نفحات من رمضان
بقلم: الأستاذ عبد الحفيظ الإدريسي
مقدمة
هل علينا هلال شهر رمضان وهلت معه نفحات القدس تتنزل لتستحث المؤمنين أن شمروا واجتهدوا. فربكم الوهاب الكريم قد من عليكم وجعلكم تدركون هذا الضيف العزيز.
روى الطبراني عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:”افعلوا الخير دهركم وتعرضوا لنفحات رحمة الله فإن لله نفحات يصيب بها من يشاء من عباده”. الطبراني في الكبير (1/ 250)
نفحات مباركة زكية يتنافس حولها المتنافسون تصيب ببركاتها من تعرض لها مقبلا على واهبها سبحانه وتعالى. نفحات موسمية تأتي تكرما من المولى عز وجل بعباده ليعرفوه حقا بما يليق به سبحانه من عظيم الأسماء والصفات ويعمقوا في أنفسهم مقتضى العبودية.
قال تعالى: “وما خلقت الجن والانس الا ليعبدون” الذاريات 56. قال حبر الأمة عبد الله بن عباس رضي الله عنهما في تفسيره للآية: يعبدون أي يعرفون.
وليت شعري أي زمان هو الأفضل في معرفه الله تعالى خير من رمضان. لهذا ورد عن الصحابة رضي الله عنهم أنهم كانوا يسألون الله ستة أشهر أن يبلغهم رمضان.
أورد ابن رجب في لطائف المعارف عن معلى بن الفضل أنهم (أي الصحابة) كانوا يدعون الله تعالى ستة أشهر أن يبلغهم رمضان ويدعونه ستة أشهر أن يتقبل منهم.
إن هذا الشهر الكريم لهو باب عظيم من أبواب الترقي في مدارج الدين من إسلام إلى إيمان إلى إحسان وهو أعلاها. حيث جمع الله فيه من النفحات القدسية ما لم يحصل في غيره وهيئ الأسباب سبحانه وتعالى لعباده ليُرُوه من أنفسهم خيرا.
قال الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم لأصحابه. “إنه قد أتاكم شهر رمضان شهر يجود الله به على عباده وينزل الرحمة ويحط الخطايا ويستجيب الدعاء فَأَرُوا الله من انفسكم خيرا. فان الشقي من حرم فيه رحمة الله”.
كيف يتعرض العبد لهذه النفحات الربانية في رمضان؟
كيف يكون رمضان لما بعده. ؟
ما مجالات التنافس في رمضان.؟
إن إدراك هذا الشهر نعمة كما أسلفنا تستحق الشكر، وإن شكرها أن يستغل العبد أيام هذا الشهر ولياليه على الوجه الصحيح، من ذكر، وصلاة، وتلاوة وسائر الخصال الجامعة للخير. فالكثيرون أدركتهم المنية قبل رمضان وأنت أيها العبد الضعيف يمُنُّ عليك المولى وينسٍّئُ لك في العمر لتتعرض لنفحات شهر هو أعظم الشهور. فسحة للتوبة والترقي وأعْظِم بها من فسحة!
هناك يولد المؤمن ولادة جديدة يدرك من خلالها معنى التقوى وحقيقتها وهو أسمى مقصد من مقاصد رمضان، يقول ربنا جل وعلا: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ [البقرة: 183. هذا المقصد لا ينال إلا إن كانت لك حاجة عند الله ووجدت من يعينك على بلوغها.
قال تعالى في كتابه الكريم : “الأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ “الزخرف:67.
انظر كيف جمع الله بين الأخلاء في الآخرة لِمَا علم سبحانه وتعالى من سعيهم في الدنيا أن يكونوا من المتقين. ويزيد هذا المعنى رسوخا قوله جل وعلا في سورة الفرقان:”ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا ( 27 ) يا ويلتى ليتني لم أتخذ فلانا خليلا ( 28 ) لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني وكان الشيطان للإنسان خذولا” ( 29 )
يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ ندما وحسرة لَمَّا خَطِئَ سبيل الرسول صلى الله عليه وسلم وأضل الطريق طريق الصّحبة الصّالحة المعينة على الاستقامة الموصلة للتقوى.
إن أول مفتاح في طريق العبد لينال حظه من نفحات الله في شهر الصوم أن يجد له من يتنافس معه على الأعمال الصالحة . فالعبد عندما يُجالس الصالحين ويصاحبهم يتشرب منهم فيبدأ بالاستزادة من أعمال البر والخير في سائر السنة ليكون رمضان واسطة العقد وتتويجا لما كان عليه سائر أيامه ولياليه وهو في كنف الذاكرين التالين لكتاب الله الحريصين على ما يقربهم من مرضاة الله.
روت عائشة -رضي الله عنها- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال”:أحب الأعمال إلى الله تعالى أدومها وإن قلَّ” أخرجه الشيخان وذكرت -رضي الله عنها- أن من صفاته -صلى الله عليه وسلم- المداومة على العمل الصالح فقالت: “كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا عمل عملاً أثبته، وكان إذا نام من الليل أو مرض صلى من النهار اثنتي عشرة ركعة” أخرجه مسلم.
هذه المداومة لا بد فيها من معين. في كتاب الله يخاطب المولى تعالى رسولَه صلى الله عليه وسلم ومن خلاله الأمة جميعا بقوله: ” وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا ” الكهف: 28
قال السعديُّ رحمه الله في تفسير هذه الآية : “يأمر تعالى نبيَّه محمدًا صلى الله عليه وسلم وغيرُه أُسوتُه في الأوامر والنواهي أن يَصبِر نفسه مع المؤمنين العباد المنيبين ﴿ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ ﴾ أي: أولَ النهار وآخِرَه يريدون بذلك وجهَ الله، فوصفَهم بالعبادة والإخلاص فيها، ففيها الأمرُ بصحبة الأخيار، ومجاهدةُ النفس على صحبتهم، ومخالطتهم وإن كانوا فقراء فإن في صحبتهم من الفوائد ما لا يُحصى.
﴿ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ ﴾ أي: لا تُجاوزهم ببصرك، وترفع عنهم نظرك؛ ﴿ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾ فإن هذا ضارٌّ غير نافع، وقاطعٌ عن المصالح الدينية؛ فإن ذلك يوجب تعلُّق القلب بالدنيا، فتصير الأفكار والهواجس فيها، وتَزول من القلب الرغبةُ في الآخرة؛ فإن زينة الدنيا تَروق للناظر، وتسحر العقل، فيغفل القلب عن ذِكر الله، ويُقبل على اللذَّات والشهوات، فيضيع وقته، ويَنفرط أمره، فيخسَر. (اهـ. كلام السعدي)
يضيع الوقت وينفرط الأمر فلا قبل للعبد بتلك النفحات التي نتحدث عنها، ويمر رمضان تلو آخر ولا أثر في السلوك كما نلاحظ عند عامة الناس. لكن المؤمن الذي يرجو أن ينال المكانة عند الله عز وجل ينظر إلى شهر رمضان على أنه مدرسة يفتحها الكريم في وجه عباده مرة في السنة. فلا ينبغي أن تمضي دون أن يخرج منها بزاد تربوي يغير ما بالنفس. وإلا فهو كالتي كانت تغزل، فإذا اشتد غزلها وحسُن ثم أخذ الناس يترقبون منها ان تغزل غيره لحسن صنعتها ولإتقانها إذا بها تأتي لهذا الغزل الذي تعبت فيه قوة وجهداً تأمر بأن ينقض مرة أخرى!
قال سبحانه وتعالى موجها لنا جميعا: “وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا” النحل:92
فما الفائدة من الصيام والصلاة في الجماعة وتلاوة القرآن والدعاء وسائر القربات إذا أنت كنت تنقض ذلك بعد رمضان؛ فتعود إلى نومك عن صلاة الفجر، وربما عدت إلى تضييعك صلاة الجماعة، وهجرك القرآن،إن الطاعات لم تشرع إلا لما بعدها ،فالصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر. والصيام يحقق التقوى. وذكر الله تطمئن به القلوب وتلين. وهكذا سائر الطاعات لها أثر على القلب والعقل والسلوك. وشهر رمضان مدرسة تنقل من استفاد منها من حال إلى حال أفضل. فتجده وقد ازداد إقبالا وشوقا وتطلعا للآخرة وهو المعنى المراد من قول العلماء كان الصحابة يعيشون بنفحات رمضان إلى رمضان القابل.
إن من بركات شهر رمضان أن يكون مناسبة طيبة يتنافس فيها المؤمنون على الخير بشتى صوره والتنافسُ في الصالحات مَطْلَبٌ شرعي، وأَمْرٌ إِلهي،قَالَ تعالى:”سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ” الحديد:21
وقال سبحانه-: “فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ” البقرة:148
قال السَّعْدِي: فَمَنْ سَبَقَ في الدُّنْيا إلى الخيرات فَهُوُ السابقُ في الآخرةِ إلى الجنات، فالسابقون أعلى الْخَلْقِ دَرَجَة.
وفي الصحيحين عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه- أَنَّ فُقَرَاءَ الْمُهَاجِرِينَ أَتَوْا رَسُولَ الله -صلى الله عليه وسلم- فَقَالُوا: ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بِالدَّرَجَاتِ الْعُلَى وَالنَّعِيمِ الْمُقِيمِ، فَقَالَ: “وَمَا ذَاكَ؟” قَالُوا: يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي، وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ، وَيَتَصَدَّقُونَ وَلَا نَتَصَدَّقُ، وَيُعْتِقُونَ وَلَا نُعْتِقُ، فَقَالَ رَسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: “أَفَلَا أُعَلِّمُكُمْ شَيْئًا تُدْرِكُونَ بِهِ مَنْ سَبَقَكُمْ، وَتَسْبِقُونَ بِهِ مَنْ بَعْدَكُمْ، وَلَا يَكُونُ أَحَدٌ أَفْضَلَ مِنْكُمْ إِلَّا مَنْ صَنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعْتُمْ” قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ الله، قَالَ: ” تُسَبِّحُونَ وَتُكَبِّرُونَ وَتَحْمَدُونَ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ مَرَّةً”. ويمكننا أن نتحدث عن مجالين رئيسين يعكسان هذا التنافس المحمود.
المجال التربوي السلوكي: فرمضان شهر يجتهد فيه عامة الناس أن تكون لهم ختمات من القرآن الكريم. ويكون لهم حظ من قيام الليل. والحرص على صلاة الجماعة والصدقات والدعاء. أما المؤمنون الذي يعيشون في كنف الصحبة فهم يعتبرون رمضان ظرفا للتسابق إلى الطاعات والتنافس في القربات سواء ما تعلق منها بعلاقة العبد بربه كالصلاة، وذكر الله، وقراءة القرآن، وغيرها، أم ما ارتبط منها بالمعنى العام للعبادة، كحسن الخلق، والصدق في المعاملة، والإحسان إلى الغير، وعمارة الأرض بالخير والصلاح.
المجال الاجتماعي: أخرج الترمذي من حديث أنس ـ رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “أفضل الصدقة صدقة في رمضان”.
عن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أَجْوَدَ الناسِ، وكان أَجْوَدَ ما يكونُ في رمضانَ حِينَ يَلْقاهُ جبريلُ، وكان يَلْقاهُ في كلِّ ليلة مِن رمضانَ فَيُدارِسُه القرآن، فَلَرسولُ الله صلى الله عليه وسلم أجْوَدُ بالخير من الريح المُرسَلة فإكثار النبي صلى الله عليه وسلم من الصدقة في هذا الشهر دليل واضح على أنها فيه أفضل منها في غيره. وحينما يتحقق المجتمع بهذه القيم الأخلاقية فإن السعادة والرخاء النفسي والاقتصادي والتراحم الاجتماعي سينعم به المجتمع كاملا. لذلك تتدفق أيدي المؤمنين بالخير وترى كثيرا من المسلمين حول العالم يسارعون في الإطعام وتنظيم الإفطارات الجماعية وإخراج الصدقات وبذل وجوه الخير. حيث يعزّز الشهر الفضيل الرغبة بالمساعدة ومد يد العون للآخرين،كذلك شهر رمضان مناسبة تقل فيها كثيرا الآفات التي تنخر المجتمعات من غيبة، ونميمة وفُحش في الكلام، فهو وقاية كما أخبرنا الرسول صلى الله عليه وسلم ” والصوم جُنَّة”،وقاية لجسم الأمة من أسباب التفرقة.
يظل رمضان بنفحاته المباركة موسما خاصا بالنسبة للمسلمين على امتداد الكرة الأرضية، وذلك لأنه شهر العبادة والتقرب من الله عزَّ وجل، وشهر التراحم والتواد والإحسان، وفرصة العاصي للتوبة. وفرصة المؤمن للمواظبة والترقي، فمن فاته هذا الخير فقد فاته أمر عظيم جعلنا وإياكم ممن يغنمون من هذا الشهر الفضيل ما به ينالون المنزلة عند الله تعالى والحمد لله رب العالمين.