(5) مقاصد تنمية أموال الزكاة، واستثمارها؛ سلسلة مقالات الزكاة والتنمية
الدكتور أحمد الإدريسي / (5) مقاصد تنمية أموال الزكاة، واستثمارها
(5) مقاصد تنمية أموال الزكاة، واستثمارها؛ سلسلة مقالات الزكاة والتنمية
بقـلم: الدكتور أحمد الإدريسي
رأينا أن الزكاة تساهم في التنمية الاجتماعية والاقتصادية، وأن لها أثر فعّال في معالجة ظاهرة الفقر والحدّ من انتشاره، حيث كان القصد من شرعها وإيجابها على أغنياء المسلمين سدّ حاجة المحتاجين. ولقد اهتم المعاصرون بأمر الزكاة وعقدت ندوات علمية لبيان المعنى التكافلي والتضامني في الزكاة، وكذلك جعلها الشيخ يوسف القرضاوي الوسيلة الثالثة لعلاج مشكلة الفقر في كتابه “مشكلة الفقر وكيف عالجها الإسلام”.
وسأناقش في هذا المقال مقاصد تنمية واستثمار أموال الزكاة، وأبين أنواع هذه المقاصد، فقد أكد عدد من العلماء المعاصرين أن المشكلات الاقتصادية خاصة الفقر لم تظهر في المجتمعات التي تطبق الاقتصاد الإسلامي لأن من مبادئ الزكاة التي شرعها الله سبحانه وتعالى إغناء الناس، وبناء مجتمع متكامل اجتماعيا واقتصاديا.
أولا: مقاصد أخلاقية:
محاربة آفات الحسد والسرقة والانفلات الأمني والتفاوت الطبقي وغير ذلك من الجرائم والرذائل التي يكون عاملها الأساس تفشي الفقر والحاجة. ولذلك جعل من مصارفها الفقير والمسكين وابن السبيل والمدين، والزكاة نماء وتطهير لشخصية الفقير حتى يشارِك في واجباته الاجتماعية، ويسلم من الحقد والحسد تجاه الأغنياء. وهي تطهير أيضا لشخصية الغني وتدريبٌ له على الإِنفاق في سَبيلِ الله، ولا يَستطيع الإِنسان الوصول إلى الإِنفاق في سَبيل الله، إلّا بعد أن يعتادَ أداء الزكاة، وهي الحدّ الأَدنى الواجب إنفاقه.
ثانيا: مقاصد اجتماعية:
1- المساهمة في علاج مشكلة البطالة والتسول والجريمة وغير ذلك من صور الفساد الاجتماعي والاقتصادي، كما يمكن للفقير المجتمعات المعاصرة أن يصبح غنيا من خلال إيجاد عمل له سواء في مصنع أو مزرعة حتى ولو لم يكن مالكا لها عن طريق قيام الدولة ببناء المصانع وتوظيف الناس فيها وبذلك نكون قد أغنينا هؤلاء الناس.
2- تحقيق استقرار المجتمع:
إن دفع الزكاة بشكل منتظم يساهم في استقرار المجتمع ويساهم في تحقيق الأمن الغذائي، وفي الحد من الطبقية، ويساعد المجتمعات الفقيرة على الرقي.
3- التكافل الاجتماعي:
الزكاة أكثر العبادات تأثيرا في إقامة التضامن بين المسلمين ودليلا عليه، مضيفا أن في أدائها تتجلى أوضح صور التكافل وأساليب التضامن، إضافة إلى تمتين أواصر المودة والتضامن الاجتماعي بين الأفراد وتجسيد مبدأ التكافل الاجتماعي لأن المجتمع البشري بطبعه يحتضن فئات هشة ومنها؛ الفقراء واليتامى والعاجزين عن النشاط وذوي الاحتياجات الخاصة وهو ما يتطلب دعمهم ماديا وأدبيا منعا لظهور أي آفات اجتماعية معنوية أم حسية.
4- الضمان الاجتماعي:
تعدّ الزكاة أول تشريع يُنظم الضمان الاجتماعي، الذي لا يعتمد على الصدقات الفردية التطوعيّة، بل يقوم على مساعدات حكوميّة دورية منتظمّة، وقد وضح هذا المعنى للزكاة الشيخ القرضاوي بعد دراسة موسعة لفقه الزكاة ونظامها وأهميتها بقوله: (وهي نظام اجتماعي لأنها تعمل على تأمين أبناء المجتمع ضدّ العجز الحقيقي والحكمي، وضدّ الكوارث والجوائح، وتحقق بينهم التضامن الإنساني الذي يعين فيه الواجد المعدم ويأخذ القوي بيد الضعيف، والمسكين وابن السبيل ويقرب المسافة بين الأغنياء والفقراء، ويعمل على إزالة الحسد والظغينة بين القادرين والعاجزين)[1].
كما أن هذه الفريضة هي؛ أول إعانة تُنظم بواسطة الحكومة لمختلف ذوي الحاجات في المجتمع، بل هي حق معلوم لهم وفريضة من الله، وأن تاريخ التدابير الحكومية لإعانة الضعفاء والمحتاجين، لا يبدأ بالقرن السابع عشر -كما قيل- كما أن الضمان الاجتماعي ليس من مستوردات الغرب، ولا من مبتكرات العصر، بل هو نظام إسلامي أصيل، وفره الإسلام للمسلمين وغير المسلمين. ويقول الدكتور القرضاوي: (… فمبدأ الإسلام الساذج الفطري أنك إذا كنت غنيًا اليوم، فساعد غيرك، ليساعدك غيرك إذا افتقرت غدًا، فليس لك أن تشغل بالك بالتفكير فيما يكون عليه حالك إن أصبحت فقيرًا، أو حال زوجك وأولادك إذا نالتكَ المنية وانتقلتَ إلى الدار الآخرة، وكيف تنجو من المصائب إذا نزلت بك نازلة أو مرضتَ أو أصبت بالحريق أو الفيضان؟ وماذا تفعل إن كنت على سفر وليس عندك شيء من المال؟ فالزكاة هي التي تغنيك وتنجيك عن التفكر في مثل هذه الأمور إلى أبد الآباد)[2].
ثالثا: المقاصد الاقتصادية:
1- التوازن والاستقرار الاقتصادي:
تحقق الزكاة التوازن والاستقرار الاقتصادي في المجتمع، من خلال قدرتها على مواجهة الكوارث الاقتصادية والخلل في البنيان الاقتصادي وحالات إفلاس المشروعات، مؤكدا أن من يحلل مصارف الزكاة يجد أن من ضمنها سهم الغارمين وهم الذين ركبتهم ديون لا يقدرون على الوفاء بها سواء بسبب الإنتاج أو بسبب الاستهلاك وهنا يظهر دور الحاكم في مساعدة هؤلاء، ويعتبر ذلك تأمينا ضد الكوارث.
ويرى شحاتة أن تطبيقها يساهم في تحويل الفقراء القادرين على العمل إلى منتجين، وأنها تزيد القوة الشرائية للنقود بنقلها إلى الفقراء الذين ينفقونها على الضروريات والحاجيات بدلا من إنفاقها على الكماليات.
ويمكن توجيه أموال الزكاة إلى التنمية الاقتصادية الذاتية داخل البيوت الفقيرة من خلال تمويل المشروعات الصغيرة وهذا يساهم في علاج مشكلة الفقر، والفقهاء وضعوا مجموعة من الضوابط الشرعية للمشروعات الإنتاجية الزكوية منها أن تكون في المجالات المشروعة النافعة للمجتمع وإقامة المرافق العامة، وأن تقع في مجال الضروريات، ما يؤدى إلى زيادة القوة الإنتاجية للمجتمع والدخل القومي، وأن تكون مأمونة، وأن يتمتع القائمون عليها بالقيم والمثل والكفاءة، وأن تتفق أهدافها مع رسالة الزكاة.
وزكاة المال تؤدي إلى محاربة الاكتناز وتحفز على استثمار الأموال وتنشيط الاقتصاد وهذا يوفر الأموال السائلة أمام المشروعات الاقتصادية لتنمو وتزدهر، لأن الشريعة الإسلامية فرضت الزكاة على المال النامي أو القابل للنماء وهذا يحرك صاحبه لاستثماره خشية أن تأكله الزكاة، وأكد ذلك الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله: “اتجروا في مال اليتيم حتى لا تأكله الصدقة”.
وليست الزكاة مهمة أن تعطي الفقير أموالا يستهلكها في يوم أو شهر أو حتى سنة وإنما مهمة الزكاة أن تغني الإنسان العمر كله. ويوضح أن الإسلام من خلال الزكاة يقدم للفقراء رؤوس أموال يستخدمونها في تجارة أو صناعة، بهذا يصبح الفقير غنيا ليس من هذا المال ولكن من عمله ومجهوده، أما من لا يعرف حرفة أو ليست لديه قدرة على تعلم أي مهنة فيمكن أن نشتري له ضيعة أو حصة في ضيعة تكفيه غلتها عمره كله وتوقف عليه ولا يسمح له ببيعها.
2- الزكاة عصب الاقتصاد الإسلامي:
أجمع العلماء والمختصون في الاقتصاد الإسلامي أن زكاة المال عصب النظام الاقتصادي الإسلامي ففيها الحلول لعدد من المشكلات الاقتصادية المعاصرة.
– يرى الدكتور شحاتة أن تطبيقها يساهم في تحويل الفقراء القادرين على العمل إلى منتجين، وأنها تزيد القوة الشرائية للنقود بنقلها إلى الفقراء الذين ينفقونها على الضروريات والحاجيات بدلا من انفاقها على الكماليات، كما يمكن توجيه أموال الزكاة إلى التنمية الاقتصادية الذاتية داخل البيوت الفقيرة من خلال تمويل المشروعات الصغيرة وهذا يساهم في علاج مشكلة الفقر. ويرى عدد من خبراء الاقتصاد أن في زكاة المال الحلول الاقتصادية للمشكلات التي فشلت النظم الاقتصادية الوضعية في علاجها، وقد وجدنا فعلا أن مشكلة تكدس الأموال لدى فئة يؤدي إلى زيادة الفوارق بين الطبقات، وعدم الاستقرار الاقتصادي، والفوائد الربوية، والتضخم، والاكتناز، وأن هذه المشكلات أدت إلى الحياة البائسة للطبقة الفقيرة، وانخفاض مستوى الدخول، وعدم توفير الحاجات الأساسية.
– تحفز الزكاة على إدخال السيولة النقدية في قلب النشاط الاقتصادي واستثمار المال المفضي إلى خلق فرص الشغل وتنمية الثروة لأن صاحب المال إذا اثر الادخار على الاستثمار ستقضي الزكاة على ماله وتستنزفه عاما بعد عام، لكن إن حوله إلى وسائل إنتاج أو ثروة فلاحية أو حيوانية فان المال سينمو والزكاة تقل لأنها لا تفرض على وسائل الإنتاج بل على ما تدره من أموال.
– توسيع دائرة المال واستثماره حتى لا يبقى حكرا على طبقة من الأثرياء يتداولونه فيما بينهم ويباعدون بينهم وبين باقي طبقات المجتمع. لذلك قال الله تعالى: “كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ” (الحشر:7)، لأن احتكار المال والإنتاج والاستثمار من قبل فئة دون أخرى مظنة لتقويض مبدأ تكافؤ الفرص وجودة الإنتاج ومعقولية الأسعار والقضاء على روح المنافسة التي تعد أساس الحركية الإنتاجية.
خــلاصة:
الزكاة تحقق التوازن والاستقرار الاقتصادي في المجتمع، من خلال قدرتها على مواجهة الكوارث الاقتصادية والخلل في البنيان الاقتصادي. وفي المجتمعات المعاصرة يمكن للفقير أن يصبح غنيا من خلال إيجاد عمل له سواء في مصنع أو مزرعة حتى ولو لم يكن مالكا لهما عن طريق قيام الدولة ببناء المصانع وتوظيف الناس فيها وبذلك نكون قد أغنينا هؤلاء الناس، فهناك نماذج لمجتمعات تطبق نظام الزكاة مثل السودان وماليزيا ومصر، حيث يتم جمع مبالغ كبيرة من أموال الزكاة ولكن هذه المبالغ غير منظمة ولا يتم إنفاقها على المجتمع ككل.
يقول الدكتور القرضاوي: (وهذه هي الثروة الكافلة للعاطلين منهم، وهذه هي الوسيلة لإعانة عجزتهم ومرضاهم ويتاماهم وأياماهم ومواساتهم وتعهد أحوالهم؛ وفوق كل ذلك هو الشيء الذي يغني المسلم عن التفكر في غده. فمبدأ الإسلام الساذج الفطري أنك إذا كنت غنيًا اليوم، فساعد غيرك، ليساعدك غيرك إذا افتقرت غدًا)[3].
خــاتمـة سلسلة مقالات الزكاة والتنمية:
إن الإسلام من خلال الزكاة يقدم للفقراء رؤوس أموال يستخدمونها في تجارة أو صناعة، فالزكاة ليست مهمتها أن تعطي الفقير أموالا يستهلكها في يوم أو شهر أو حتى سنة وإنما مهمة الزكاة أن تغني الإنسان العمر كله. وبهذا يصبح الفقير غنيا ليس من هذا المال ولكن من عمله ومجهوده، أما من لا يعرف حرفة أو ليست لديه قدرة على تعلم أي مهنة فيمكن أن نشتري له ضيعة أو حصة في ضيعة تكفيه غلتها عمره كله وتوقف عليه ولا يسمح له ببيعها.
وقد كانت الخلافة الإسلاميّة تعتني اعتناءً كبيرا بالزكاة، وتدير أمرها، وترعى شؤونها حتى تؤدى الحقوق إلى أصحابها. فكان للزكاة أثر فعّال في التخفيف من مظاهر الفقر في المجتمعات الإسلاميّة عبر التاريخ، وذلك في الفترات التي طبّقت فيها الزكاة، وتمّ إعطاؤها لمستحقيها، وكذلك في الزمن الذي كان فيه الأغنياء يؤدون الزكاة، ويتولى جمعها ولاة صالحون ويعطونها لمن سمى الله في كتابه الحكيم.
إنّ الزكاة بذلك تعدّ أول تشريع يُـنظم الضمان الاجتماعي، لا يعتمد على الصدقات الفردية التطوعيّة، بل يقوم على مساعدات حكوميّة دورية منتظمّة، مساعدات غايتها تحقيق الكفاية لكلّ محتاج؛ الكفاية في المطعم والملبس والمسكن وسائر حاجات الحياة، لنفس الشخص ولمن يعوله في غير إسراف ولا تقتير، فتحقق بذلك التوازن في توزيع الثروة داخل المجتمع الإسلامي، فتقـلُّ الجرائم المتعلقة بالمال لأنّ الفقراء قد أخذوا حقهم من طريق شرعي، فليس هناك ما يدعو لأخذه خفيةً بالسّرقة أو قوةً بالغصب.
والحمد لله رب العالمين.
[1] – د. يوسف القرضاوي، فقه الزكاة. (الناشر: مؤسسة الرسالة، الطبعة السابعة، 1422هـ-2001م). ج: / ص: 632.
[2] – د. يوسف القرضاوي، فقه الزكاة، ج: 2 / ص: 640. (مرجع سابق).
[3] – د. يوسف القرضاوي، فقه الزكاة، ج: 2 / ص: 633. (مرجع سابق).