول: اكتشاف جبالة، ترجمة: عز الدين الخطابي، منشورات تيفرازناريف، مطبعة النجاح، الدار البيضاء، 2013م، 2/249.

[37] الإحصاء العام للسكن والسكنى لسنة 2014.

[38] مولييراس، اكتشاف جبالة، م. س، 2/226.

[39] مولييراس، اكتشاف جبالة، م. س، 2/226.

[40]   نفسه.

[41] يقصد واد أمتار.

[42] مولييراس، اكتشاف جبالة، م. س، 2/227.

[43]   نفسه.

[44] ويقصد مدينة تيجساس أي السطيحات حاليا.

[45] مولييراس، اكتشاف جبالة، م. س، 2/223.

[46] حسب الإحصاءات الإسبانية التي وردت في: أبو سليمان، مجلة السلام، م. س، ص 8.

[47] أدرداك، شريف، إشكالية الأقليات اللغوية بالمغرب: أمازيغية «صنهاجة سراير» نموذجا، منشورات مجلة تدغين للأبحاث الأمازيغية، الحسيمة، 2018، ص 63.

[48]   نفسه.

[49] الخريطة مقتبسة من مقال: المودن موسى، التعدد اللغوي في شمال المغرب بين خطر الاندثار وإمكانية التثمين (اللهجة الغمارية نموذجا)، مجلة الدراسات الثقافية واللغوية والفنية، منشورات المركز الديمقراطي العربي، العدد الثامن، السنة: 2019م، ص 224 إلى 243.

[50] El Hannouche J., Ghomara Berber: A brief grammatical survey, 2008, p 22.

[51] Ibidem.

[52] سنركز في هذا الإطار على ثلاث دراسات رئيسية، الأولى تعود إلى مولييراس (1899م) كأقدم دراسة أنجزت على المنطقة ولغتها ولو بشكل جزئي. والثانية لكولن (1929م) التي هي أعمق من سابقتها. والثالثة حديثة في مضامينها، والتي أنجزت في الجامعة البرطانية بلندن، والتي قام بها الدكتور جمال الحنوشي سنة: 2008م. ولن نتعمق فيها بشكل كبير، بل سنركز على أهم ما جاءت به عبر نقاط مفصلة.

[53] نشر المقال في:    Colin, Georges S., Le parler berbère des Ġmāra, 1929, pp 43-58

[54] Colin, Le parler berbère des Ġmāra, Ob. Cit., pp 43-58.

[55] Ibidem.

[56] El Hannouche, Ghomara Berber, Ob. Cit., p 22.

[57] El Hannouche, Ghomara Berber, Ob. Cit., p 44.

[58] Ibid, p 45.

[59] Ibid, p 46.

[60] El Hannouche, Ghomara Berber, Ob. Cit., p 23.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.