زكاة الفطر مشروعيتها و أحكامها
زكاة الفطر مشروعيتها و أحكامها/ حسن أبا علي
زكاة الفطر مشروعيتها و أحكامها
بقلم: حسن أبا علي
1- تعريف الزكاة
الزكاة لغة هي الزيادة والنمو، زكا الزرع، إذا نما وزاد، وزكت النفقة، إذا بورك فيها، وقد تطلق بمعنى الطهارة، قال تعالى، قد أفلح من زكاها 1 أي طهرها عن الأدناس، كما أن هذه اللفظة تدل على الصلاح، يقال، فلان زكى إذا صلح 2.
وأما شرعا: عرفها المالكية بأنها، إخراج جزء مخصوص من مالٍ مخصوص بلغ نصاباً، لمستحقه، إن تم الملك، وحول، غير معدن وحرث 3.
2- حكم الزكاة
الزكاة فرض عين ثبتت فرضيتها في الكتاب والسنة. قال الله تعالى: وأقيموا الصلاة وأتوا الزكاة.
وقال تعالى: “خذ من أموالهم صدقة” قال العلماء أن الآية دليل على إيجاب الزكاة.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بعث معاذًا إلى اليمن: “إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب، فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تُؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم” 4.
كما أجمعت الأمة على وجوبها من لدن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم إلى اليوم ولم يشذ أحد. وقد قال سيدنا أبو بكر رضي الله عنه عن مانعي الزكاة: “والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها” 5.
وهي ركن من أركان الإسلام الخمسة. قال صلى الله عليه وسـلم: “بني الإسلام على خمس، شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت” 6.
وقد جاء الوعيد شديدا في حق مانعها، حيث قال الحق سبحانه: والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم، يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وجلودهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون 7.
ووردت أحاديث كثيرة تبين عقوبة مانع الزكاة في الآخرة، منها ما رواه أبو هريرة – رضي الله عنه – قال، قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم: “من آتاه الله مالاً فلم يؤد زكاته، مثل له ماله يوم القيامة شجاعاً أقرعاً له زبيبتان، يطوقه يوم القيامة، ثم يأخذ بلهزمته – يعني شدقيه – ثم يقول: أنا مالك أنا كنزك” 8.
وبعد أن بينا أهميتها عموما فإن غرضنا هو زكاة الفطر، التي تخرج آخر رمضان.
وهي صدقة تجب بالفطر في رمضان، وأضيفت الزكاة إلى الفطر لأنها سبب وجوبها.
3- مشروعية زكاة الفطر
عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: “فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَكَاةَ الْفِطْرِ طُهْرَةً لِلصَّائِمِ مِنْ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ مَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلاةِ فَهِيَ زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ وَمَنْ أَدَّاهَا بَعْدَ الصَّلاةِ فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنْ الصَّدَقَاتِ” 9.
قوله: «طهرة»، أي تطهيرا لنفس من صام رمضان، وقوله: «والرفث» قال ابن الأثير، الرفث هنا هو الفحش من كلام، قوله: «وطعمة» بضم الطاء وهو الطعام الذي يؤكل. قوله: “من أداها قبل الصلاة”، أي قبل صلاة العيد، قوله: “فهي زكاة مقبولة”، المراد بالزكاة صدقة الفطر، قوله «صدقة من الصدقات»، يعني التي يتصدق بها في سائر الأوقات 10.
وقيل هي المقصودة بقوله تعإلى في سورة الأعْلَى: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى؛ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَأَبِي الْعَالِيَةِ قَالا: (أَدَّى زَكَاةَ الْفِطْرِ ثُمَّ خَرَجَ إلى الصَّلاةِ) 11 أي صلاة العيد.
وعَنْ وَكِيعٍ بْنِ الْجَرَّاحِ رحمه الله قَالَ: (زَكَاةُ الْفِطْرِ لِشَهْرِ رَمَضَانَ كَسَجْدَتِي السَّهْوِ لِلصَّلاةِ، تَجْبُرُ نُقْصَانَ الصَّوْمِ كَمَا يَجْبُرُ السُّجُودُ نُقْصَانَ الصَّلاةِ) 12.
4- حكم زكاة الفطر
الصَّحِيحُ أَنَّهَا فَرْضٌ؛ لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ، “فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم زَكَاةَ الْفِطْرِ”. وَلإجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهَا فَرْضٌ 13. يخرجها الإنسان المسلم عن نفسه وعمن ينفق عليهم من الزوجات والأقارب إذا لم يستطيعوا إخراجها عن أنفسهم فإن استطاعوا فالأولى أن يخرجوها هم، لأنهم المخاطبون بها أصلاً.
عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: “فرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ عَلَى الْعَبْدِ وَالْحُرِّ وَالذَّكَرِ وَالأُنْثَى وَالصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إلى الصَّلاةِ” 14.
5- الحكمة منها
والحكمة منها إغناء الفقراء في هذا اليوم عن السؤال وحتى يتسنى لهم الفرح بالعيد كغيرهم من المسلمين لأنهم يكونون في ضيافة الله عز وجل.. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أغنوهم في هذا اليوم”.
6- على من تجب؟
تجب على المستطيع، قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَكُلُّ مَنْ دَخَلَ عَلَيْهِ شَوَّالٌ وَعِنْدَهُ قُوتُهُ وَقُوتُ مَنْ يَقُوتُهُ يَوْمَهُ وَمَا يُؤَدِّي بِهِ زَكَاةَ الْفِطْرِ عَنْهُ وَعَنْهُمْ أَدَّاهَا عَنْهُمْ وَعَنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ إلا مَا يُؤَدِّي عَنْ بَعْضِهِمْ أَدَّاهَا عَنْ بَعْضٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ إلا سِوَى مُؤْنَتِهِ وَمُؤْنَتِهِمْ يَوْمَهُ فَلَيْسَ عَلَيْهِ وَلا عَلَى مَنْ يَقُوتُ عَنْهُ زَكَاةُ الْفِطْرِ . الأم باب زكاة الفطر.
يخرج الإنسان عن نفسه وزوجته – وإن كان لها مال – وأولاده الفقراء ووالديه الفقيرين، والبنت التي لم يدخل بها زوجها. فإن كان ولده غنياً لم يجب عليه أن يخرج عنه، ويُخرج الزوج عن مطلقته الرجعية لا الناشز ولا البائن، ولا يلزم الولد إخراج فطرة زوجة أبيه الفقير لأنه لا تجب عليه نفقتها ولا تجب عن الحمل الذي في البطن إلا إن يتطوع بها فلا بأس . وَإِنْ مَاتَ مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْفِطْرَةُ قَبْلَ أَدَائِهَا، أُخْرِجَتْ مِنْ تَرِكَتِهِ.. وَلَوْ مَاتَ مَنْ يَمُونُهُ، بَعْدَ وُجُوبِ الْفِطْرَةِ، لَمْ تَسْقُطْ 15.
والخادم إذا كان له أجرة مقدرة كل يوم أو كل شهر لا يُخرج عنه الصدقة لأنه أجير والأجير لا يُنفق عليه 16.
وفِي إخْرَاجِ زَكَاةِ الْفِطْرِ عَنْ الْيَتِيمِ، قَالَ مَالِكٌ رحمه الله: يُؤَدِّي الْوَصِيُّ زَكَاةَ الْفِطْرِ عَنْ الْيَتَامَى الَّذِينَ عِنْدَهُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَإِنْ كَانُوا صِغَارًا. 17.
7- مقدارها
مقدارها صاع من طعام بصاع النبي صلى الله عليه وسلم لما تقدم لحديث أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ “كُنَّا نُعْطِيهَا فِي زَمَانِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “صَاعًا مِنْ طَعَامٍ”” 18.
8- وقت وجوبها
اختلف الفقهاء رحمهم الله تعالى في وقت الوجوب، فذهب الحنفية والمالكية في قول إلى أن وقت الوجوب هو طلوع فجر يوم العيد، واستدلوا على ذلك بما رواه نافع عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم “أمر بزكاة الفطر قبل خروج الناس إلى الصلاة”.
ووجه استدلالهم بالحديث هو أن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر أن تؤدى صدقة الفطر قبل الذهاب إلى مصلى العيد، وهذا يبين أن وقت وجوبها هو يوم الفطر، ثم إن تسميتها بزكاة الفطر يدل كذلك على أن وجوبها يكون بطلوع فجر يوم الفطر، لأن الفطر لا يكون إلا بطلوع فجر ذلك اليوم، ولأن ما قبله لا يسمى فطرا، ولا يعتبر الإنسان مفطرا من صومه إلا بطلوع فجر يوم الفطر.
وذهب المالكية في القول الآخر، والشافعية في الراجح، والحنابلة إلى أن وقت وجوب زكاة الفطر هو بغروب شمس آخر يوم من رمضان.
وتظهر فائدة هذا الخلاف فيمن مات أو ولد أو أسلم بعد غروب شمس آخر يوم من رمضان حيث قال الحنفية والمالكية في قول: إن من مات قبل غروب شمس آخر يوم من رمضان لا تجب عليه الزكاة؛ لأنه وقت وجوبها لم يكن موجودا. أما من ولد بعد غروب شمس ذلك اليوم، فإن عليه الزكاة، لأنه موجود وقت الوجوب. وقال المالكية في القول الآخر والشافعية والحنابلة: إن من مات بعد غروب شمس آخر يوم من رمضان فإنه عليه الزكاة لأنه موجود وقت الوجوب. أما من ولد بعد غروب شمس ذلك اليوم فلا تجب عليه، لأنه كان جنينا في بطن أمه وقت وجوبها. كذلك من أسلم بعد غروب شمس ذلك اليوم، فإن عليه الزكاة عند أبي حنيفة، وليس عليه شيء عند الجمهور، لأنه لم يكن من أهلها وقت وجوبها.
وقد أخرج البخاري ومسلم عن أبي سعيد: “كنا نخرج في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفطر، صاعًا من طعام”، وظاهره صحة الإخراج في اليوم كله، ولكن الشراح تأولوا بأول اليوم، وهو ما بين صلاة الصبح إلى صلاة العيد، كما في الفتح.
وحمل الشافعي التقييد بـ”قبل الصلاة” على الاستحباب، لقوله عليه الصلاة والسلام: “أغنوهم في هذا اليوم” و”اليوم” يصدق على جميع النهار 1.
9- تأخير أدائها
ويرى جمهور الفقهاء أن تأخيرها عن الصلاة مكروه؛ لأن المقصود الأول منها إغناء الفقير عن السؤال والطلب في هذا اليوم، فمتى أخرها فات جزء من اليوم دون أن يتحقق هذا الإغناء 2.
ويرى ابن حزم أن وقتها ينتهي بابيضاض الشمس وحلول وقت صلاة العيد، فالتأخير عنه حرام.
قال: (فمن لم يؤدها حتى خرج وقتها فقد وجبت في ذمته وماله لمن هي له، فهي دين له، وحق من حقوقهم، قد وجب إخراجها من ماله، وحرم عليه إمساكها في ماله، فوجب عليه أداؤها أبدًا، ويسقط بذلك حقهم، ويبقى حق الله في تضييعه الوقت، لا يقدر على جبره إلا بالاستغفار والندامة) 3.
وقال الشوكاني: (إن إخراجها قبل الصلاة واجب؛ لحديث ابن عباس: “فمن أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات”).
ومعنى أنها “صدقة من الصدقات”: أي ليس لها الثواب الخاص لزكاة الفطر بوصفها قربة لها وقت معلوم.
قال ابن رسلان: (إن تأخيرها عن يوم العيد حرام بالاتفاق؛ لأنها زكاة واجبة، فوجب أن يكون في تأخيرها إثم، كما في إخراج الصلاة عن وقتها) 4.
وقال في “المغني”: (فإن أخرها عن يوم العيد أثم ولزمه القضاء) (وكذا قال الدردير في الشرح الكبير (508/1): ولا تسقط الفطرة بمعنى زمنها لترتبها في الذمة).
وحكي عن ابن سيرين والنخعي الرخصة في تأخيرها عن يوم العيد، وحكاه ابن المنذر عن أحمد، واتباع السنة أولى 5.
10- تقديمها وتعجيلها
منع منه ابن حزم ولم يسامح في أدائها قبل طلوع فجر يوم الفطر بيوم ولا أقل، وقال: (لا يجوز تقديمها قبل وقتها أصلاً) 6، ومذهب ابن حزم هنا هو مذهب الإمامية أيضًا، كما في فقه الإمام جعفر (106/2) حيث لم يجز تقديمها قبل هلال شوال. بناء على رأيه في عدم جواز تعجيل الزكاة مطلقًا، وهو مخالف لما صح عن الصحابة في تعجيلها.
فروى البخاري عن ابن عمر قال: “كانوا يعطونها قبل الفطر بيوم أو يومين” والضمير في “كانوا” يرجع إلى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وهم الذين بهم يقتدى فيهتدى، وإلى هذا ذهب أحمد وقال: (لا يجوز أكثر من ذلك يعني يومًا أو يومين). وهو المعتمد عند المالكية أيضًا، وأجاز بعضهم التقديم إلى ثلاثة أيام 7، وقال بعض الحنابلة: يجوز تعجيلها من بعد نصف الشهر.
وقال الشافعي: يجوز من أول شهر رمضان؛ لأن سبب الصدقة الصوم والفطر عنه، فإذا وجد أحد السببين جاز تعجيلها كزكاة المال بعد ملك النصاب 8.
وقال أبو حنيفة: (يجوز تعجيلها من أول الحول؛ لأنها زكاة، فأشبهت زكاة المال).
وعند الزيدية: يجوز تعجيلها ولو إلى عامين كزكاة المال 9.
وقول مالك وأحمد أحوط وأقرب إلى تحقيق المقصود، وهو إغناؤهم في يوم العيد بالذات.
والقول بجواز إخراجها من بعد نصف الشهر أيسر على الناس، وخاصة إذا كانت الدولة أو الجمعيات والمؤسسات الخيرية هي التي تتولى جمع زكاة الفطر. فقد تحتاج إلى زمن لتنظيم جبايتها وتوزيعها على المستحقين. بحيث تشرق شمس العيد وقد وصل إليهم حقهم، فشعروا بفرحة العيد وبهجته كما يشعر سائر الناس.
11- مستحقوها
قال تعالى إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم.
هؤلاء هم الأصناف الثمانية التي ذكر الحق تعالى وحصر فيهم أحقية الزكاة عموما، لكن اختلف العلماء في أمر زكاة الفطر.
فذهب فريق بدليل الآية بجواز قسمتها على هذه الأصناف، وهو المشهور عند الشافعية.
وقول بجواز قسمتها على الأصناف، وجواز تخصيصها بالفقراء، وهو قول الجمهور؛ لأنها صدقة فتدخل في عموم الآية الكريمة.
وقال المالكية: إنما تُصرف للفقراء والمساكين، ولا تُصرف لعامل عليها ولا لمؤلف قلبه، ولا في الرقاب، ولا لغارم ولا لمجاهد ولا لابن سبيل يتوصل بها لبلده، بل لا تعطى إلا بوصف الفقر، وإذا لم يوجد في بلدها فقراء نقلت لأقرب بلد فيها ذلك بأجرة من المزكي لا منها، لئلا ينقص الصاع 10.
وهذا أحد القولين عند أحمد، ورجحه ابن القيم، وشيخه ابن تيمية.
وأكثر الفقهاء على أن للشخص الواحد أن يدفع فطرته إلى مسكين أو عدة مساكين، كما أن للجماعة أن يدفعوا فطرتهم إلى مسكين واحد؛ إذ لم يفصل الدليل 11.
ولا يجوز دفعها إلى كافر معاد للإسلام، أو مرتد، أو فاسق يتحدى المسلمين بفسقه، أو غني بماله أو كسبه، أو متبطل قادر على الكسب ولا يعمل، أو والد، أو ولد، أو زوجة؛ لأن المسلم حين يدفعها إلى هؤلاء كأنما يدفعها إلى نفسه.
وكره بعضهم دفع الواحد إلى عدد؛ لأنه لا يتحقق به الإغناء المأمور به في الحديث، ومثل ذلك دفع جماعة كثيرة فطرتهم إلى واحد يؤثرونه بها، مع وجود غيره ممن هو مثله في الحاجة أو أحوج منه، دون مسوغ يقتضي هذا الإيثار 12.
والأصل أن توزع الفطرة في البلد الذي وجبت فيه، وهو البلد الذي فيه المزكي، فأولى الناس بها الجيران وأهل البلد، إلا إذا انعدم الفقراء فيه، فتنقل إلى ما قرب منه كما ذكر عن المالكية، وقال في البحر: تُكره في غير فقراء البلد إلا لغرض أفضل 13.
12- هل يجوز إخراج زكاة الفطر نقداً بدلاً عن الطعام؟
الأصل في زكاة الفطر أنه يجب إخراجها من الطعام لحديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: “فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر صاعا من تمر، أو صاعا من شعير”.
ومن ذلك أيضاً ما أخرجه البخاري (1506) ومسلم (985) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: “كنا نخرج زكاة الفطر صاعا من طعام، أو صاعا من شعير، أو صاعا من تمر، أو صاعا من أقط، أو صاعا من زبيب”.
واختلف أهل العلم في إخراج زكاة الفطر نقداً على ثلاثة أقوال:
– القول الأول: أنه لا يجوز إخراجها نقداً، وهذا مذهب المالكية، والشافعية، والحنابلة.
– القول الثاني: أنه يجوز إخراجها نقداً، وهذا مذهب الحنفية، ووجه في مذهب الشافعية، ورواية في مذهب أحمد.
– القول الثالث: أنه يجوز إخراجها نقداً إذا اقتضت ذلك حاجة أو مصلحة، وهذا قول في مذهب الإمام أحمد، اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية.
وسبب هذا الخلاف بين أئمة المذاهب راجع إلى اختلافهم في تعريف الزكاة، أهي عبادة أم غير ذلك؟ فذهب مالك والشافعي وأحمد إلى كونها عبادة لأنها أحد أركان الإسلام،
ويسقط عليها ما يسقط على غيرها من أركان الإسلام. فالصلاة عبادة، والصوم عبادة، والحج عبادة. والأصل في العبادة التوقف والاتباع. فلذلك لا تجزيء الزكاة عندهم إلا عينا.
وأما أبو حنيفة فقال إنها ليست عبادة ولكنها حق من حقوق المسلمين. واستذل بقول الله تعالى: وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ” 19. و بحديث ابن عباس رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بعث معاذا إلى اليمن قال له: “إنك تأتي قوما من أهل الكتاب، فليكن أولَ ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله” 20 وفي رواية: “إلى أن يوحدوا الله، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فَتُرَدُّ على فقرائهم، فإن هم أطاعوك لذلك فإياك وكَرَائِمَ أموالِهم، واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب”.
والحق قد يعطى عينه أو قيمته، بل هذا عين ما فعل معاذ رضي الله عنه حين قال لأهل اليمن: ائتوني بعرض ثياب خميص أو لبيس في الصدقة مكان الشعير والذرة أهون عليكم وخير لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة 22. وقد أورد هذا الحديث البخاري في باب العرض في الزكاة ،موافقا في هذه المسألة الحنفية مع كثرة مخالفته لهم ، إذ قاده إلى ذلك الدليل.
[1] سورة الشمس، الآية، 9.
[2] المعجم الوسيط، 1/398.
[3] الشرح الكبير على حاشية الدسوقي، 1/430.
[4] أخرجه البخاري، كتاب الزكاة، باب وجوب الزكاة، ومسلم، كتاب الإيمان، باب الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام.
[5] رواه البخاري ومسلم.
[6] أخرجه مسلم.
[7] التوبة 34/35.
[8] أخرجه البخاري.
[9] رواه أبو داود.
[10] عون المعبود شرح أبي داود.
[11] أحكام القرآن للجصاص.
[12] المجموع للنووي.
[13] المغني ج2 باب صدقة الفطر.
[14] صحيح البخاري.
[15] المغني ج2.
[16] الموسوعة 23/339.
[17] المدونة ج1.
[18] رواه البخاري.
[19] سورة الذاريات ، الآية، 19
[20] رواه البخاري.
[21] رواه البخاري و مسلم.
[22] رواه البخاري.