منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

حوار مع صديقي “عبد الوهاب”

حوار مع صديقي "عبد الوهاب"/ د. محمد جعواني

0

حوار مع صديقي “عبد الوهاب”
د. محمد جعواني

قلت لصديقي عبد الوهّاب: بعد التّحية والتّقدير، ها قد هلّ “ربيع” القلوب والأنوار، وتجدّدت نسائم الشّوق والأسرار، وشاءت حكمة العليم الخبير أن تحلَّ الذّكرى العطرة والأمّة تعيش أحداثا جساما، وخُطوباً ثِقالاً… علّها تكون إرهاصات مخاضٍ مؤذنٍ بولادة مُحرِّرة من الظُّلُمات، أو تكون حُلْكَة الليل البهيمٍ المؤذنة ببزوغ فجر الانعتاق.

وبقَدْر آلام الخذلان والهوان والاستضعاف، تبزغ في الأفق آمال العزّة والإباء والاستخلاف، تؤيّدها آيات الرّحمن، وتزكّيها إنجازات الأبطال في معركة الرّجولة والشّرف، على أرض الرّباط وثغر المقدّسات.

وأظنّك صديقي العزيز – ونحن معك – في غنًى عن كلّ ما يُلفت الأنظار عن “الوجهة”، ويُحرّف الجهود عن “المسار”، ويُشغل الإرادات عن “واجب الوقت”.
قال لي عبد الوهّاب: بعد ردّ التّحية والتّقدير، أظنّك صديقي لا تدرك خطورة “الابتداع”، فهو شرٌّ من “بروتوكولات بَنِي صهيون” و”دسائس بَنِي عِلمان”، لذلك وجب النّفير والتّحذير، والجهاد بالقول الغليظ المبين.

قلت: زادنا الله وإيّاكم حرصاً على “الاتّباع” بدل “الابتداع” فذاك شرط الإيمان وبرهانه.

وأيّ زيغ أقبح من اعتقاد النّقص في شريعة “الكمال”، وأيّ ضلال أفدح من اتّهام سيّد ولد عدنان عليه الصّلاة والسّلام بالكتمان وترك “البيان”، وأيّ انحراف أَحَدُّ من ادّعاء إمكان الزّيادة والتّتميم والاستدراك !!!

قال سبحانه: ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ﴾ [المائدة، 4] وقال جلّ جلاله: ﴿ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [النّور، 61]

وكان صلّى الله عليه وسلّم يقول في افتتاح خطبه: “فإنّ خيرَ الحديث كتاب الله، وخيرَ الهُدَى هُدَى محمّد، وشرّ الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة” [رواه مسلم]. “وكلّ ضلالة في النار”[رواه النّسائي بإسناد حسن].
وقال عليه الصّلاة والسّلام: “مَنْ أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردٌّ” [متّفق عليه] وفي رواية أخرى: ” من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ” [رواه مسلم]

فهذه نصوص الوحي الصّحيحة، وتلك مقرّرات الشّريعة الصّريحة. ولا ينكر ذلك إلا مكابرٌ شقيّ، أو جاهل دَعِيّ.

قال لي عبد الوهّاب: إذن، اتّفقنا. ولم يبق إلا الانصياع وترك الشّقاق، ونبذ البدع والمحدثات.

قلت له: مهلاً صديقي، ولا تعجل. عافانا الله وإيّاكم من الشّقاق والنّفاق وسوء الأخلاق.

قل لي: عن أيّ ابتداع تتحدّث؟!!

أتقصد بدعة تكفير “الأشاعرة” المخالفين لـ”عقيدة السّلف” الصّحيحة!! أم تقصد بدعة وجوب “الطّاعة العمياء” لولاة الأمر، ولو فعلوا وفعلوا..!! أم تراك تعني بدعة تسفيه “التّمذهب” ونعت أئمة الفقه وجهابذته بالزّيغ والانحراف، وترك السّنن!! أم تريد بدعة ادّعاء امتلاك صكّ “الجِنان” “للفرقة النّاجية” ورمي جماهير المسلمين في “النّيران”!!

عفوا صديقي! لقد نسيت، لعلّك تريد بدعة سَلْخِ “الإخوان” وجَلْدِ العاملين لتحرير “الإنسان” و”الأوطان”، ولو بذلوا المُهَج والنّفوس، وسكنوا “الأنفاق” و”الكهوف”!!

قال لي صديقي مُغْضَباً: ظننتك لبيبا بالإشارة يفهم! ليس عن ذاك كان الكلام.
إنّما أقصد بدعة “الموالد” التّي لم تثبت عن القرون الفواضل، وأنكرها العلماء الفطاحل.

قلت: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم، ولا حول ولا قوّة إلا بالله العليّ العظيم.
وصدق مولانا الأمين صلى الله عليه وسلم: “يُبْصِرُ أَحَدُكُمُ الْقَذَاةَ فِي عَيْنِ أَخِيهِ، وَيَنْسَى الْجِذْلَ، أَوِ الْجِذْعَ، فِي عَيْنِ نَفْسِهِ”. [رواه البخاري في الأدب المفرد] كيف عُمِّيتَ عن تلك الموبقات المهلكات الواضحات، واشتغلت وأشغلت بأمر يسعه الاختلاف ويحتمل التّوجيه والإعذار!!!
إنّه لعمري، نكوص وارتكاس، وخلل واختلال، وتيه وانطماس!!

قال عبد الوهّاب وقد انتفخت أوداجه: لو كان خيرا لَعَلِمَهُ النبي صلى الله عليه وسلم، ولو علمه لَبَلَّغه وبيّنه. فَلَمّا غاب البيان، دلَّ ذلك على الحظر والبطلان.

قلت: أسطوانة مشروخة، وفذلكة مجترّة!!

هاك نقيضها: لو كان شرًّا لعلمه النبي صلى الله عليه وسلم، ولو علمه لبيّنه وحذّرنا منه. فلمّا غاب البيان دلَّ على الإباحة والجواز.

قال عبد الوهّاب: فلِمَ لم يفعله النبي الأمين، ولا الصّحب الكرام، ولا أهل السّبق الخيار!

قلت: هاك هذه المقرّرات الحسان، عُضَّ عليها بالنواجذ تغنيك عن البيان.

– ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرا إلا دلّنا عليه، وما ترك شرًّا إلا حذّرنا منه ونهانا عنه، وذلكم على سبيل العموم والإجمال، أو على سبيل الخصوص والتّفصيل.

– أوّل المحتفين المحتفلين هو صاحب المولد الشّريف عليه الصّلاة والسّلام، صياماً لله وتقرّبا” ذاك يوم ولدت فيه”[رواه مسلم].

– “التّركُ” النّبوي لا يفيد حظرا ولا تحريما، ولا بدّ معه من قرينة للبيان، وقد ترك النبي العدنان عليه الصّلاة والسّلام “أكل الضبّ” لأنّه عافه ولم يكن من مألوف طعام قومه. وترك الجماعة للتّروايح مخافة أن تُفرض.

– النّهي عن البدعة هو من “العام المخصوص”، والمراد “بدعة الضلالة” المخالفة للأمر النبوي والهدي المحمّدي، والتي تُحْدَثُ لمضاهاة ومزاحمة الطريقة الشرعية في النّسك والعبادة.

أمّا “البدعة الحسنة” أو بالأحرى “السنّة الحسنة” فأجرها ثابت لفاعلها والدالِّ عليها. “مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ كُتِبَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا وَلَا يَنْقُصُ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ. وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ، كُتِبَ عَلَيْهِ مِثْلُ وِزْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا وَلَا يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ” [رواه مسلم]

وهذا مذهب جماهير أهل العلم وجهابذتهم، وقد عَدُّوا “الاحتفال” الخالي من المحظورات من الأعمال الحسنة المعتبرة، وقول ابن تيمية في ذلك معروف مشهور.

– أحدَث السَّلف الصّالح “محدثات” حساناً اجتهادا منهم، في حياته صلى الله عليه وسلم وبعد وفاته، بناءً على فهمهم العميق والدّقيق للسنّة والبدعة، وإعمالا لأصل معتبر هو “المصلحة المرسلة”، ومن أمثلة ذلك ما يلي:

– في حياته صلى الله عليه وسلم: “أحدث” بلال رضي الله عنه ركعتين بعد الوضوء، و”أحدث” صحابيٌّ جليل قول “ربّنا ولك الحمد حمدا كثيرا طيّبا مباركا فيه” بعد الرفع من الرّكوع في الصّلاة…

وفي كلا المثالين لم ينههما النبي الكريم عن أصل “الإحداث”، بل أقرَّ حُسن صنيعهما، وبشَّرهما بجزيل ثوابهما، وأصبح ما أحدثاه من سنن العبادة المشروعة.

– بعد وفاته صلى الله عليه وسلم: جمعَ عمر رضي الله عنه النّاس على إمام واحد في “التّروايح”، وجمع أبو بكر وعثمان رضي الله عنهما القرآن الكريم الجمع الأوّل ثمّ الثّاني، وضبطَ أهل العلم الآيات الكريمة “إعجاما وشكلا وتقسيما ووقفا…”، ودُوّنت “السنة” زمن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه…

– محبّة “الجناب الشّريف” صلى الله عليه وسلم، وتوقيره، وتعظيمه، وطاعته، واتّباعه، مقاصد عُظمى، وعُرًى وُثقى “للسّالكين”، وصُوًى ومنارات لأهل الإيمان واليقين. وكلّ ذلك مأمور به منصوص عليه بصريح الوحي قرآنا وسنّة.

وكلُّ الوسائل المُفضية لتحقيق تلك المقاصد العظمى فهي مشروعة ومطلوبة.

و”الوسائل لها حُكم المقاصد”. فوسيلة الواجب واجبة، وهكذا.

– ما أحوجنا في زمن الهجوم على السنّة وتسفيه أئمّة الحديث لاغتنام مناسبة المولد وسائر المناسبات تعريفا بالمصطفى عليه الصّلاة والسلام، خَلْقًا وخُلُقًا، سيرة وشمائلا، وإظهارا لجمال الرّسالة وكمال الشّرعة.

– “هو والله خير” كلمةٌ هاديةٌ حانيةٌ فاصلة، تجيب عن منطلق الإشكال:

“كيف أفعل شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟” قالها الصدّيق للفاروق رضي الله عنهما لمّا طلب إليه جمع القرآن.

“كيف تفعلان شيئا لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم؟” قالها زيدٌ للصدّيق والفاروق رضي الله عن الجميع.

“هو والله خير” كلمة شرح الله بها صدر الصحابة الثّلاثة، فـ”أحدثوا” أعظم الأعمال وأجلّها “جمع القرآن الكريم” أصل الدّين ومنبع الشّريعة.

تُرى صديقي العزيز، أيُعتبر اجتماع ثلّة من المؤمنين في ليلة ممن ليالي “الرّبيع الأنور” [والمناسبة شرط] يجددون فيها العهد بـ”السّراج المنير” “البشير النذير” صلى الله عليه وسلم، ذِكْرًا ومدحا، محبّة وتعظيما، تعرُّفا وتعريفا، تأسيّا واتّباعا… من الخير أم من الشر؟؟؟

“هو والله خير” لمن شرح الله صدره، وألهمه رشده.

قال عبد الوهّاب: بعد صمت وإنصات، عن أيّ احتفال تتحدّث؟ ويوم الميلاد هو نفسه يوم الوفاة!!

قلت: بيانه من زاويتين، أمّا الأولى فعادة الشّرع سنُّ الفرح والابتهاج والذّبح أحيانا في مناسبات السّرور والأفراح، حمدا لله وشكرا على الآلاء والنّعماء. بخلاف مناسبات الأحزان والأتراح.

فنحن نحتفي بمناسبة الميلاد، حمدا لله وشكرا على مُخرجنا بإذن ربّنا من الظلمات إلى النّور.

أمّا الثّانية: فادّعاء توافق يومي الميلاد والوفاة يُعَدُّ من “الأحاديث” المشتهرة على الألسنة، التي يعوزها التّحقيق والتّدقيق والحساب الدّقيق.

فالثّابت في السّنّة أن يوم عرفة هو يوم التّاسع من ذي الحجّة، والمقطوع به أنّ النبي الكريم عليه الصّلاة والسّلام حجّ حجّة الوداع في السّنة العاشرة للهجرة، ووقف بعرفة يوم الجمعة، وتوفّي صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين من شهر ربيع الأوّل من السّنة الحادية عشرة للهجرة بإجماع العلماء.
فإذا عددنا أيّام شهر ذي الحجة بدءاً من الجمعة تاسع ذي الحجّة إلى ربيع الأوّل، أخذا بالحسبان تمام شهور ذي الحجّة والمحرّم وصفر(30 يوما) أو نقصانها(29 يوما)، فالنتيجة قطعا أنّ جميع أيّام الاثنين من شهر ربيع الأول من سنة 11ه لا توافق تاريخ الثّاني عشر. قال ابن حجر: “وَكَانَتْ وَفَاتُهُ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ بِلَا خِلَافٍ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ وَكَادَ يَكُونُ إِجْمَاعًا، لَكِنْ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ عِنْدَ الْبَزَّارِ فِي حَادِي عَشَرَ رَمَضَانَ، ثُمَّ عِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ، وَالْجُمْهُورُ أَنَّهَا فِي الثَّانِي عَشَرَ مِنْهُ، وَعِنْدَ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ وَاللَّيْثِ وَالْخَوَارِزْمِيِّ وَابْنِ زَبْرٍ: مَاتَ لِهِلَالِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَعِنْدَ أَبِي مِخْنَفٍ وَالْكَلْبِيِّ: فِي ثَانِيهِ، وَرَجَّحَهُ السُّهَيْلِيُّ”[فتح الباري 7/736]

وأضاف ابن حجر قائلا: “وَقَدِ اسْتَشْكَلَ ذَلِكَ السُّهَيْلِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ أَعْنِي كَوْنَهُ مَاتَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ ثَانِي عَشَرَ شَهْرَ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ ذَا الْحَجَّةِ كَانَ أَوَّلُهُ يَوْمَ الْخَمِيسِ، فَمَهْمَا فُرِضَتِ الشُّهُورُ الثَّلَاثَةُ تَوْأَمٌ أَوْ نَوَاقِصُ أَوْ بَعْضُهَا لَمْ يَصِحَّ، وَهُوَ ظَاهِرٌ لِمَنْ تَأَمَّلَهُ”[فتح الباري7/736].

فتأمّل صديقي، ودع عنك “دعوى” الإجماع على توافق اليومين.

وقلت ختاما: “يكفي من القلادة ما أحاط بالعنق”.

شكر الله لكم صديقي على هذا الحوار والتّواصل، فما أحوجنا لحسن الإصغاء والإنصات للآخر المخالف، وحمل الكلام على أحسن المحامل، والتّعاون على الجامع المشترك، والإعذار في المختلف المحتمل.

وَحَيَّا الله أُسْدَ الجهاد في أرض الرّباط، فاللهم أمدّهم بمددك وجندك، وأنزل عليهم سكينتك وتأييدك، وعليك اللهمّ بأعدائك، وأرنا فيهم عجائب قدرتك.

ملحوظة: “عبد الوهّاب” “رمز” وليس اسم علَم.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.