(3) مع المتنبي؛ لمسات بيانية من حكمه
د. عبد الصمد بالخياط
(3) مع المتنبي
لمسات بيانية من حكمه
بقلم: د. عبد الصمد بالخياط
اللمسة الثانية:
يقول الشاعر:
لعلّ عَتْبَكَ مَحْمُودٌ عَوَاقِبُـــــــــــــه فرُبّمَا صَحّتِ الأجْسامُ بالعِلَلِ
يقول الشاعر أن العتاب واللوم على فعل معين، وهو شيء ثقيل على النفس، تنفر منه ولا تسترضيه، لن تكون عاقبته إلا خيرا، ولن يجني منه المرء إلا ثمار الخير، هذا طبعا إذا لم يكن مقصودا لذاته، أي لمجرد اللوم. وهو مثل المريض الذي يكون مرضه تنبيها له، فيعتني بصحته ويبعد عنها ما يضرها.
أنظر صنيع الشاعر وبديع ربطه بين معنيين، يبدوان بعيدين ولا رابط بينهما، بهذا التشبيه الضمني. المعنى الأول مجرد والمعنى الثاني ملموس. المعنى الأول المجرد يبقى غامضا في الذهن، بعيدا نوعا ما عن الإدراك، لكن المعنى الثاني يستجليه ويقربه من الواقع. ومتى كان التشبيه بعيد المرمى كان أوقع في النفس، حسب عبد القاهر الجرجاني. يبذل فيه المتلقي جهدا ذهنيا للوصول إلى مرماه. فلا شك أن المتلقي تستوقفه الصورة الثانية لتحليل مكوناتها، وتفكيك لُغزيتها، ليتوصل إلى إدراك الرسالة المتوخاة من الشاعر.