منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

مع المتنبي لمسات بيانية من حكمه

مع المتنبي لمسات بيانية من حكمه/ د. عبد الصمد بلخياط

0

مع المتنبي

لمسات بيانية من حكمه

بقلم: د. عبد الصمد بلخياط

قبل اللمسات:

          حين يترامى إلى آذاننا اسم الشاعر الكبير المتنبي، فإن أول ما نستحضره هو تلك القولة المشهورة التي قيلت في حقه، حتى أصبحت ملازمة له، وظلا لاسمه، إنها قولة ابن رشيق القيرواني: “ثم جاء المتنبي فملأ الدنيا وشغل الناس”

         إن عالم المتنبي عالم غائر، جمع بين المتناقضات في حياته وشعره، فتضاربت الآراء والمواقف من شخصيته، في زمنه وإبان حياته إلى عصرنا الحالي، ولا أدل على ذلك إلا مؤلفات من قبيل الموازنة للآمدي والوساطة للقاضي الجرجاني.

       لقد اتهمه بعضهم في عقيدته بادعاء النبوة، مستندين في رأيهم إلى قوله:

ما مقامي بأرض نخلةٍ إلّا       كمقام المسيح بين اليهود

أنا في أمَّـةٍ تداركهـــــــــــــــــــا الله        غريبٌ كصـالح في ثمــــــــــــــــــــود

وبرأه آخرون، فجعل التهمة افتراء عدائيا للنيل من شخصه، وعلى رأسهم محمود شاكر الذي ألف سِفْرا ضخما عن المتنبي سماه: المتنبي: “رسالة في الطريق إلى ثقافتنا”، أحاط فيه بسيرة المتنبي وانبرى مدافعا عنه بقوة، للرد على التهم الموجهة للشاعر. واتهمه البعض بالشحاذة وتضخم الأنا، باعتبار ما يزخر به شعره من المدح طلبا للعطاء، فتجند آخرون لدفع هذه التهمة، واعتبروها جناية في حقه، مستشهدين بما يظهره في شعره من عزة النفس وأنفتها، وترفعها، وما يظهره من قوة الشخصية وعدم الخضوع أو إعطاء الدنية. وذهب آخرون إلى النيل حتى من عروبته، متكئين على ما بدا في شعره من هجائه لحالهم، بينما اعتبر أمثال شوقي ضيف ذلك استنهاضا لهم، لما رآه من الضيم الذي لحق بهم من أعدائهم دون قدرتهم على نفضه من على رقابهم.

        إنه حقا الشاعر الذي “ملأ الدنيا وشغل الناس”

        ومهما بلغ الاختلاف بين النقاد حول شخص المتنبي، فإنهم لا يكادون يختلفون حول شاعريته وبراعته البيانية، وبلوغه شأوا عظيما في النسيج الشعري. ولقد عرف المتنبي أيضا بالحكمة في شعره، وجاءت متناثرة في ثنايا قصائده، فلا تكاد تجد قصيدة لا تخلو من هذه الحكم، تكون غالبا مرتبطة بسياقات مختلفة، وتنم عن نظرة عميقة، وتنبئ عن عمق تجربة.

       وليس غرضي من الموضوع تتبع هذه الحكم وسياقاتها، فذاك بحث آخر ومشروع ليس هنا مكان بسطه، وسيأتي حينه. وإنما مرماي الوقوف على رسالتها وعمقها، ارتباطا بقالبها البلاغي، لبيان تلاحم الشكل بالمضمون. فتجتمع بذلك حكمة الشعر وسحر البيان. أما اختيار الحكمة فلأنها ضالتنا ومبتغانا في زمن أصبح الإنسان منساقا مع التفاهات، مسترشدا بالعاهات. فالشعر رسالة، وليس مجرد نظم فارغ، يتخذ اللغة البليغة، أو ما يسمى بالصورة البلاغية، أداة لإيصال الرسالة حتى تستقبلها النفس وتجد لها وقعا وأثرا.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.