منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

مقاربة أخلاقية لتعامل النبي مع الأعداء

عبد الصمد الخزروني

0

مقاربة أخلاقية لتعامل النبي مع الأعداء

عبد الصمد الخزروني


موضوع المشاركة في ندوة منار الإسلام حول فن تعامل النبي مع الأعداء.

مقدمة

تمثّل السيرة النبوية أرقى نموذج للاقتداء الأخلاقي؛ فقد جمع النبي محمد صلى الله عليه وسلم بين كمال العبادة وحسن المعاملة، فانعكس ذلك في منظومة أخلاقية شاملة تمسّ علاقة الإنسان بربه وبنفسه وبالناس كافة. شهد له ربه بقوله: وإنك لعلى خلق عظيم، فكانت أخلاقه قرآناً يمشي على الأرض كما وصفته بذلك سيدتنا عائشة رضي الله عنها.

تجلّت أخلاقه صلى الله عليه وسلم في الصدق والأمانة والوفاء قبل البعثة وبعدها، فلُقّب بالصادق الأمين، ثم جاءت الرسالة لتُوسّع دائرة القيم فتؤسّس لرحمة عامة وعدل شامل. اتسم بالحِلم والصبر وكفِّ الأذى، وبذلِ العفو عند المقدرة؛ فسامح من آذاه، ووفّى بالعهد حتى مع الخصوم، وأقام ميزان العدل من غير محاباة. وفي معاملاته اليومية كان مثالَ اللّين والتواضع، يقضي حوائج الضعفاء، ويجالس الفقراء، ويَجبر خواطر المنكسرين.

كما رسّخ قواعد الأخلاق العامة: حفظ الحقوق، حرمة الدماء والأموال، الإحسان في السلم والحرب، والرحمة بالإنسان والحيوان. ودعا بالحكمة والموعظة الحسنة، فجمع بين قوةِ الحق ورقةِ القلب، وبين الثبات على المبادئ والمرونة في الوسائل، وبين الرحمة والحكمة في كلمتين جامعتين. بهذا التوازن صاغت سيرتُه مشروعاً حضارياً يؤلف بين الإيمان والإنسان ثم بناء العُمران، ويجعل الأخلاق محوراً للنهضة الفردية والمجتمعية.

سأقتصر في بيان هذا التعامل النبوي الأخلاقي مع الأعداء والخصوم بالحديث عن خلقين عظيمين هما الرحمة والحكمة. وذلك من خلال تعريفهما وذكر مظاهرهما والآثار المترتبة عن التعامل النبوي بهما. وفي نفس السياق أربطهما بطوفان الأقصى لبيان مدى تمسك المقاومة بالسنة النبوية في مجال أخلاقيات الصراع ومواجهة المحتل.

المحور الأول: تعريف خلُق الرحمة وخلُق الحكمة

نبدأ بتعريف الرحمة والحكمة في اللغة العربية:

أولا: الرحمة: أصلها من مادة ر-ح-م، وتدل على الرِّفق والرقّة والتعطف. وفي اللغة: رِقّةٌ تقتضي الإحسانَ إلى المرحوم والانعطافَ عليه، والشفقةَ عليه، وكفَّ الأذى عنه. ومن معانيها: المغفرة، والإحسان، والنعمة، والتوسعة.

ثانيا: الحكمة: أصلها من مادة ح-ك-م، وتدل على المنع والإحكام والإتقان، ومنه الحَكَمة التي تُمنَع بها الدابة. وفي اللغة: إصابةُ الحقّ بالعلم والعقل، ووضع الشيء في موضعه على وجهٍ متقَن. ومن معانيها: العِلْم الراسخ، والرأي الصائب، والقول المحكَم، والفقه في الأمور. فسر الكلمةَ الإمامُ مالك رحمه الله فقال: “الحكمة معرفة الدين والعمل به”. وقال ابن قتيبة رحمه الله: “الحكمة عند العرب العلم والعمل، ولا يكون الرجلُ حكيما حتى يجمعهما”.

أما في مجال السّلم والحرب، فتتجسّد الرحمة والحكمة النبويتان في معانٍ محدَّدة وضوابط عملية:

أولا: الرحمة خلقٌ أصيل في النبي صلى الله عليه وسلم، بل هو عين الرحمة، وهو خُلُق يطال جميع الخلق فهو بدليل القرآن “رحمة للعالمين”، وبدليل السنة ” إنما أنا الرّحمة المهداة”، يظهر هذا الخلق في العفوِ، والرفقِ، ورفعِ الحرج، وصيانةِ الدماء والأعراض.

في السِّلم مثلا يظهر هذا الخلُق في الإحسان إلى المخالِفين، في فتح باب التوبة والاندماج، في ستر الزلاّت، في تقديم الإصلاح على العقوبة. وفي الحرب يظهر في كفّ الأذى عن غير المقاتلين، في تحريم الغدر والتمثيل، في الإطعام والإرفاق بالأسرى، في تقليل الضرر إلى أدنى حد ممكن.

ثانيا: الحكمة هي وضع الأمور في مواضعها الشرعية بتحقيق أعظم المصلحة ودفع أعظم المفسدة، مع مراعاة الزمان والمكان وحال الناس. في السلم مثلا يظهر هذا الخلق في تغليب الصلح والحوار، في ترتيب الأولويات، في بناء العهود والمواثيق، في الموازنة بين الحق والرفق لضمان الاستقرار. وفي الحرب يظهر في قرارٍ منضبط بالشرع والأخلاق، في التدرّج في الإجراءات، في التفريق بين المعتدي والمنخدع، في التزام قواعد الصراع، والوفاء بالعهود.

في خلاصة القول الرحمة تحفظ الكرامة والدماء، بينما الحكمة تُحسن التدبير وتختار أنفع المسارات. ويجتمعان عملياً في: العفو عند القدرة، العدل عند الخصومة، والحزم المنضبط عند العدوان، مع تقديم السّلم كلما أمكن.

في نفس السياق نجد فهما تجديديا في عصرنا الحديث للكلمتين عند الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله، إذ يقول: “أقصد بالرحمة العلاقة القلبية للعبد بربه، وأقصد بالحكمة تصرف العقل، عقل المؤمن المرحوم، أثناء فهمه لشريعة الله عز وجل، وأثناء صياغتها صياغة قابلة للتطبيق، وأثناء السهر على تنفيذ أوامرها والامتناع والزجر عن نواهيها”[1].

يضيف الإمام رحمه الله: “الرحمة قلبية، والحكمة عقلية راجعة في معرفة الأهداف والغاية إلى الوحي، آخذة بالتجربة التي تمكّن الإنسان من ضبط حركة الكون والسيطرة على تفاعلاته ليتسنى له تطبيق الشرع”[2].

المحور الثاني: مظاهر خلُق الرحمة وخلُق الحكمة في التعامل النبوي

تتجلى مظاهر رحمة النبي صلى الله عليه وسلم وحكمته في تعامله مع الأعداء والخصوم من خلال مواقف عملية كثيرة، أهمّها:

أولاً: مظاهر الرحمة:
وتتجلى في:

  1. العفو عند المقدرة: والأمثلة على ذلك: عفوه العام صلى الله عليه وسلم عن أهل مكة يوم الفتح رغم سنوات الأذى وقال لهم: “اذهبوا فأنتم الطلقاء“. استيعاب أسرى بدر بكفّ الأذى عنهم وتعليمهم أبناء الأنصار القراءة مقابل الفداء.
  2. الرفق بالأسرى والمعتدين: والأمثلة على ذلك: إطلاق سراح ثُمامة بن أَثال (سيد بني حنيفة) وإكرامِه، فأسلم طوعاً. العفو عن وحشي قاتل حمزة بعد إسلامه.
  3. الرحمة حتى تحت الأذى: والأمثلة على ذلك: دعاؤه لقومه عند إيذائهم في الطائف: “اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون“. تبسّمه للأعرابي الذي جذب رداءه بعنف، وأمر بإعطائه مالاً.
  4. ضبط النفس عند الاستفزاز: والمثال على ذلك: تأنيبه صلى الله عليه وسلم للصحابي الذي ثار غضباً لشتم يهودي للنبي صلى الله عليه وسلم، مؤكداً على العدل في الرد.

ثانياً: مظاهر الحكمة

  1. الصلح لتحقيق المصالح العليا: والمثال على ذلك: قبول شروط صلح الحديبية (المجحفة ظاهرياً) لتحقيق الاستقرار وفتح مجال الدعوة.
  2. التدرج في التعامل مع الخصوم: والأمثلة على ذلك: تأخير عقوبة رأس المنافقين (عبد الله بن أُبيّ) لدرء الفتنة الداخلية. التمييز بين الجاهل المضلَّل (يدعو له بالهداية) والمعتدي المنظم (يواجه بالحزم المنضبط).
  3. بناء التحالفات السلمية: والمثال على ذلك: كتابة “صحيفة المدينة” لتنظيم العلاقة مع اليهود وحفظ السّلم الأهلي.
  4. مراعاة الأولويات: والأمثلة على ذلك: الصبر على الأذى في مكة لسنوات دون ردّ عسكري، لحماية جوهر الدعوة. تقديم السّلم والحوار في رسائله إلى الملوك: “أسلِم تسلَم”.
  5. الالتزام بالأخلاق حتى في الحرب: والأمثلة على ذلك: النهي عن قتل غير المقاتلين (كبار السن، النساء، الأطفال، الرهبان). تحريم التمثيل بالجُثث أو الغدر، والتأكيد على الوفاء بالعهود: “المسلمون عند شروطهم“.

بكل اختصار جمع النبي صلى الله عليه وسلم بين رحمةٍ عامّة (تُغلّب على العداوة) وحكمةٍ عمليةٍ (تراعي المصالح وتدفع المفاسد)، مع تقديم العفو عند القدرة، وفتح باب التوبة، والالتزام بالعدل حتى مع الخصوم. وهذا السلوك النبوي يقدم نموذجاً خالداً في حلّ النزاعات وإدارة الخلاف بالحكمة والأخلاق.

المحور الثالث: آثار هذا التعامل النبوي الأخلاقي

في ضوء السيرة النبوية، ترتّبتْ عن رحمة النبي صلى الله عليه وسلم وحكمتِه في التعامل مع الأعداء آثارٌ عميقة على الفرد والمجتمع ومسار الدعوة والدولة ككل، من أبرز هذه الآثار:

  1. خفض منسوب العنف وإراقة الدماء، من خلال العفو العام والضوابط الأخلاقية في القتال حدّا من دوامة الثأر والانتقام.
  2. فتح القلوب وتسريع انتشار الدعوة من خلال إحسانه للأسرى والعفو عن المسيئين، إذْ حوّل خصوماً إلى أنصار (كثمامة ووحشي)، فصار التأثّر بالقدوة طريقاً للإيمان.
  3. ترسيخ شرعية الدولة وبناء الثقة من خلال الوفاء بالعهود وعدم الغدر أعطى الدولة النبوية مصداقية لدى الحلفاء والخصوم، وسهّل عقد المواثيق.
  4. استقرار اجتماعي وسِلم أهلي من خلال الاستيعاب بدل الاستئصال خفّف التوتر الداخلي وحال دون حروب أهلية، كما في التعامل مع المنافقين ما لم يُعلنوا حرباً.
  5. ترشيد الصراع بقواعد أخلاقية وذلك من خلال منع الاعتداء على غير المقاتلين وحماية الممتلكات أرسى “قواعد اشتباك” إنسانية سبقت عصرها.
  6. مرونة استراتيجية تحقق مكاسب بعيدة المدى من خلال صلح الحديبية الذي يمثل نموذجا لسياسة النفس الطويل: تقديم تنازلات تكتيكية مقابل فتح استراتيجي.
  7. تعزيز التربية الإيمانية والأخلاقية من خلال كظم الغيظ، الستر، ودرء الحدود بالشبهات، فقد ربّى رسول الله صلى الله عليه وسلم جيلاً يقدّم الإصلاح على التّشهير بالناس.
  8. توحيد الصف وبناء مجتمع متماسك من خلال العفو والعدل اللذان قلّلا من الانقسام، فأمكن ذلك من توجيه الجهد للبناء والدعوة.
  9. تقليل كلفة الصراع البشرية والمادية من خلال الاقتصاد في استخدام القوة، والإحسان للأسرى، وهذا يُقلّل الخسائر وأعباءَ ما بعد النزاع والصراع.
  10. إنتاج نموذج حضاري يُحتذى به من خلال تقديم معيارٍ أخلاقي لإدارة الخلافات بين الأمم والجماعات، صالحاً للاقتداء في السياسات المعاصرة.

إجمالا الرحمة تجذب القلوب وتضمّد الجراح، بينما الحكمة ترتّب الأولويات وتوازن بين المصالح والمفاسد؛ واجتماعهما كما اجتمعا في منهاج رسول الله صلى الله عليه وسلم يُثمر فتحا مبينا، وسِلمًا مستقراً، ومجتمعاً ذا ثقة وشرعية.

المحور الرابع: علاقة المقاومة الفلسطينية بأخلاق الحكمة والرحمة في التعامل مع العدو المحتل

هناك علاقة وطيدة تُظهر بجلاء كبير سلوك المقاومة على المنهاج النبوي في تعاملها مع العدو المحتل، ويمكن تلخيص تجليات الرحمة والحكمة في تعامل المجاهدين في غزة مع عدوهم المحتل في النقاط التالية:

     1.التعامل الإنساني مع الأسرى

  • المجاهدون يعاملون الأسرى وفقًا لأسس إنسانية، حيث يتم احترام حقوقهم وتوفير الاحتياجات الأساسية لهم.
  1. تجنب إيذاء المدنيين
  • يسعى المجاهدون للحفاظ على أرواح المدنيين، متجنبين استهدافهم أو استخدامهم كدروع بشرية، مما يعكس قيم الرحمة.
  1. الحكمة في استراتيجيات المقاومة
  • استخدام استراتيجيات مقاومة تتسم بالحكمة، مثل تجنب الاشتباكات المباشرة في المناطق المأهولة، والتركيز على الأهداف العسكرية.
  1. الحرص على الوحدة الوطنية
  • المجاهدون يعملون على تعزيز الوحدة بين الفصائل الفلسطينية، مما يعكس الحكمة في مواجهة الاحتلال من خلال تكثيف الجهود المشتركة.
  1. الدعوة للسلام
  • رغم المقاومة، يتم التأكيد على أهمية السلام وحقوق الشعب الفلسطيني، مما يعكس حسن النية في تحقيق العدالة.
  1. التأثير الإيجابي على المجتمع
  • المجاهدون يعملون على دعم المجتمع المحلي من خلال توفير المساعدات الإنسانية والخدمات، مما يعكس قيم التعاون والرحمة.

باختصار تتجلى الرحمة والحكمة في تعامل المجاهدين في غزة مع المحتل من خلال احترام حقوق الإنسان، تجنب العنف ضد المدنيين، وتعزيز الوحدة الوطنية، مما يُسهم في بناء مستقبل أفضل للشعب الفلسطيني.

خاتمة

كما أسلفنا الحديث، تُشكّل الرحمة والحكمة محور المقاربة الأخلاقية النبوية في السلم والحرب، فالرحمة في السيرة ليست عاطفة عابرة، بل خلقٌ أصيل “رحمة للعالمين” يحفظ الكرامة والدماء، ويتجلّى في العفو والرفق ورفع الحرج والإحسان إلى الخصوم والأسرى، وضبط النفس عند الاستفزاز، ومنع الاعتداء على غير المقاتلين والوفاء بالعهود. وأما الحكمة فهي حسنُ التقدير ووضعُ الأمور في مواضعها الشرعية، ترعى المآلات وتُوازن بين المصالح والمفاسد، وتُقدّم السلم والصلح والحوار، وتلتزم بقواعد صراع أخلاقية حين يفرضها العدوان، كما في صلح الحديبية والعفو يوم الفتح.

هذا المعنى الأخلاقي بقيم الرحمة والحكمة رسّخه الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله تعالى في “المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا”، باعتبار الإحسان وتزكية القلوب مركز المشروع: صحبةٌ وجماعةٌ وذكرٌ وصدق يُثمِر قلباً رحيماً حكيماً. عنده الرحمة ليست ليناً ساذجاً، بل “رحمة قوية”، تُقيم العدل وترفع الظلم بلا انتقام، والحكمة ليست دهاءً سياسياً، بل بصيرة بمقاصد الشريعة وسنن التدرّج وترتيب الأولويات. لذا دعا ويدعو إلى التدرّج التربوي والتنظيمي والسياسي، وإلى تقديم بناء الإنسان الفاعل والجماعة الفاعلة قبل المنازلة، مع مراعاة ميزان القوة واعتبار المآلات.

وفي السلم دعا إلى المواثيق والعمل المشترك والقيم الجامعة، والاستيعاب بدل الاستئصال، وبناء جبهة أخلاقية عريضة تضمّ الغيورين على العدل والكرامة من مختلف الأطياف. وإن وقع الصراع فبضوابط شرعية: لا غدر ولا تمثيل ولا اعتداء على الأبرياء، وفاءٌ بالعهود وكرامةٌ للأسرى، مع التفريق بين خصمٍ سياسي يُناصح ويُحاور وعدوٍ محارب يُردَع بحزمٍ منضبط. ومن تطبيقاته العملية: قدوة المربّين في الستر وكظم الغيظ، وانضباط الحركيين بالقانون ونبذ العنف الأعمى والصبر الاستراتيجي، واعتماد السياسيين للعدالة الانتقالية الراحمة والمصالحات الوطنية والإصلاح المؤسسي المتوازن.

خلاصة هذا الموضوع: رحمةٌ تؤلف القلوب وتحفظ الدماء، وحكمةٌ ترتّب المراحل وتُحسِن التدبير؛ فإذا اجتمعتا أثمرتا نصراً مبينا وسِلماً مستقراً ومُجْتمعاً ذا شرعية وثقة. هذا هو المنهاج الذي يجمع القلوب ويحسن إدارة الخلاف، ويقدّم نموذجاً حضاريا عملياً قابلاً للاقتداء في واقع اليوم.


[1] – عبد السلام ياسين، مقدمات في المنهاج، ص:13.

[2] – نفس المرجع والصفحة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.