﴿رَبَّنَا مَا خَلَقۡتَ هَـٰذَا بَـٰطِلࣰا سُبۡحَـٰنَكَ فَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ﴾ (٨) سلسلة “نتغير لنغير”
د.فاطمة الزهراء دوقيه
﴿رَبَّنَا مَا خَلَقۡتَ هَـٰذَا بَـٰطِلࣰا سُبۡحَـٰنَكَ فَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ﴾ (٨) سلسلة “نتغير لنغير”
د.فاطمة الزهراء دوقيه
يأتي حسن سلوكك واستقامته من حسن فهمك وصلاح تفكيرك.. فكان أول تزكيك حسب منهج التغيير الرباني لما بنفسك إصلاح وتصحيح تفكيرك الذي يسوق إلى التفكير الحق والصحيح في أحوال هذا العالم.
وها هو ذا القرآن يمدح لك حال الذين أنتج تأملهم في الكون وتفكيرهم الحقَّ والصحيح من العلم:﴿ٱلَّذِینَ یَذۡكُرُونَ ٱللَّهَ قِیَـٰمࣰا وَقُعُودࣰا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمۡ وَیَتَفَكَّرُونَ فِی خَلۡقِ ٱلسَّمَـٰوَ ٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ رَبَّنَا مَا خَلَقۡتَ هَـٰذَا بَـٰطِلࣰا سُبۡحَـٰنَكَ فَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ﴾ آل عمران:١٩١. ففي الآية وصفٌ لحالة صلاح التفكير؛ حيث تحكي ما قاله أولو الألباب وتوصلوا إليه من الحق وأصح الفهم للوجود والعالم؛ ألا وهو تنزيه الله عن خلق السماوات والأرض باطلا أو عبثاً لا لحكمة، سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كبيراً [1]. وانظر إلى اقتران هذا بسؤالهم ربهم الوقاية من النار، في إشارة جلية إلى العلاقة الوطيدة بين صحة التفكير، واستقامة السلوك المحقق للنجاة والسلامة في نهاية مسيرة الحياة.
إن الآية “وصف أولي الألباب بأنهم ﴿یَذۡكُرُونَ ٱللَّهَ﴾ في جميع أحوالهم:﴿قِیَـٰمࣰا وَقُعُودࣰا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمۡ﴾، وهذا يشمل جميع أنواع الذكر بالقول والقلب … وأنهم ﴿یَتَفَكَّرُونَ فِی خَلۡقِ ٱلسَّمَـٰوَ ٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ﴾؛ أي: ليستدلوا بها على المقصود منها، ودل هذا على أن التفكر عبادة من صفات أولياء الله العارفين، فإذا تفكروا بها عرفوا أن الله لم يخلقها عبثا، فيقولون:﴿رَبَّنَا مَا خَلَقۡتَ هَـٰذَا بَـٰطِلࣰا سُبۡحَـٰنَكَ﴾ عن كل ما لا يليق بجلالك، بل خلقتها بالحق وللحق، مشتملة على الحق.﴿فَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ﴾، بأن تعصمنا من السيئات، وتوفقنا للأعمال الصالحات، لننال بذلك النجاة من النار. ويتضمن ذلك سؤال الجنة، لأنهم إذا وقاهم الله عذاب النار حصلت لهم الجنة، ولكن لما قام الخوف بقلوبهم، دعوا الله بأهم الأمور عندهم”[2].
إن الحديث عما بالأنفس في قوله تعالى:﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا یُغَیِّرُ مَا بِقَوۡمٍ حَتَّىٰ یُغَیِّرُوا۟ مَا بِأَنفُسِهِمۡ﴾ الرعد:١١، هو بالدرجة الأولى حديث عما فيها من الأفكار والمفاهيم والتصورات وطريقة التفكير، التي تنتج عنها تصرفات الإنسان وسلوكه العام ونمط عيشه ..
اعلم “أن حلقات السلوك الإنساني– ومنه الأداء الحضاري- تبدأ في النفوس: أي بحلقة الفكرة، ثم حلقة الإرادة، ثم تبرز منها الحلقة الثالثة حلقة الممارسة والإنجاز المحسوس، فإذا أصاب الخلل أو ضرب العطب الحلقة الأولى امتدت آثار الخلل إلى الحلقتين التاليتين، وأفرزت مضاعفاتها في البطالة والعطالة، والعجز والتخلف”[3].
ولهذا تظل الدعوة إلى إصلاح التفكير وإعادة تشكیل العقل وتجديد الوعي متجددةً، وحاجةً دائمةً ومستمرة، بما يوافق قیم الإسلام ومنهجيته الفكرية.
وإصلاح التفكير المقصود هو”التفكير فيما يرجع إلى الشؤون في الحياة العاجلة والآجلة لتحصيل العلم بما يجب سلوكه للنجاح في الحياتين، كي يسلم صاحبه من الوقوع في مهاوي الأغلاط في الحياة العاجلة، وفي مهاوي الخسران في الحياة الآخرة”[4] ..
وهو من أعظم مقاصد الشریعة الإسلامية في إقامة الحياة .. أليس حفظ العقل كلية من كلياتها الضرورية الذي لا تقوم الحياة ولا تستقيم بدونه؟!
وأهم محور في هذا الحفظ إصلاح التفكير بدفع كل ما يفسده ويعطله عن أداء دوره، وجلب ما ينفعه وينميه حتى يستقيم السلوك وتُتَّقى الأغلاط .. يقول ابن عاشور:”ومعنى حفظ العقل حفظُ عقول الناس من أن يدخل عليها خلل، لأن دخول الخلل على العقل مؤدٍّ إلى فساد عظيم من عدم انضباط التصرف. فدخول الخلل على عقل الفرد مفض إلى فساد جزئي، ودخوله على عقول الجماعات وعموم الأمة أعظم”[5].
ومن جهة أخرى، نجدها تحذر من فساد التفكیر؛ إذ أن “الذهول عن الحقائق، والخطأ في إدراكها، من أكبر المصائب في العاجل والآجل؛ لأنه یوقع صاحبه في مهواة الضلالة من حیث یتطلب الهدى والنجاة، أو یضیع علیه مدةً من نفیس عمره حتى یفیق من ضلاله، وذلك أشد مما یرمي بنفسه في أودیة الضلالة عن عمد وقصد؛ لأن هذا الأخير معرض إلى الإقلاع وإلى الاقتصاد فیما هو بصدده بخلاف الأول”[6].
وبهذا ندرك سر اهتمام القرآن والشرع الحنيف بالعقل الإنساني من خلال الحض المتكرر على النظر والتذكر والتعقل والعلم والاعتبار والتفكر، فلا يخفى أن ذلك يندرج تحت هذا المقصد ..
واللافت للنظر أن القرآن يمتلئ بخطاب العقل بتوافق تام معه، بكل ملكة من ملكاته، وكل وصف من أوصافه، وكل وظيفة من وظائفه في الحياة الإنسانية [7]. بل إنه “قد اختار العقل في حالة فعَّالة، وليس في حالة سكونية جامدة، العقل في حالة التفاعل مع الناس، وليس الانزواء في الأبراج العاجية”[8]، فلا تجد فيه “العقل” مصدراً، بل تراه فعلاً متحركاً بصيغ مختلفة مثل: عقلوه، وتعقلون، ويعقلون، ونعقل، ويعقل.. هذا فضلا عن مرادفاته مثل: انظروا، ينظرون، يتدبرون، ليدبروا، يتفكرون، تتذكرون، يتذكرون.. وما ذلك إلا لتشكيله على الفعل والعمل والإنتاج والعطاء في الواقع ..
فما معالم هذا العقل الذي يريده منا كتاب ربنا العزيز؟؟؟
يتبع
[1]– الشنقيطي، أضواء البيان، طبعة، مجمع الفقه الإسلامي بجدة، ١/٣٥٥.
[2]– تفسير السعدي، ٤/١٧٢.
[3]– الكيلاني، التربية والتجديد وتنمية الفاعلية عند المسلم المعاصر، دار الاستقامة، مكة، ط١، ١٩٩٧م، ص٣-٤.
[4]– ابن عاشور، أصول النظام الاجتماعي في الإسلام، ط٢، الشركة التونسية، ص ٥١.
[5]– ابن عاشور، مقاصد الشريعة الإسلامية، طبعة ٢٠٠٦م، دار سحنون، تونس، ودار السلام، القاهرة، ص ٧٨.
[6]– نفسه، ص ٥٢.
[7]– العقاد، الانسان في القرآن، ص ١٥-١٧.
[8]– أحمد خيري العمري، البوصلة القرآنية، ط ٢٠١٣م، دار الفكر، دمشق، ص ١٣١.