مفهوم الذرة من منظور علماء الطبيعة العرب بين القرنين (9-14م)
مفهوم الذرة من منظور علماء الطبيعة العرب بين القرنين (9-14م)/ د. سائر بصمه جي
مفهوم الذرة من منظور علماء الطبيعة العرب بين القرنين (9-14م)
The Concept of the Atom from the Perspective of Arab Naturalists from the 9th to the 14th Century
د. سائر بصمه جي
باحث متخصص في التراث العلمي العربي – حلب – سوريا
ملخص:
مع وصول النظرية الذرية اليونانية إلى علماء الطبيعة (علماء الفيزياء والكيمياء) العرب والمسلمين، حاولوا تجاوز الميدان الديني الذي خاض فيه أصحاب الكلام، ونقلها لتكون قضية مطروحة للبحث في إطار الطبيعة والفلسفة الطبيعية، وهذا ما نجده عند ممثلي الفلسفة المشائية أمثال ابن سينا، ومن المستقلين عن تلك الفلسفة البارزين الأعلام أمثال البيروني وأبي البركات هبة الله بن ملكا البغدادي. فقد مهّدت الفلسفة الكلامية الذرية والمماحكات الفكرية التي طرحها المتكلمون والفلاسفة المسلمون الطريق أمام علماء الطبيعة، بحيث إنهم أخذوا تصوراً عاماً عن مفهوم الذرّة، وبات عليهم الآن أن يتحققوا عملياً من مقولات الفلاسفة على مختلف مشاربهم. أي سواء الذين قالوا بإمكانية تجزئة الذرة أو الذين قالوا بعدم إمكانية تجزئتها. وهذا يعني بداية إخضاع الطبيعة للمنطق العلمي.
لقد دُرست النظرية الذرية العربية من وجهة نظر علماء الكلام كثيراً، إلى درجة ظنّ الكثير من الباحثين أنها النظرية التي تعبّر عن النظرية الذرية العربية النهائية، لكننا كنا نعتقد أن هذا الظن لا يغني من الحق شيئاً؛ لذلك قررنا الخوض في غمار التراث العلمي العربي والبحث عن النظرية العلمية الذرية التي يجب أن تأخذ مكانها في تاريخ العلوم العام. لذلك فإننا نهدف من خلال هذا البحث استكشاف النظرية الذرية كما صاغها علماء الطبيعة العرب، وذلك بين القرنين (9-14م)، متبعين في ذلك المنهج التاريخي.
الكلمات المفتاحية: الذرة، الطبيعة، النظرية، الفيزياء، الكيمياء.
Abstract:
With the arrival of the Greek atomic theory to the Arab and Muslim naturalists (physicists and chemists), they tried to move the issue from the religious field in which theologists had long debated to make it an issue for research in the domain of nature and natural philosophy; this is what the advocate of peripatetic philosophy such as Ibn Sina did besides to prominent figures who took an independent line like Al-Biruni and Abu Al-Barakat Hibatullah Ibn Malak Al-Baghdadi. Atomic theological philosophy and intellectual disputes discussed by Muslim theologists and philosophers had paved the way for natural scientists. They in fact took a general conception of the atom notion and they, at the time, had to practically verify the statements of philosophers from different schools. That is to say, those who assumed the atom is divisible or those who thought otherwise, meaning indivisible. This means it was the beginning of submitting nature to scientific reasoning. On these bases, this research aims to explore the atomic theory as formulated by Arab naturalists from the 9th century to the 14th AD adopting the historical method.
Key words: Atom, Nature, Theory, Physics, Chemistry, Arab Scholars.
مقدمة:
لقد كان كل من الفارابي وابن سينا يعتبران الخوض في الحديث عن الجسم الطبيعي والإجابة عن السؤال: هل هو متناه أم غير متناهٍ، وهل هو مكوّن من هيولى وصورة، وهل هو مكوّن من ذرات، كلها موضوعات يجب أن تُدرس في إطار علم الطبيعة[1].
التلازم بين الجانب النظري والجانب العملي الذي أسهم في انتظام وتنظيم أفكار النظرية الذرية العربية كان يرتكز على فلسفة منطقية لخّصها لنا ابن خلدون بعبارة شديدة البلاغة والإيجاز قال فيها: « أول العمل آخر الفكرة، وأول الفكرة آخر العمل»[2]. إذْ يعتبر أن ما يميز الأفعال البشرية عن أفعال غيرهم من المخلوقات هو الترتيب والتنظيم وفق أسس منطقية. ويضرب لذلك مثلاً بقوله: من أراد أن يبني منزلاً لابد أن يخطط له ويبدأ بالأساس ثم يرفع الجدران ثم يضع السقف على الجدران. ونحن نرى أن مقولة ابن خلدون قد تجسدت تماماً في الكيمياء العربية. حيث إن الكيميائيين العرب قد اختاروا ما يمكنهم البناء عليه من أسس نظرية ذرية لتفسير ما سيحدث معهم في أثناء عملهم في الكيمياء.
في الواقع لم يكن بُدّ أمام أصحاب الصنعة (الخيميائيين) والكيميائيين التجريبيين إلا تبني القول بوجود الذرة. وذلك لأنهما سيتعاملون مع المقادير الدقيقة من المادة حتى يتسنى لهم إجراء التفاعلات ومحاولة الحصول على الاكسير والوصول إلى طريقة تمكنهم من تحويل الفضة إلى ذهب. كما أن الكيميائيين التجريبيين وجدوا أن التعامل مع المواد المسحوقة والمطحونة إلى أقصى درجة أفضل من التعامل مع المواد ذات البنية الحبيبية الكبيرة.
لقد خضنا غمار البحث في مئات المخطوطات الكيميائية العربية التي وصلتنا، لأن علم الكيماء كان -كما يقول ابن وحشية- « جزءٌ من العلم الطبيعي»[3]. كما أننا بحثنا في المخطوطات التي ركزت على الطبيعيات وبحثت في أصل المادة، وحاولنا استجلاء ما جاء فيها من أفكار ونظريات تتعلق بالذرة، وقمنا بوضع ما استطعنا استخلاصه منها حسب ترتيبها الزمني.
المبحث الأول: القرن (3هـ/ 9م)
جابر بن حيان:
لقد تأثر جابر بن حيان (توفي 200هـ/ 815م) بالمناخ العام الذي كان سائداً في عصره، والمنشط من قبل المتكلمين والفلاسفة، حول النظرية الذرية. فهو يعتبر أنّ» العلوم الطبيعية والنجومية والحسابية والهندسية داخلةٌ في جملة العلم الفلسفي». حتى أنّ تعريفه للفلسفة كان « العلم بالأمور الطبيعية وعللها القريبة من الطبيعة من أعلى والقريبة والبعيدة من أسفل»[4].
اعتبر جابر الجوهر الفرد (الذرة) – وليس الهيولى كما قال أرسطو – هي الشيء الأساسي في الكون التي تتكون منها الأجسام كلها، وعندما تتحلل الأجسام فإنها تعود إلى ذراتها الأولى. وقد حاول أن يوضّح للقارئ مثال عن الذرة فضرب لذلك جسيمات الهباء المتناثرة التي نراها عندما يسقط عليها شعاع ضوء الشمس.
قال جابر: « فأما الجوهر – عافاك الله – فهو الشيء المملوء به الخلل وهو المشكّل بكل صورة وفيه كل شيء ومنه كل شيء يتركب وإليه ينحلّ كل شيء. وإن كنت لا تعلم ما هو من هذا القول فهو الهباء ولونه إلى البياض ما هو، فإذ وقفت عليه الشمس انقدح وظهر. فينبغي أن تعلم أن ذلك هو نفس جرم الفلك المنير الأعظم – سبحان خالقه وتقدست أسماؤه – وهو الجسم الذي في سائر الموجودات الثلاثة التي هي الحيوان والنبات والحجر. وليس يمكن أحداً لمسه ولا إذا مسّه وجد له لمساً ولا يقدر أن يأخذ منه شيئاً بيده إلا أن بارئه جلّ جلاله يدبره كما يشاء»[5].
ونلاحظ من النص السابق أن جابر يريد أن يبين موقفه مباشرة من نظرية الجوهر الفرد، بأنها تدل على الخالق سبحانه وتعالى، فهو لا يريد أن يدخل في الجدل اللاهوتي الذي دخل به المعتزلة والأشاعرة مع بعضهم، وإنما أراد أن يصل لوجهة نظر تمكننا من تفسير الظواهر الطبيعية.
وقد مضى جابر بشكل أعمق في محاولته لتفسير كيفية تشكل المادة في الطبيعة. حيث إنه صاغ نظريته وفق الطريقة الآتية: إنّ الذرة تظهر في أول أمرها بهيئة غير حسية، أو لا مادية (تكون جسماً)، لكنها عندما تقبل لوناً أو شكلاً معيناً، تصبح مادية (تصبح جسداً). فالطبائع الأربعة اللامادية تصبح مادية عندما تتحد مع الطبيعة الخامسة (الأثير). كما فسّر التوليد المستمر للأجسام من خلال وجود دائرة أطلق عليها اسم (دائرة الخلاء)، وهي تقع دون دوائر الطبائع الأربع المركزية. وهو يرى أن النفس ترتبط في هذا الخلاء بالذرات اللامادية ثم تنمو معها، ثم ترتبط بالطبائع الأربع على التوالي، وبذلك تتكون منها الأجسام. وليس في العالم المادي خلاء إذا مليء الخلل ما بين الطبائع بالذرات. مع تأكيده أن كل مادة تتركب من مقادير دقيقة من الطبائع تختلف فيها عن مادة أخرى[6].
ويذكر الباحث عمار النهار أن جابر بطروحاته تمكن من تأسيس نظرية ذرية مفادها «أنّ جميع المواد تتكون من جسيمات صغيرة جداً دائبة الحركة ولا تقبل التجزئة، وإنّ جسيمات المادة الواحدة متشابهة في الخواص ومتساوية في الوزن، كما تختلف جسيمات المواد عن بعضها بعضاً، وعندما تتحد جسيمات المواد فإن الاتحاد يكون بين ذراتها الصحيحة»[7].
وقد نتساءل كيف طبق جابر مفهومه عن الذرة، في مجالٍ عملي وتطبيقي مثل الكيمياء؟ يبدو أن الأمر تطلّب منه إجراء تعديلات على نظرية العناصر الأربعة اليونانية، وهكذا خرج بنظرية (الزئبق والكبريت) المنافسة، بحيث يمثل الزئبق الخصائص المعدنية في المادة، والكبريت يمثل خصائص المادة الأولية القابلة للاحتراق. وهكذا يمكن للعلماء التعامل عملياً مع عنصرين رئيسيين بدلاً من أربعة في تحديد نسب المواد المتفاعلة مع بعضها، وبالتالي يمكنهم تفسير ما يحدث بسهولةٍ أكبر.
في الواقع لم يكن جابر ليستطيع تحضير كبريتوز الزئبق (الزنجفار) لولا افتراضه أنه يتعامل مع ذرات، التي أطلق عليها (دقائق صغيرة). وهنا نراع يقول: «لتحويل الزئبق إلى مادة صلبة حمراء، خذ قارورة مستديرة وصبّ فيها مقداراً ملائماً من الزئبق واستحضر آنية من الفخار بها كمية من الكبريت حتى يصل إلى حافة القارورة، ثم أدخل الآنية في فرن واتركها فيه ليلة بعد أن تُحكم سدّها، فإذا ما فحصتها بعد ذلك، وجدت الزئبق قد تحوّل إلى حجر أحمر، وهو ما يسميه العلماء بالزنجفار، وهي ليست مادة جديدة في كليتها، والحقيقة أن هاتين المادتين لم تفقدا ماهيتهما، وكل ما حدث أنهما تحولتا إلى دقائق صغيرة امتزجت ببعضها، فأصبحت العين المجرّدة عاجزة عن التمييز بينهما، وظهرت المادة الناتجة من الاتحاد متجانسة التركيب، ولو كان في قدرتنا وسيلة تفرّق بين دقائق النوعين لأدركنا أن كلاً منهما محتفظ بهيئته الطبيعية الدائمة»[8]. ويعتبر الباحث عبد الحليم منتصر أن هذا النص يعبّر تعبيراً واضح الدلالة عن الاتحاد الكيميائي، وهو يشابه كثيراً الوصف الذي جاء به الكيميائي البريطاني جون دالتون (توفي 1844م) J. Dalton[9].
لقد حاول جابر أن يخرج من الإطار الأرسطي في تفسير الظواهر الطبيعية اعتماداً على النظرية الذرية؛ لذلك افترض أن العناصر الأربعة هي جسيمات وأن أجزاء العناصر تتحد معاً في مجموعات مستقرة لتشكيل أجزاء من الزئبق والكبريت. هذه الأجزاء من الزئبق والكبريت «ذات تركيبة قوية جداً». أي أنها تقاوم التفكك عن طريق التسخين الشديد أو أي من المعالجات الأخرى من الذخيرة التجريبية الكيميائية التي قد تتعرض له. وقدم جابر دليلاً تجريبياً على التركيب الجسيمي للكبريت والزئبق الذي ينطوي على تساميهما. وعندما يتم تسخينها، يترسب الزئبق على شكل قطرات صغيرة والكبريت في مسحوق ناعم حتى «يبدو أنه يكشف عن تركيبها الجسيمي للعين المجردة». علاوة على ذلك، فقد يتسامى ككل دون ترك أي راسب. ويعتبر هذا دليلاً على الدرجة التي ترتبط بها أجزاء الزئبق والكبريت معاً كمجموع مقاوم للانفصال عن بعضه. وبذلك يكون جابر قد رسم الصلة بين سهولة التسامي وحجم الجسيمات. أي أن مكونات المادة المصنوعة من جزيئات صغيرة تُدفع بسهولة عن طريق الحرارة أكثر من تلك المصنوعة من الجزيئات الكبيرة. ويمكن تحقيق الفصل، أولاً عن طريق التسخين اللطيف نسبياً، الذي يطرد المواد المكونة من أجزاء صغيرة الحجم، ثم من خلال مراحل تسخين أكثر شدة تدريجياً والتي ستطرد المواد ذات الأجزاء الأكبر تدريجياً. وهذا يفسر، على سبيل المثال، كيف يمكن إخراج فائض الكبريت من خامات المعادن، تاركاً المعدن وراءه. كما عزا جابر أيضاً كثافة المواد إلى الدرجات المختلفة التي تتراكم بها الجزيئات المكونة لها بشكل وثيق. وبناءً على هذا التفسير، فإن أجزاء العناصر التي تتماسك لتشكل أجزاء من الزئبق والكبريت، وأجزاء الأخير التي تتماسك لتشكل أجزاء من المعادن التي هي الأجزاء الأقل (الحدود الدنيا الطبيعية natural minima). وهناك افتراض آخر وهو أن الأجزاء الأقل من مادة واحدة، مثل الأرض أو الزئبق أو الذهب، كلها متشابهة. بقدر ما تكون مواد مثل هذه متجانسة، فهي ليست كذلك بالمعنى الدقيق لتعريف أرسطو في «الكون والفساد» لأنها ستفقد هويتها كمواد من نوعها بمجرد تقسيمها إلى ما وراء مستوى أجزائها الصغرى[10].
لقد عاد الكيميائيون الأوربيون في القرن 16م لنظرية جابر مع محاولة تطويرها. فقد أضاف باراسسيلسوس (توفي 1541م) Paracelsus عنصراً ثالثاً هو (الملح). إذْ عندما كان يعمل الكيميائي في تجاربه ويقوم بتقطير معظم المواد الأولية فإنه كان يحصل على ثلاثة مكونات: صلبة (الملح)، وسائلة (الزئبق)، ومتطايرة (الكبريت). وبذلك فقد أراد باراسسيلسوس أن يكون المنظور الفلسفي لنظريته الجديدة أفلاطونية جديدة تماماً أكثر منها أرسطية[11].
وقد بالغ بعض الكتاب المعاصرين في مدى معرفة جابر في بنية الذرّة. حيث قال الكاتب كنعان كوج أوغلو: «الشائع حالياً أن البحوث المتعلقة بالذرة بدأت من قبل العالم البريطاني جون دالتون (توفي 1844م) J. Dalton. وأن فكرة إمكانية تجزئة نواة اليورانيوم طُرحت من قبل العالم الألماني أوتوهان (توفي 1968م) O. Hahn. ولكن الحقيقة هي أن العالم المسلم جابر بن حيان الذي كان رئيس جامعة حران التي كانت تُعد من أكبر المراكز العلمية، سجل في كتاب له معلومات لا تزال تدهش رجال العلم الحاليين. فقد قال: «إن أصغر جزء من المادة وهو الجزء الذي لا يتجزأ (الذرة) يحوي على طاقة كثيفة. وليس من الصحيح أنه لا يتجزأ مثلما ادعى علماء اليونان القدامى، بل يمكن أن يتجزأ، وأن هذه الطاقة التي تنطلق من عملية التجزؤ هذه، يمكن أن تقلب مدينة بغداد عاليها سافلها. وهذه علامة من علامات قدرة الله تعالى»»[12].
لكن الباحث كوج أوغلو لم يشر إلى المصدر الذي أخذ أعنه هذه المعلومات لنقوم بمراجعته أو تفحّصه وتدقيق ما جاء في نصوصه. لذلك أعتقد أنه من المبالغة تقوّل كلام من هذا النوع عن لسان جابر دون دليل. إذْ من المعروف عن جابر بن حيان دقته في منهجه العلمي وطروحاته، وما كان ليقدم فكرة دون فهمه لمعناها أو دلالتها وأبعادها. من ناحية أخرى فإن التراث العلمي العربي فني عن أن يُنسب إليه ما لم يقم به، ونحن بدورنا نرفض طروحات من هذا النوع كونها تسيء لتاريخ العلوم العربية أكثر مما تُحسن إليها.
وما تأكّد لنا – بعد مراجعة نصوص جابر التي وصلتنا فعلاً – أنّ النظرية الذرية بلغت ذروتها عند جابر عندما أسس ما سماه «علم التكوين». وقد كان يقصد به عملية التخليق الصنعي التي يمكن للإنسان أن يقوم بها من خلالها تركيب الأجسام من بعضها بعضاً. ولم يقصر علم التكوين على مملكة الجماد وحسب، بل وسعها لتشمل مملكة النبات والحيوان، فالطبيعة – حسب جابر – إذا «وجدت للتكوّن طريقاً <غير طريقها هي> استغنت به عن طريق ثان»، ويضبط ذلك كله «علم الميزان»، أي علم القوانين الطبيعية الكمية العددية التي يرتكز عليها تشكل المواد وفنائها في الطبيعة. وحسب تقييم الباحث عبد الرحمن بدوي فإن هذه «الفكرة هي أكبر محاولة قامت في العصور الوسطى من أجل إيجاد علوم طبيعية تقوم كلها على فكرة الكمّ والمقدار، وهي المثل الأعلى الذي سعى العلماء الطبيعيون المحدثون جهدهم إلى تحقيقه»[13].
الجاحظ:
انتقد أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ (توفي 255هـ / 869م) الذين تبنوا نظرية الجزء الذي لا يتجزأ (الذرة)، فهو كما نعلم من تلامذة إبراهيم النظام (توفي بين 221 -231هـ/ 836- 846م)، حيث قال: «فأما إذا قال بالجزء الذي لا يتجزأ، وزعم أن أقلّ الأجسام، الذي تركيبه من ثمانية أجزاء لا تتجزأ، أو ستة أجزاء لا تتجزأ، يستحيل جسماً على قدر طول العالم وعرضه وعمقه- فإنا لو وجدناه كذلك لن نجد بُداً من أن نقول: إنا لو رفعنا من أوهامنا من ذلك شبراً من الجميع، فإن كان مقدار ذلك الشبر جزءاً واحداً فقد وجدناه جسماً أقل من ثمانية أجزاء ومن ستة أجزاء. وهذا نقض الأصل. مع أن الشبر الذي رفعناه من أوهامنا، فلا بد إن كان جسماً أن يكون من ستة أجزاء أو من ثمانية أجزاء. وهذا كله فاسد»[14].
وقد أظهر الجاحظ تهكمه من نظرية الجزء الذي لا يتجزأ في ثلاثة مواضع: أحدهما في كتاب (التربيع والتدوير) حيث قال مخاطباً أحمد بن عبد الوهاب: «وأنت رجل تشدو من العلم وتنتف من الأخبار وتموِّه نفسك وتغرُّ من قدرك وتتهيَّأ بالثياب وتتنبَّل بالمراكب وتتحبَّب بحسن اللقاء؛ ليس عندك إلا ذلك، فلمَ تزاحم البحار بالجداول والأجسام بالأعراض، وما لا يتناهى بالجُزء الذي لا يتجزَّأ»[15].
والآخر في كتاب (البخلاء) وهو يسرد قصة جرت بين أبي كعب وموسى بن جناح: «قال (أبو كعب): وأتانا (موسى بن كعب) بأرزة ولو شاء إنسان أن يعد حبها لعده، لتفرقه ولقلته.
قال: فنثروا عليها لبكة من دبس مقدار نصف أسيكرة، فوقعت ليلتئذ في فمي قطعة، وكنت إلى جنبه، فسمع صوتها حين مضغتها، فضرب يده على جنبي ثم قال: «أجرش يا أبا كعب أجرش». قلت: ويلك أما تتقي الله! كيف أجرش جزأً لا يتجزأ؟»[16].
والثالث تعرّض له في كتابه (البيان والتبيين)، حيث قال: «وقال محمد بن الجهم للمكي: إني أراك مستبصراً في اعتقاد الجزء الذي لا يتجزأ، فينبغي أن يكون عندك حقا حقّاً. قال: أما أن يكون عندي حقا حقّاً فلا، ولكنه عندي حق»[17].
نستغرب من الجاحظ هذا الموقف التهكمي من النظرية الذرية الكلامية، مع أنه على المستوى التجريبي استطاع الجاحظ أن يستخرج روح النشادر وملح النشادر بوساطة عملية التقطير الجاف (أي تسخين المواد الصلبة في وعاءٍ خالٍ من الهواء حتى تتفكك أجزاء المادة). كما صاغ الجاحظ قانون حفظ المادة بصيغته المبسطة بقوله: «إن الجواهر لا تنعدم، وكذلك الأجسام لا تنعدم بعد وجودها، لكنّ الأعراض تتبدل»[18].
الكندي:
صنّف القفطي رسالة (كتاب في الجزء الذي لا يتجزأ)[19] ليعقوب بن إسحاق بن الصباح الكندي الكندي (توفي 252هـ/ 866م) تحت أعماله في (الجدليات). حيث رفض الكندي في تلك الرسالة القول بعدم انقسام الذرة، وردّ على من يقول بذلك.
وقد أشار الكندي إلى أن ذرات المادة الواحدة تكون متجانسة فالجزء « إما أن يكون جوهرياً، وإما عرضياً؛ والجوهري إما مشتبه الأجزاء وإما لا مشتبه الأجزاء؛ والمشتبه الأجزاء كالماء، الذي جزؤه ماءٌ بكماله، وكل ماء فهو قابل للتجزئة، فجزء الماء، إذْ هو ما بكماله، كثيرٌ؛ وأما لا مشتبه الأجزاء، أعني مختلف الأجزاء»[20].
المبحث الثاني: (القرن 4هـ/ 10م)
أبو بكر الرازي:
تعامل أبو بكر محمد زكريا الرازي (توفي 311هـ/ 923م) مع الذرات على أنها جسيمات طبيعية حقيقية لها حجمها في الجسم وأثرها وتأثيرها. وفسّر جميع الكيفيات التي تظهر في الأجسام حسب محتواها من الذرات والخلاء. وبذلك فإنّ طريقة تعامله مع الذرة تختلف عن طريقة تعامل المتكلمين. كما تختلف معالجته عن معالجة ديموقريطس وأبيقور من ناحية تأثير الخلاء على ثقل الذرّة[21]. فإذا تذكرنا أن ديموقريطس قد فسّر أن سبب الاختلاف بين العناصر يعود إلى اختلاف أشكال الذرات التي تتكون منها، لكنه وقع في تناقض واضح، لأنه لن يستطيع بذلك تفسير كيف يتحوّل عنصر إلى عنصرٍ آخر، وهو ما جعل أفلاطون ينتقده، لأن أفلاطون يعتقد بأن أجزاء النار مخروطية الشكل، والأرض مكعبة، وهكذا. لكن الرازي لجأ إلى فرضية أخرى، هي أن جزيئات الخلاء تكتنف المواد، ليفسّر اختلاف العناصر عن بعضها بغض النظر عن شكل الذرات المكوّنة لها، وقد استخدم هذه الفرضية ليفسّر سبب حدوث النار من قدح الحجر ببعضه[22].
الفارابي:
انتقد أبو نصر الفارابي (توفي 339هـ/ 950م) القائلين بأن الجسم يتكوّن من أجزاء لا تتجزأ بشكل لا نهائي، وافترض أنه لابد من وجود جوهر فرد لا يتجزأ. وقد وجه الفارابي لهم هذا الانتقاد لأن نظريتهم في تكوّن الأجسام وتحللها وهي تعجز عن تقديم تفسير محدد لتنوع الموجودات في العالم الذي نعيش فيه. بمعنى آخر، تصف نظريتهم حدوث الأجسام وفسادها عن طريق اجتماع الذرات وافتراقها، لكنها لا تبين المبادئ التي تتحكم بهذا الاجتماع والافتراق. لكن نقد الفارابي نفسه -الذي يرتكز على رأي أرسطو بشكل كبير- يرتكز على مفاهيم تجانب الصواب؛ مثل مفهوم القوة والفعل، التي تستقي من جذور ميتافيزيقية لا توضح العمليات الديناميكية للحدوث والفساد والاستحالة، ولذلك يسيطر التفسير الساكن على معظم أجزاء فلسفته الطبيعية[23].
المبحث الثالث: القرن (5هـ/ 11م)
ابن الهيثم:
أفرد الحسن بن الهيثم (توفي بعد 430 هـ/ 1040م) مقالة (في أبطال رأي من يرى أن العظام مركبة من أجزاء كل جزء منها لا جزء له)[24]. وقد حاول ابن الهيثم أن يوجد رابطاً بين طبيعة الفلك وطبيعة الضوء، لكنه في البداية يستعرض آراء من سبقه[25]، ثم قدم نظريته الخاصة في تقسيم الجسم، وكيف أن له حد سيتوقف عنده في هذه القسمة، ربما كان قد استفاد من المثال الذي طرحه ديموقريطس في تقسيم قطرة الماء، لكن الجديد الذي أضافه هو أن مجرّد وصول الجسم إلى أصغر مكوناته على الإطلاق فإنه سيتحول إلى شيء آخر يختلف في طبيعته عن طبيعة الجسم الأول.
قال ابن الهيثم: «فأما الزوايا التي تكون في الأجسام الطبيعية والتي تتخيل في الأجسام الطبيعية فليست تنقسم إلى ما لا نهاية له، والجسم الذي هي فيه هو على ما هو عليه، لأن الجسم الذي تتخيل فيه الزيادة لا يمكن أن ينقسم إلى غير نهاية، لأن كل جسمٍ طبيعي فإنه ينقسم إلى حدٍّ ما وهو على ما هو عليه من صورته، ثم إذا انقسم بعد ذلك خلع الصورة التي كانت له ولبس صورةً أخرى»[26].
لهذه الفرضية التي قدمها ابن الهيثم أهمية علمية كبيرة. إذْ أنها تشير إلى اكتساب الجسيم بنية جديدة تختلف في خواصها عن بنية الجسيم الذي يشكل المادة الأصلية عندما يصل إلى حدٍّ معين في التقسيم، بمعنى آخر يصبح كينونة فيزيائية حدّية في الحفاظ على خصائصها، والتي إذا انقسمت بعد ذلك تحوّلت الذرة إلى ذرّة مادة أخرى.
تذكّرنا هذه الفرضية كثيراً بما وصل إليه الفيزيائي إنريكو فيرمي (توفي 1954م) E. Fermi للانشطار الذري (Split the Atom (Nuclear fission عام 1934م. واستنتج فيرمي حينها أن تجاربه قد أوجدت عناصر جديدة لهما 93 و94 بروتوناً، وقد أطلق عليها الفريق اسم أوسونيوم Ausonium وهيسبيريوم Hesperium. ومع ذلك، لم يقتنع الجميع بتحليل فيرمي لنتائجه، مع أنه سيفوز بجائزة نوبل في الفيزياء لعام 1938م عن «ظاهرات حول وجود عناصر مشعة جديدة ينتجها الإشعاع النيوتروني، واكتشافه ذي الصلة بالتفاعلات النووية الناتجة عن النيوترونات البطيئة»[27].
لم تكن للحسن بن الهيثم المختبرات والتقنيات التي كانت لنظيره فيرمي بعد ألف سنة، لذلك؛ وحتى يؤكد ابن الهيثم صحة فرضيته ضرب لذلك مثالاً من الواقع الفيزيائي القريب للأذهان والحواس وهي العناصر الأربعة المعروفة للجميع.
قال ابن الهيثم: «ومثال ذلك الماء إذا قُسّم إلى أبعد غاية فإنه ينتهي إلى جزء هو أصغر الصغير من أجزاء الماء، فإذا انقسم بعد ذلك خلع صورة الماء ولبس صورة الهواء، ثم الهواء ينقسم إلى أصغر الصغير من أجزاء الهواء، ثم إذا انقسم بعد ذلك خلع صورة الهواء ولبس صورة النار، ثم إن النار تنقسم إلى أصغر الصغير من أجزاء النار، ثم لا يمكن أن تنقسم بعد ذلك لأنه ليس في الوجود صورة ألطف من النار؛ فإن كانت صورة الفلك ألطف من صورة النار وكان ممكناً أن تصير النار من جنس الفلك انقسم أصغر الصغير من أجزاء النار وصار من جوهر الفلك، ثم أن جسم الفلك لا ينقسم بعد ذلك، لأنه ليس في الوجود صورة ألطف من صورة الفلك، ثم أن تخيل منقسماً بعد أن ينتهي إلى أصغر الصغير من أجزائه إن كان انقسامه ممكناً، فإنما يتخيل انقسام أبعاد الجسم لا جوهر الجسم، وإن تخيل جوهر الجسم منقسماً فهو قسمته في التخيل لا في الوجود»[28].
من خلال فرضيته السابقة في التحول، أثبت ابن الهيثم بطلان دعوى الخيميائيين (أو أصحاب الصنعة) التي تقول بتحول الماء إلى تراب بعد غليه عدة مرات. حيث يعود السبب في اعتقادهم هذا إلى ظهور راسبٍ في قاع الإناء بعد تبخر الماء الذي يحوي على أملاح ذائبة فيه[29].
نستنتج مما سبق أن معالجة ابن الهيثم لمفهوم الذرة قد أخذ منحىً يختلف تماماً عن منحى فلاسفة المتكلمين أو حتى المذاهب الذرية السابقة. فقد حل ابن الهيثم المشكلة العويصة التي اعترضت نظرية ديموقريطس في تفسيره لكيفية تحول عنصر إلى آخر. كما أنه خرج من الاقتراح الذي قدّمه أبو بكر الرازي بأن اختلاف العناصر بين بعضها يعود إلى اكتناز الخلاء في بنية الذرات.
ابن سينا:
عالج ابن سينا (توفي 428هـ /1036م) موضوع الذرة تحت عنوان (التناهي واللاتناهي)، وهي مشكلة تتعلق بلواحق الجسم الطبيعي. وقد كان غير مقتنع بأنّ الأجسام الطبيعية يمكن أن تتجزأ إلى مالا نهاية لها، والسبب في ذلك هو جوهرها الممتد المستمر في اتصال مادته مع بعضها بعضاً. متبعاً بذلك خطى أستاذه أرسطو[30].
فقد رفض ابن سينا آراء المتكلمين الذريين – مثل النظّام وغيره – الذين قالوا بإمكانية تقسيم الجسم بالفعل إلى ما لا نهاية. ووجه انتقاده العنيف إلى ديموقريطس وغيره من الذريين الذين قالوا بأن الجسم مكون من أجزاء لا تتجزأ، وأنها جسيمات قائمة بحد ذاتها. وقد قدّم مناقشةً بديلة في محاولةً منه لإسكاتهم. حيث قال إن أي جسمٍ يشغل مكاناً ما فإنه يقبل القسمة اعتماداً على حقيقة أن للمكان بداية ووسط ونهاية، وهو نفسه قابل للقسمة. وإذا قبلنا بوجود الذرّة فرضاً، ثم وضعت هذه الذرّة بين ذرّتين أخريين، لتوجب عندها إما لمس هذه الذرة للذرتين الأخريين في مكانين مختلفين فتنتفي في هذه الحالة عدم القابلية للقسمة من الناحية الهندسية، أو أنها ستلمسها من جميع الجهات، وستكون معهما في هذه الحالة شيئاً واحداً، ولن يكون هناك بعد ذلك أي فارق بينهما. أو أنها تلمس الذرتين الأخريين بشكل مطلق، ولن تستطيع في هذه الحالة تشكيل جسمٍ ما انطلاقاً من ذراته. وتوصل ابن سينا إلى أنه بما أن هذه الاحتمالات الثلاثة مستبعدة، فإن وجود الذرات نفسه هو أمر مرفوض أيضاً[31].
أما بخصوص دعوى الذريين بأن تقدّم الحركة يكون عن طريق وثبات آنية، فقد وجد ابن سينا أن هذه الدعوى فيها مشكلة، والدليل على ذلك أنه إذا كان قطر المربع المتشكل من نقاط مرتبة بانتظام سيكون -بحسب هذه الدعوى – مساوياً لضلعه بسبب وجود عدد متساوٍ من النقاط في كل من الضلع والقطر. ومع خطأ هذا الافتراض من الناحية الهندسية، فإن المسافات بين هذه الذرات ستكون أكبر أو أقل من حجم وحدة قياس واحدة، أو ذرة واحدة، وستكون الذرة تبعاً لذلك، جسماً قابلاً للتجزئة. وهنا ضرب ابن سينا مثال آخر يثبت فيه عدم صحة ذلك، فإذا نظرنا إلى ظل ميل شاخص المزولة الناجم عن أشعة الشمس، فلو أن انتقال هذا الظل يكون عن طريق الوثب من ذرة لأخرى، لتوجب على الشمس القيام بوثبات أكبر وأعظم[32].
في النهاية قبل ابن سينا بإمكانية حدوث تجزئة الجسم إلى ما لا نهاية من الناحية النظرية التصورية، لكن من الناحية الواقعية الفعلية فالأمر بالنسبة له غير ممكن.
وقد اقتنع ابن سينا بمقولة أرسطو بأن العالم مكوّن من هيولى (مادة أولية) وصورة أكثر من اتفاقه مع طروحات المتكلمين الذريين التي تقول إنه مكون من ذرات. بل وإنه نقد النظرية الذرية للمتكلمين بشدة من ناحية التناهي واللاتناهي، محاولاً تفنيد اللاتناهي بكافة أشكاله[33].
وأنكر ابن سينا ما يقوم به الخيميائيين، لأنه يعتقد أن لكل معدنٍ جوهراً خاصاً به لا ينقلب إلى جوهر معدنٍ آخر[34].
البيروني:
تأثر أبو الريحان البيروني (توفي 440هـ/ 1048م) كثيراً بالنظرية الذرية التي قدمها أبو بكر محمد زكريا الرازي (توفي 311هـ/ 923م)، أكثر من تلك التي اطلع عليها عند الهنود، كما أنه اعتمد كثيراً على طروحاته للرد على أتباع أرسطو.
ففي الأصل يعدّ البيروني معارض شديد المراس للأفكار الأرسطية. وقد كان يتساءل: لماذا يعيب أتباع أرسطو على المتكلمين قولهم إنّ الجسم مكوّن من أجزاء غير مرئية؛ وهل يحق له أن يستسخف بآرائهم؟ إذْ من الضروري، حسب آراء الفلاسفة القائلين بقابلية الأجسام المتصلة للانقسام اللانهائي، ألا يلمس المتحرّك السريع اللاحق الجسم المتحرّك البطيء السابق. المثال الذي يمكن طرحه هنا كان عن الشمس والقمر. لنفرض وجود مسافة محددة بين الشمس والقمر، وأن كلا الجسمين يتحرّكان على تلك المسافة، فمن المستحيل على القمر أن يلحق بالشمس مع أن سرعته تفوق سرعة الشمس بكثير. لكن الوضع الطبيعي ليس كذلك، فقد تبيّن من الرصد الفلكي أن القمر يلحق بالشمس، وبالتالي أصيب القائلون بالانقسام اللانهائي بخيبة الأمل[35].
ابن حزم الأندلسي:
انتقد ابن حزم الأندلسي (توفي 456هـ/ 1063م) طرح المتكلمين مفهوم الذرّة من أجل فهم العالم. معتبراً أن أي جزءٍ يمكنه أن يتجزأ بشكلٍ لا نهائي في إطار التصور العقلي وليس الواقعي[36]. وهو موقف قريب من موقف أرسطو. وقد ذكر ابن حزم في معرض رده على المتكلمين بخمس حججِ تستعيد بمجملها ردود أرسطو على ديموقريطس[37].
من ناحيةٍ أخرى، فقد اعتقد البعض أن ابن حزم دافع عن أفكار النظّام، عندما قال بإمكانية تجزئة الذرة بشكل لا نهائي بالتصور الذهني فقط. إلا أن المتتبع لأفكار ابن حزم يجده ينتقد فكرة الطفرة (أي القفز مع الارتفاع) التي جاء بها النظّام، باستثناء حالة الجسم المتحرّك بسرعات قريبة من سرعة الضوء، مما يمكنه أن يطفر المسافات[38]، أي يقطع مسافات قصيرة ومحدودة في أجزاء لا متناهية من الزمن.
لقد تصوّر ابن حزم أن العالم كيفيات تتداول على الأجسام. ومن هنا أخذ على أنصار المذهب العقلي أنهم يزيدون في العقل ما ليس فيه بتلك الافتراضات عن الجواهر، والعوالم الأخرى، والعقول المفارقة، وبادعائهم نفاذ العقل إلى مقام الألوهية ليحكم بمسائلها، مع أن العقل في الحقيقة ليس سوى عيان، وتمييز، ومن ثم يفاضل بين الأشياء والأفعال، ويحتاج في أداء عمله إلى كيفيات حسية، ومبادئ عقلية، يسميها ابن حزم «بالأوائل»[39].
المبحث الرابع: القرن (6هـ/ 12م)
الطغرائي:
لم يشأ الكيميائي مؤيد الدين أبو إسماعيل الحسين بن علي المعروف بالطغرائي (توفي 513هـ/ 1121م) الخوض كثيراً في الجدل الذي سبق وأن أثاره أصحاب الكلام والفلاسفة، وإنما نجد له موقفاً واضحاً وموجزاً حول نشأة المادة في الكون. إذْ قال: « ثم انظر كيف الجوهر يحدث، وكل شيءٍ من الوجود له سبب إلهي وسبب طبيعي؛ فالإلهي أنه خلق الأشياء كلها وأخذ كلُّ واحدٍ من المخلوقات مقرّه، وما يخصّ مقرّه وهي صنع الربّ وحكمته وتصرفاته في الجميع سبحانه وتعالى. ثم بالأسباب الطبيعية استمد كلُ مقامٍ غذاءً وإحالة إلى نفسه وعمل منه مثل نوعه. فالأصل هو الخالق الأول، ولهذا قالوا إن العالم كله شيءٌ واحد ثم افترق أعلى وأسفل وكان الأعلى من الأسفل والأسفل من الأعلى»[40].
أبو البركات البغدادي:
عالج هبة الله ابن ملكا البغدادي (توفي 547هـ/ 1125م) موضوع الذرة وانقسامها معالجة مناسبة وعرض أقوال علماء الطبيعية عرضاً وافياً. وقد يكون أول من ربط بين تفكك المواد إلى ذرات ثم تفكك الذرات إلى عناصرها الأولية. وربما توصل لذلك متأثراً بما طرحه ابن الهيثم من قبل[41].
وقد ذكر ابن ملكا أن أجزاء الأجسام التي لا تتجزأ لا تخلو من أن تكون «متساوية الأقدار أو مختلفتها أو لا تكون ذوات أقدار» ويمنع ألا يكون لها أقدار لأن ما يكون كذلك لا يكون لمجموع كثير منه قدر «اللهم إلا ألا يُعنى بلا مقدار سلب العِظَم مطلقاً بل تصغيره جداً فيدخل حينئذ في القسمين الأولين أعني متفقات الأقدار ومختلفتها» ثم ينفي اختلاف أقدارها ليناقش أخيراً وحدة الجسم واتصاله من جهة وكثرته بالتجزؤ وانفصاله من جهة ثانية فيحقق القول في وحدة الجسم الذي هو الهيولى الأولى وكثرته التي له بذاته فيقرر «من حيث أن الجسم يقبل الاتصال والانفصال والتجدد بالصغر والكبر يُعْلم أنه بذاته ومن حيث هو جسم لا متصل ولا منفصل أعني ولا واحد ولا كثير إذ لو كان بذاته واحداً متصلاً لما انفصل أو كثيراً منفصلا لما اتصل وذلك هو قولنا لا واحد ولا كثير. وهو يرد على القول بالطفرة. «فإن الطفرة معناها وجود حركة سريعة بين حركات بطيئة»»[42].
ابن رشد:
انتقد ابن رشد (توفي 595هـ/ 1198م) النظرية الذرية التي عالج مختلف جوانبها علماء الكلام في نقطتين أساسيتين:
– الأولى: قد تبين أنه لا يمكن الاعتماد عليها في إثبات حدوث الكون أو الاستدلال من خلالها على وجود الخالق.
– الثانية: وجد أنها تقصّر في تفسير شرح التغيرات التي تحدث في المواد الطبيعية لدى انتقالها من طورٍ لآخر.
فبخصوص النقطة الأولى يرى ابن رشد أنه لا يوجد داعٍ لاستخدام النظرية الذرية لإثبات وجود خالق للكون، لأنّ « طريقتهم التي سلكوا في بيان حدوث الجزء الذي لا يتجزأ، وهو الذي يسمونه الجوهر الفرد، طريقة معتاصة، تذهب على كثيرٍ من أهل الرياضة في صناعة الجدل، فضلاً عن الجمهور. ومع ذلك فهي طريقة غير برهانية، ولا مفضية بيقين إلى وجود البارئ سبحانه»[43].
وبخصوص النقطة الثانية حول تقصير النظرية الذرية الكلامية في تفسير تغيرات المواد وانتقالها من طورٍ لآخر. فهو يرى أنّ « هؤلاء (أي أصحاب الجزء الذي لا يتجزأ) ليس عندهم جوهر أو واحد إلا هذا الجزء فتلزمهم المحالات التب تلزم من قال إن جواهر الأشياء هي الأعداد، وذلك أن كلا الفريقين لا يقدرون أن يقولوا كيف يوجد من هذه متصل ولا كيف يكون هذا الواحد الغير منقسم سبباً للانفعال والفعل والاستحالة، فإنه إن قبل التغيير كان مركباً من مادة وصورة وكل مركب من مادة وصورة فهو منقسم وهذا كله قد تبين في العلم الطبيعي»[44].
وبذلك يقترب ابن رشد من ابن الهيثم، أو يؤكد على صحة كلامه على الأقل وإن لم يطّلع على مؤلفاته. فقد وجدنا كيف برهن ابن الهيثم كيف تتم عملية الاستحالة من مادة لأخرى بطريقة أكثر منطقية، لذلك فإن نظريته ستكون أقرب لتفسير الظواهر الطبيعة من نظرية المتكلمين.
ونجد هنا ملاحظةً على مستوى كبير من الأهمية، وهي أن ابن رشد لم يكن يحابي أرسطو على حساب المتكلمين – كما فعل الفارابي وابن سينا من قبل – وإنما حاول أن يبرهن بالعقل والمنطق أن نظريتهم يكتنفها الكثير من النقص، وأن استخدامها من باب الحجة ليس قوياً بما يكفي.
ونشير هنا أنه كُتب لأفكار ابن رشد أن تنتقل إلى الغرب الأوربي بداية القرن الثالث عشر للميلاد، كما أنها مارست تأثيرها على كلٍ من ألبرت الكبير (توفي 1280م) Albertus Magnus وتلميذه توما الأكويني (توفي 1274م) Thomas Aquinas، حيث إنهما طوّرا نظرية ابن رشد التي كانت تعرف باسم نظرية (الصغائر الطبيعية Minima Naturalia). وقد سار في إثْرهما أيجيديوس الروماني (توفي 1316م) Aegidius of Roman. لكن تطويراتهم لم ترق إلى مستوى استخدام النظرية في تفسير الظواهر الطبيعية أو التفاعلات الكيميائية[45].
المبحث الخامس: القرن (7 – 8هـ/ 13 – 14م)
فخر الدين الرازي:
واضح من مؤلفات الإمام فخر الدين الرازي (توفي 606هـ/1210م) أنه من داعمي النظرية الذرية، وضد من يقول بالهيولى على الطريقة الأرسطية، لكنه سار وفق منحى آخر هو (تذرية الزمان والمكان) وليس الجسم وحسب. حيث قال: إنّ «القول بالجوهر الفرد حقّ، والدليل عليه أنّ الحركة والزمان كل واحد منهما مركّب من أجزاء متعاقبة، كل واحد منها لا يقبل القسمة بحسب الزمان، فوجب أن يكون الجسم مركّباً من أجزاء لا تتجزأ»[46].
كما كان الإمام الرازي يعتقد بتماثل ذرات المادة من الناحية الجسمية، وبالتالي فإن ما يؤثر على أحد أنواع الذرات يؤثر على الآخر. وقد استخدم الرازي عدة مصطلحات لهذه الحالة مثل «تجانس الجواهر»، و«تماثل الجواهر»، و«تجانس الأجسام»، و«تساوي الأجسام»، و«اشتراك الأجسام»[47].
وقد قدم الإمام الرازي ثلاث حجج يدعم به اعتقاده هذا، حيث قال[48]: «الأجسام بأسرها متماثلة خلافاً للنظام. واحتج أصحابنا بثلاثة أوجه:
– أحدها: أن الأجسام بتقدير استوائها في الأعراض تلتبس بعضها بالبعض. ولو لا تماثلها، لما كان كذلك.
والاعتراض أن هذه الدلالة إنما يتم وتصح في حق من تصفح جميع الأجسام وشاهد التباس كل واحد منها بكل ما عداها. فأما قبل ذلك فليس إلا الرجم بالظن.
– وثانيها: إنها بأسرها متساوية في قبول جميع الأعراض فتكون متساوية في الماهية.
والاعتراض أنه لم يصح عندنا أن جرم النار قابل للكثافة الأرضية، وإن جرم الفلك قابل للصفات المزاجية وقصة إبراهيم عليه السلام جزئية، فلا تدل على الحكم الكلى. وأيضاً فلم لا يجوز أن يقال إنّ الله تعالى خلق في بدن إبراهيم عليه السلام كيفية عندها يستلذ مماسة النار كما في النعامة وغيرها ثم بتقدير تسليم استواء الكل في قبول الأعراض، فلا يلزم منه استوائها في تمام الماهية، لأن الاشتراك في اللوازم لا يدل على الاشتراك في الملزومات.
– وثالثها: أن الجسم لا معنى له إلا الحاصل في الحيز والأجسام بأسرها متساوية فيه، فتكون متساوية في الماهية.
والاعتراض أن الحصول في الحيز ليس ذات الجسم، بل حكما من أحكامها وقد ذكرنا أن التساوي في اللوازم لا يدل على التساوي في الملزومات».
لقد كان لهذه القناعة الكبيرة تأثير كبير على طريقة تفكير الإمام الرازي العلمية. فقد حاول أن يطبق مبدأ وحدة المادة عملياً، وذلك عندما كان يجري تجاربه الخيميائية لتحويل المعادن الرخيصة إلى معادن ثمينة. وقد أكّد على ذلك كلٍ من المؤرخين ابن القفطي وابن العبري إذْ قالا عنه: «وعنّ له أن تهوّس بعمل الكيمياء، وضيّع في ذلك مالاً كثيراً ولم يحصل على طائل»[49].
تعتبر محاولة الإمام الرازي لنقل قناعته بنظرية ذرية إلى جانبها التطبيقي محاولة يشكر عليها، وإن كانت نتيجتها خاطئة، لإن إمكانيات ذلك الوقت لم تسمح له ولا لغيره من الخيميائيين تحويل الفضة إلى الذهب إلا بعد فهم الفيزياء النووية في القرن العشرين، أي بعد الإمام الرازي بأكثر من ثمانمائة سنة.
حيث تمكن الفيزيائي الياباني هانتارو ناغاوكا (توفي 1950م) H. Nagaoka من إجراء أول عملية اصطناع للذهب من الزئبق في عام 1924م، وذلك عن طريق قذفه بالنيوترونات. كما أجرى فريق أمريكي، يعمل دون معرفة بدراسة ناغاوكا السابقة، التجربة نفسها في عام 1941م، وحقق النتيجة نفسها وأظهر أن نظائر الذهب التي تنتجها التجربة جميعها مشعة[50]. أي لا تصلح للاستخدام والتداول مثل الذهب الطبيعي المعروف باستقراره.
من ناحيةٍ أخرى، فإن محاولة تطبيق الإمام الرازي نظريته الذرية في مجال الكيمياء سبق بها كلٍ من الطبيب الألماني دانيال سنرت (توفي 1644م) D. Sennert، الذي نشر عام 1636م أول تطبيق منهجي للأفكار الذرية في الكيمياء (مثل أن الذرات يمكن استعادتها من مركباتها، كالذهب، من محلول حمضي)، وقد تبعه كيميائيين آخرين مثل جي. جونغ J. Junge، وإي. دي كلافز E. de Claves. كما سبق الإمام الرازي طرح يوهان كريسوستوم ماجنينوس (توفي 1679م) J. C. Magnenus[51].
أثير الدين الأبهري:
انضم أثير الدين المفضل بن عمر بن المفضل الأبهري السمرقندي (توفي 663هـ / 1264م) للفريق الذي رفض الاعتراف بتجزئة الذرة، وقد قدّم أدلته التي سبق وأن ناقشها المتكلمون من قبل، حيث قال: «في إبطالِ الجُزءِ الَّذيْ لا يَتَجَزَّأ: لأنّا لو فرضنا جزءاً بين جُزئيْن، فإمَّا أنْ يكون الوسطُ مانِعاً مِن تلاقي الطَّرفيْن أو لا يا سبيلَ إلى الثاني، لأنَّه لو لم يكنْ مانعاً لكانت الأَجزاءُ مُتَداخِلةً، فلا يكونُ وسطاً وطرفاً، وقد فرضْنا الوسطَ والطّرفَ، وهذا خُلف، فثبت كونُه مانِعاً مِن تلاقيْهِما، فما به يُلاقي الوسطُ أحدَ الطّرفين غيرُ ما به يُلاقي الطرفَ الآخرَ، فيَنقسمُ، وَلأنَّا لو فرضنا جُزءاً على مُلتقى جُزئَيْن، فإِمّا أ? ن يُلاقي واحداً مِنهُما فقطْ أَو مَجموعَهما، أو مِن كل واحد منهما شيئا، الأوّل مُحال وإلّا لم يكن على المُلتقى، فتعيّن أحدُ القِسمَين الأخيرَين، فيَلزم الانْقسامُ لا مَحالةَ»[52]. وقد شرح حسين بن معين الدين الميبذي المعروف بقاضي مير (توفي 870هـ/ 1466م) هذه الفقرة بقوله: «قوله: (لا يتجزّأ) ويقال له الجوهر الفرد أيضاً وهو جوهر ذو وضع لا يقبل القسمةَ مطلقاً لا قطعاً ولا كسراً ولا وهماً ولا فرضاً والقسمة الوهميّة ما هو بحسب التوهم جزئياً والفرضيّة ما هو بحسب فرض العقل كليّاً. اعلم (الميبذي) أن في تحقيق ماهية الجسم اختلافات، فالمتكلّمون على أنه مؤلّف من جواهر فردة لا تقبل القسمة أصلاً، والإشراقيون على أنه جوهر بسيط متصل بذاته، والمشّاؤون على أنه مؤلّف م? ن جوهرين: أحدهما: جوهر قابل للصورة الجسميّة ليس في حدّ ذاته متصلاً ولا منفصلاً، ويقال له: الهيولى، والثاني: جوهر ممتدّ في الأقطار الثلاثة بذاته، ويقال له: الصورة الجسميّة، والمصنّف رحمه الله اختار مذهب الحكماء المشائين، فأبطل رأي المتكلّمين أوّلاً، ثمّ بعد ذلك أثبت تركيبه. ولهم في إبطال الجزء الذي لا يتجزأ براهين كثيرة، وأورد المصنف رحمه الله ههنا برهانين سهلين:
– تقرير الأوّل: أن الجسم لوكان مؤلّفاً من أجزاء لا تتجزّأ لكان جزء منها وسطاً وآخران طرفين، فنقول: الجزء الوسطاني إما أن يكون مانعاً من تلاقي الطرفين أو لا، فإن لم يكن مانعاً من تلاقي الطرفين كان الوسط داخلاً في أحد الطرفين، فلا يكون الوسط وسطاً، ولا الطرف طرفاً، وقد فرضنا الوسط والطرف، هذا خلف.
– وأيضاً التداخل محال؛ لأنّ اتحاد الجوهرين المتحيّزين بذاتهما – بحيث يصيران في الوضع والحجم شيئاً واحداً – محال عند العقل بالضرورة، ولو جاز دخول الأجسام بعضها في بعض لكان الماء الذي صبّ على الإناء المملوء ماء دخل مع ذلك الماء في الإناء، وما فاض الماء من الإناء على وجه الأرض، والتالي باطل بالشهادة، وإنْ كان مانعاً من تلاقي الطرفين فما به لاقى هذا الطرف غير ما به لاقى الطرف الآخر، فانقسم الجزء الوسط إلى قسمين: أحدهما ملاق لهذا الطرف، والثاني لذلك الطرف، وكذلك الطرفان أيضاً بما لاقى وبما لم يلاق»[53].
نصير الدين الطوسي:
اتفق نصير الدين الطوسي (توفي 672هـ/ 1274م) مع شهاب الدين السهروردي (توفي 632هـ/ 1191م) وابن سينا وغيرهما من الفلاسفة المشائين الذين قالوا بأن الجسم بكليته يحمل خصائص معينة إذا اكتملت أجزائه، وهو لا يتكون من الذرات، لأنه لا وجود لها قائم بذاته. وبالتالي فإنه يرفض الاعتراف بوجود الذرة.
كما هاجم طريقة المتكلمين في معالجتهم مفهوم الذرّة من أجل إثبات حدوث العالم. وقد قدّم الطوسي دليله من الناحية الهندسية حول إمكانية تقسيم الذرات بقوله: إذا كانت النقطة تمثل نهاية الخط. وكانت جوهراً فهو المطلوب، وإن كانت عرضاً فمحلها إن انقسم انقسمت، وإن لم ينقسم فهو المطلوب. بمعنى آخر، يرى الطوسي أن الذرّة التي لا تقبل التجزئة، لا يمكن أن تكون قابلة للاتصال أو الانفصال لتشكل الجسم. حيث إن تشكيل الجسم يتطلب أن تكون المادة قابلة للانقسام، وعدم الوقوف عند حد الذرة الواحدة. وأن يتوفر في هذا الجسم أو المادة قابلية للامتداد من جهتين، وما دامت هذه الأجسام تقبل الاتصال والانفصال فلابد أن تنطوي على قبول التعدد والوحدة[54]. أي أنّ الطوسي رفض وجود الذرة بشكلها المنفرد أو المستقل عن وجودها خارج إطار الجسم وبنيته.
أيدمر الجلدكي:
انتبه عز الدين أيدمر عليّ الجلدكي (توفي بعد 760هـ/ بعد 1360م) إلى حقيقة خاصية مهمة جداً وثابتة في الطبيعة تحافظ من خلالها على استقرارها. وهي أنها لا تظهر فيها ظاهرة ثم تظهر ظاهرة مناقضة للظاهرة الأولى بحيث تلغيها. فعلى مستوى الذرات، تكون الذرة بسيطة عندما لا تتركب مع غيرها، ولا يمكن للذرة البسيطة أن يظهر لها أو فيها أثرين متعارضين في الوقت عينه. وكذلك حال العناصر الأربعة الأساسية، كل واحد منها له يمكنه أن يقوم بأثر واحد فقط ولا يجتمع فيه أثرين معاً، خلاف الأجسام المركبة، مثل العنب، الذي يكون صالحاً لبعض الوقت ثم يفسد بعد فترة أخرى[55].
هذه الخاصية التي تكلم عنها الجلدكي (المادة والمادة المضادة) أو (الإصلاح والإفساد) في الوقت نفسه في الطبيعة سيعاد النظر فيها مع اكتشاف الفيزيائي البريطاني بول أدريان ديراك (توفي 1984م) P. A. Dirac لجسيمات البوزيترونات (موجبة الشحنة) التي إذا التقت مع الإلكترونات (سالبة الشحنة) نتج عن ذلك أشعة غاما.
خاتمة:
نستنتج من الاستعراض والمناقشة التاريخية العلمية التي قمنا بها أعلاه أن علماء الفيزياء والكيمياء العرب والمسلمين قد نقدوا الأفكار اليونانية المتعلقة بالنظرية الذرية التي يمكنها تفسير تشكل المادة. كما أنهم انتقدوا المتكلمين في اتخاذهم من النظرية وسيلة للدفاع عن الدين. وقد حاولوا بناء نظرية ذرية حقيقية يمكن من خلالها تفسير الظواهر الطبيعية، خصوصاً تلك المتعلقة بالتغيرات التي تطرأ على المادة. مسجلين بذلك قصب السبق على الأوربيين في هذا المجال.
المصادر والمراجع:
أولاً: المراجع العربية
- ابن أبي أصيبعة، أحمد، عيون الأنباء فيطبقات الأطباء،تحقيق: الدكتور نزار رضا،دارمكتبة الحياة،بيروت، 1965م.
- ابن حزم الأندلسي،علي بن أحمد،رسالة في الألوان،حققه وناقشه عددمن الباحثين،النادي الأدبي بالرياض،الرياض،ط1، 1979م.
- ابن خلدون،عبد الرحمن،ديوان المبتدأ والخبرفي تاريخ العرب والبربر ومن عاصرهم من ذوي الشأن الأكبر،ج1،تحقيق: خليل شحادة،دارالفكر،بيروت،ط2، 1988م.
- ابن رشد،تفسير ما بعد الطبيعة،تحقيق: موريسبويج،دارالمشرق، 1973م.
- ابن رشد،الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة،تحقيق: محمد قاسم،مكتبة الأنجلو-مصرية،القاهرة،ط2، 1964م.
- ابن سينا،الشفاء – الطبيعيات،تحقيق: محمودقاسم،منشورات مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي الكبرى،قم،ط2، 2012م.
- ابن سينا،النجاة،نقحه: ماجدفخري،منشورات دارالآفاق الجديدة،بيروت، 1982م.
- ابن العبري،مختصرتاريخ الدول،تحقيق: أنطونص الحاني اليسوعي،دارالمشرق،بيروت، 1992م.
- ابن ملكا البغدادي،هبة الله،المعتبرفي الحكمة،دائرة المعارف العثمانية،حيدرآبادالدكن،ط1، 1938م.
- ابن الهيثم،الحسن،مجموع رسائل ابن الهيثم،منشورات معهد تاريخ العلوم العربية والإسلامية،فرانكفورت، 1998م.
- ابن وحشية، أحمد، كنز الأسرار، مخطوطة نور سليمانية،رقم (3631).
- الأبهري،أثيرالدين،هداية الحكمة،مكتبة المدينة للطباعةو النشر والتوزيع،كراتشي،ط1، 2019م.
- أبوزيد،منى،التصورالذريفي الفكرالفلسفي الإسلامي،المؤسسة الجامعية،للدراسات والنشر،بيروت،ط1، 1994م.
- باشا،أحمد فؤاد،العلوم الكونية في التراث الإسلامي،مجلة الأزهر،مجمع البحوث الإسلامية،القاهرة، 1991م.
- بدوي،عبدالرحمن،من تاريخ الإلحاد في الإسلام،المؤسسة العربية للدراسات والنشر،بيروت،ط2، 1980م.
- بينس،س،مذهبالذرةعندالمسلمين،نقله عن الألمانية: عبدالهادي أبوريدة،مكتبة النهضة المصرية،القاهرة، 1946م.
- الجاحظ،عمروبنبحر،البخلاء،دار ومكتبة الهلال،بيروت، 1998م.
- الجاحظ،عمروبنبحر،البيان والتبيين،دار ومكتبة الهلال،بيروت، 2002م.
- الجاحظ،عمروبنبحر،التربيع والتدوير،مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة،القاهرة، 2017م.
- الجاحظ،عمر وبنبحر،الحيوان،دارالكتب العلمية،بيروت،ط2، 2003م.
- الجلدكي،أيدمر،
- الخولي،يمنىطريف،الطبيعي اتفيعلم الكلام،دارالثقافة للنشرو التوزيع،القاهرة، 1995م.
- الرازي،فخرالدين،كتاب المحصل،تحقيق: حسين أتاي،مكتبة دارالتراث،القاهرة،ط1، 1991م.
- الرازي،فخرالدين،معالم أصول الدين،تحقيق: سميحدغيم،دارالفكر اللبناني،بيروت،ط1، 1992م.
- رسائل الكندي الفلسفية،تحقيق: محمدعبد الهادي أبوريدة،القاهرة،دارالفكرالعربي، 1950م.
- الزركان،محمد صالح،فخرالدين الرازي وآراؤه الكلامية والفلسفية،دارالفكر،بيروت،ط1، 1963م.
- الزعبي،أنورخالد قسيم،ظاهرية ابن حزم الأندلسي،المعهد العالمي للفكر الإسلامي،عمان،ط1، 1996م.
- سزكين،فؤاد،تاريخ التراث العربي (السيمياء والكيمياءحتىنحو 430هـ)،ترجمة: عبدالله حجازي،جامعةالملك سعود،الرياض،ط1، 1986م.
- سليمان،عباس،تطورعلم الكلام إلى الفلسفة ومنهجها عندنصير الدين الطوسي،دار المعرفة الجامعية،الإسكندرية، 1994م.
- الطغرائي،مؤيد الدين،تراكيب الأنوار،مخطوط ضمن مجموع في مكتبةالمتحف البريطاني،رقم (Or. MS. 13,006).
- العراقي،محمدعاطف،الفلسفة الطبيعية عندابن سينا،دار المعارف،القاهرة،ط2، 1983م.
- عفيفي،زينب،الفلسفة الطبيعية والإلهية عندالفارابي،دارالوفاء،الإسكندرية، 2002م.
- فروخ،عمر،تاريخ الفكرالعربي إلى أيام ابن خلدون،دارالعلم للملايين،بيروت،ط4، 1983م.
- القفطي،جمال الدين،إخبار العلماء بأخبار الحكماء،تحقيق: إبراهيم شمس الدين،دارالكتب العلمية،بيروت،ط1، 2005م.
- كراوس،بول،مُختار رسائ لجابر بنحيَّان،مكتبة الخانجي،القاهرة، 1935م.
- كمال،عبدالسلام،الحضارة الإسلامية ثقافة وفن وعمران،داربروج،القاهرة، 2017م.
- كوب،كاتي ووايت،هارولدجولد،إبداعات النار،ترجمة: فتح الله الشيخ،سلسلة عالم المعرفة،رقم 266،المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب،الكويت،ط1، 2001م.
- منتصر،عبد الحليم،تاريخ العلم ودور العلماء العربفي تقدمه،دارالمعارف،القاهرة، 1980م.
- نصر،سيدحسين،مقدمة إلى العقائد الكونية الإسلامية،ترجمة: سيف الدين القصير،دارالحوار،اللاذقية،ط1، 1991م.
- النهار،عمار محمد،سبق علماء الحضارة العربية الإسلامية في إبداع منهج البحث العلمي،وزارة الثقافة،الهيئة العامة السورية للكتاب،دمشق، 2015م،
- يفوت،سالم،ابن حزم والفكر الفلسفي بالمغرب والأندلس،المركز الثقافي العربي،الدارالبيضاء،ط1، 1986م.
ثانياً: المراجع الأجنبية
- Chalmers, Alan, The Scientist’s Atom and the Philosopher’s Stone, Springer Science, New York, 2009.
- E. Fermi, E. Amaldi, O. D’Agostino, F. Rasetti, and E. Segrè, “Radioattività provocata da bombardamento di neutroni III,” La Ricerca Scientifica, vol. 5, no. 1, 1934.
- Melsen, Andrew Gerardus Van, From atomos to atom: the history of the concept atom, Harper & Row, New York, 1960.
- Sherr, R.; Bainbridge, K. T. & Anderson, H. H. “Transmutation of Mercury by Fast Neutrons”. Physical Review, 1941.
- Whyte, Lancelot Law, Essay on Atomism: From Democritus to 1960, Wesleyan University Press, 1961.
[1] أبو زيد، منى، التصور الذري في الفكر الفلسفي الإسلامي، المؤسسة الجامعية، للدراسات والنشر، بيروت، ط1، 1994م، ص 69.
[2] ابن خلدون، عبد الرحمن، ديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والبربر ومن عاصرهم من ذوي الشأن الأكبر، ج1، تحقيق: خليل شحادة، دار الفكر، بيروت، ط2، 1988م، ص 592.
[3] ابن وحشية، أحمد، كنز الأسرار، مخطوطة نور سليمانية، رقم (3631)، ص 3و.
[4] كراوس، بول، مُختار رسائل جابر بن حيَّان، مكتبة الخانجي، القاهرة، 1935، ص 100، 110.
[5] م ن، ص 428- 429.
[6] سزكين، فؤاد، تاريخ التراث العربي (السيمياء والكيمياء والنبات والفلاحة)، ج4، ص 208-209.
[7] النهار، عمار محمد، سبق علماء الحضارة العربية الإسلامية في إبداع منهج البحث العلمي، وزارة الثقافة، الهيئة العامة السورية للكتاب، دمشق، 2015م، ص 131.
[8] باشا، أحمد فؤاد، العلوم الكونية في التراث الإسلامي، مجلة الأزهر، مجمع البحوث الإسلامية، القاهرة، 1991م، ص 36-37.
[9] منتصر، عبد الحليم، تاريخ العلم ودور العلماء العرب في تقدمه، دار المعارف، القاهرة، 1980م، ص 158.
[10] Chalmers, Alan, The Scientist’s Atom and the Philosopher’s Stone, Springer Science, New York, 2009, p. 83.
[11] Melsen, Andrew Gerardus Van, From atomos to atom: the history of the concept atom, p. 77.
[12] كمال، عبد السلام، الحضارة الإسلامية ثقافة وفن وعمران، دار بروج، القاهرة، 2017م، ص 67-68. كما نشر ذلك في عدة مواقع على الإنترنت: مثل موقع مجلة حراء، وموقع قصة الإسلام، وموقع الجمعية الدولية للمترجمين واللغويين العرب.
[13] بدوي، عبد الرحمن، من تاريخ الإلحاد في الإسلام، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ط2، 1980م، ص 159-160.
[14] الجاحظ، عمرو بن بحر، الحيوان، دار الكتب العلمية، بيروت، ط2، 2003م، ج5، ص 30.
[15] الجاحظ، عمرو بن بحر، التربيع والتدوير، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، القاهرة، 2017م، ص 35.
[16] الجاحظ، عمرو بن بحر، البخلاء، دار ومكتبة الهلال، بيروت، 1998م، ص 170-171.
[17] الجاحظ، عمرو بن بحر، البيان والتبيين، دار ومكتبة الهلال، بيروت، 2002، ج2، ص 160.
[18] فروخ، عمر، تاريخ الفكر العربي إلى أيام ابن خلدون، ص 295-296.
[19] القفطي، جمال الدين، إخبار العلماء بأخبار الحكماء، تحقيق: إبراهيم شمس الدين، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 2005م، ص 278.
[20] رسائل الكندي الفلسفية، تحقيق: محمد عبد الهادي أبو ريدة، القاهرة، دار الفكر العربي، 1950م، ص 131.
[21] بينس، س، مذهب الذرة عند المسلمين، ص 76.
[22] م ن، ص 74-75.
[23] عفيفي، زينب، الفلسفة الطبيعية والإلهية عند الفارابي، دار الوفاء، الإسكندرية، 2002م، ص 227-228.
[24] ابن أبي أصيبعة، أحمد، عيون الأنباء في طبقات الأطباء، ص 558.
[25] ابن الهيثم، الحسن، مجموع رسائل ابن الهيثم، منشورات معهد تاريخ العلوم العربية والإسلامية، فرانكفورت، 1998م. ص 17.
[26] الحسن، مجموع رسائل ابن الهيثم، م س، ص 17.
[27] E. Fermi, E. Amaldi, O. D’Agostino, F. Rasetti, and E. Segrè, «Radioattività provocata da bombardamento di neutroni III,» La Ricerca Scientifica, vol. 5, no. 1, 1934, p. 452–453.
[28] مجموع رسائل ابن الهيثم، م س، ص 18.
[29] كوب، كاتي ووايت، هارولد جولد، إبداعات النار، ص 168.
[30] العراقي، محمد عاطف، الفلسفة الطبيعية عند ابن سينا، دار المعارف، القاهرة، ط2، 1983م، ص 90.
[31] نصر، سيد حسين، مقدمة إلى العقائد الكونية الإسلامية، ترجمة: سيف الدين القصير، دار الحوار، اللاذقية، ط2، 1991م. ص 160-161.
[32] م ن، ص 161. انظر أيضاً: ابن سينا، الشفاء-الطبيعيات، ج1، تحقيق: محمود قاسم، منشورات مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي الكبرى، قم، ط2، 2012م، ص 188-202. وأيضاً: ابن سينا، النجاة، نقحه: ماجد فخري، منشورات دار الآفاق الجديدة، بيروت، 1982م، ص 139-141.
[33] الخولي، يمنى طريف، الطبيعيات في علم الكلام، ص 116.
[34] تاريخ الفكر العربي إلى أيام ابن خلدون، م س، ص 411.
[35] مقدمة إلى العقائد الكونية الإسلامية، م س، ص 128-129.
[36] ابن حزم الأندلسي، علي بن أحمد، الفصل في الملل والأهواء والنحل، ج5، ص 58.
[37] يفوت، سالم، ابن حزم والفكر الفلسفي بالمغرب والأندلس، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط1، 1986م، ص 330.
[38] م ن، ص 331.
[39] الزعبي، أنور خالد قسيم، ظاهرية ابن حزم الأندلسي، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، عمان، ط1، 1996م، ص 55.
[40] الطغرائي، مؤيد الدين، تراكيب الأنوار، مخطوط ضمن مجموع في مكتبة المتحف البريطاني، رقم (Or. MS. 13,006)، ص 51.
[41] ابن ملكا البغدادي، هبة الله، المعتبر في الحكمة، دائرة المعارف العثمانية، حيدر آباد الدكن، ط1، 1938م، ج3، ص 196.
[42] المرجع السابق، ص 197.
[43] ابن رشد، الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة، تحقيق: محمد قاسم، مكتبة الأنجلو-مصرية، القاهرة، ط2، 1964، ص 135.
[44] ابن رشد، تفسير ما بعد الطبيعة، تحقيق: موريس بويج، دار المشرق، 1973، ص 71.
[45] From atomos to atom: the history of the concept atom, Ibid, p. 57-58.
[46] الرازي، فخر الدين، معالم أصول الدين، تحقيق: سميح دغيم، دار الفكر اللبناني، بيروت، ط1، 1992م، ص 28.
[47] الزركان، محمد صالح، فخر الدين الرازي وآراؤه الكلامية والفلسفية، دار الفكر، بيروت، ط1، 1963م، ص 407.
[48] الرازي، فخر الدين، كتاب المحصل، تحقيق: حسين أتاي، مكتبة دار التراث، القاهرة، ط1، 1991م، ص 303-233.
[49] إخبار العلماء بأخبار الحكماء، م س، ص 220. وأيضاً: ابن العبري، مختصر تاريخ الدول، تحقيق: أنطون صالحاني اليسوعي، دار المشرق، بيروت، 1992م، ص 240.
[50] Sherr, R., Bainbridge, K. T. & Anderson, H. H. (1941). “Transmutation of Mercury by Fast Neutrons”. Physical Review. 60 (7): 473–479.
[51] Whyte, Lancelot Law, Essay On Atomism: From Democritus to 1960, Wesleyan University Press, 1961, p. 47-48.
[52] الأبهري، أثير الدين، هداية الحكمة، مكتبة المدينة للطباعة والنشر والتوزيع، كراتشي، ط1، 2019م، ص 90.
[53] م ن، ص 57.
[54] سليمان، عباس، تطور علم الكلام إلى الفلسفة ومنهجها عند نصير الدين الطوسي، دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية، 1994م، ص 107، 109.
[55] م ن، ص 134.