منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

العمل التطوعي: تعريفه وضوابطه

الدكتور مصطفى بوهبوه

0

العمل التطوعي: تعريفه وضوابطه

الدكتور مصطفى بوهبوه

 

يمكنكم الاطلاع على الكتاب أو تحميله من الرابط التالي:

“العمل التطوعي من منظور إسلامي”

سأقف على حد العمل التطوعي في هذا المبحث؛ لأنه لا يمكن الخوض في الموضوع إلا بعد تصوره بالشكل الصحيح.

ومن الواضح أن مصطلح “العمل التطوعي” يتركب من لفظين، ولكل لفظة معنيان، معنى لغوي والآخر اصطلاحي، سأبدأ بالمعنى اللغوي لكل من العمل، والتطوع؛ لأنه هو الأصل، وبعده سأتبعه بالمعنى الاصطلاحي لكل منهما، لأخلص في النهاية إلى الجمع بين المعنيين لأكوِّن تعريفا مركبا للعمل التطوعي.

المطلب الأول: معنى العمل لغة واصطلاحاً:

  • أولا: العمل في اللغة:

قال ابن فارس: العين والميم واللام أصل واحد صحيح، وهو عان في كل فعل يفعل، والعمل: المهنة والفعل، والجمع أعمال. ومعناه أيضا: ممارسة نشاط ما والقيام بجهد للوصول إلى نتيجة نافعة.

ثانيا: العمل في الاصطلاح:

لا يقال إلا فيما كان عن فكر وروية، ولهذا قرن بالعلم حتى قال بعض الأدباء: قلب لفظ العمل عن لفظ العلم تنبيها على أنه من مقتضاه.

 المطلب الثاني: معنى التطوع لغة واصطلاحا

مشتق من الطوع، وهو نقيض الكره. قال أهل اللغة الطَّاءُ وَالْوَاوُ وَالْعَيْنُ أَصْلٌ صَحِيحٌ وَاحِدٌ يَدُلُّ عَلَى الْإِصْحَابِ وَالِانْقِيَادِ. يُقَالُ: طَاعَهُ يَطُوعُهُ، إِذَا انقَادَ مَعَهُ وَمَضَى لِأَمْرِهِ. وَأَطَاعَهُ بِمَعْنَى طَاعَ لَهُ. وَيقَالُ لِمَنْ وَافَقَ غَيْرَهُ: قَدْ طَاوَعَهُ.

وَالِاسْتِطَاعَةُ مُشْتقَّةٌ مِنَ الطَّوْعِ، كَأَنَّهَا كَانَتْ فِي الْأَصْلِ الِاسْتِطْوَاعُ، فَلَمَّا أُسْقِطَتِ الْوَاوُ جُعِلَتِ الْهَاءُ بَدَلًا مِنهَا، مِثْلَ قِيَاسِ الِاسْتِعَانَةِ وَالِاسْتِعَاذَةِ.

وَالْعَرَبُ تقُولُ: تَطَاوَعْ لِهَذَا الْأَمْرِ حَتَّى تَسْتَطِيعَهُ. ثُمَّ يقُولُونَ: تَطَوَّعَ، أَيْ تَكَلَّفَ اسْتِطَاعَتَهُ، وَأَمَّا قوْلُهُمْ فِي التَّبَرُّعِ بِالشَّيْءِ: قَدْ تَطَوَّعَ بِهِ، فهُوَ مِنَ الْبَابِ، لَكِنَّهُ لَمْ يلْزَمْهُ، لَكِنَّهُ انقَادَ مَعَ خَيْرٍ أَحَبَّ أَنْ يَفْعَلَهُ وَلَا يقَالُ هَذَا إِلَّا فِي بَابِ الْخَيْرِ وَالْبِرِّ.

ويقال: فلان طوع يديك، أي منقاد لك، وفرس طوع العنان، إذا كان سلساً، ويقال: تطاوع لهذا الأمر حتى تستطيعه، وتطوع، أي: تكلف استطاعته، والتطوع بالشيء: التبرع به، وقوله تعالى: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [سورة المائدة، الآية 30.]. قال الاخفش: هو مثل طوَّقت له، ومعناه: رخَّصت وسهّلت… والمطاوعة: الموافقة، وطاع له يطوع، إذا انقاد، ولسانه لا يطوع بكذا، أي: لا يتابعه… وقد أطاع له المرتع، أي اتسع له”.

ويقول ابن منضور: “الطوع: نقيض الكره. يقال طاعه ويطوعه وطاوعه والمطاوعة: الموافقة، يقال تطاوع للأمر وتطوع به وتطوعه: تكلّف استطاعته”. وفي التنزيل قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ (سورة البقرة: الآية 121).

  • ثانيا: التطوع في الاصطلاح:

بعد أن وقفت مع مفهوم التطوع من الناحية اللغوية يجدر بي أن أعرج على المعنى الاصطلاحي لهذا المصطلح من خلال الوقوف على تعريفات بعض العلماء ـــــ رحمهم الله ــــــ نذكر منها ما يلي:

يقول الرازي: “الطوع: هو الانقياد، والطوع ما ترغب به من ذات نفسك مما لا يجب عليك”، وقد تابعه أبو حيان التوحيدي على ذلك، وعرفه الإمام ابن عطية بأنه: “زيادة البر بعد الواجب” ويقول ابن منظور: التطوع: “ما تبرع به من ذات نفسه مما لا يلزمه فرضه”.

يتبين لي بناء على التعريفات الاصطلاحية أن العلماء نظروا لمصطلح التطوع نظروا للتطوع على أنه الذي يقابل المكروه في لغة الفقهاء وهو المندوب، وهو ما يقوم به المسلم من تلقاء نفسه مما لا يلزمه، وهي تعريفات غير كافية لكونها لم تستوف مجالات التطوع الاجتماعي.

وبناء على هذا يمكن أن نعرف العمل التطوعي بأنه جهد ـ مالي أو جسدي أو فكري ـ يبذله شخص اختياراً أي بكامل إرادته، بهدف جلب المصالح للغير أو درء المفاسد عنه، دون انتظار أي مقابل ـ مادي أو معنوي ـ كمقابل لجهوده المبذولة، ولكن ابتغاء مرضاة الله تعالى.

المطلب الثالث: الألفاظ والمصطلحات المقاربة للتطوع:

ورد في القرآن الكريم والسنة النبوية الكثير من الألفاظ التي لها صلة بالعمل التطوعي، ولأجل هذا يتعين علي أن أبين هذا المفاهيم والمصطلحات والفرق بينها وبين العمل التطوعي ما أمكن وهذا ما سأفصله في هذا المطلب.

1 ـ التنفل:

في اللغة: التطوع: وأصله من النفل وهو الزيادة على الواجب قال الله تعالى:﴿ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً﴾ (سورة الإسراء: الآية 79)، والنفل والنافلة يراد بها في اللغة: ما يفعله الإنسان مما لا يجب عليه، أو الغنيمة، أو عطية التطوع من حيث لا يجب، أو ولد الولد.

فالتنفل هي الكلمة المرادفة للتطوع في اللغة، إلا أني لم أجد أن مصطلح التنفل يقصد به (التطوع) في القيام بأعمال الخير، وإنما قصرها على أعمال الطاعة (العبادة) فإذا قيل تنفل فالمراد: صلى النوافل.

2 ـ التبرع:

في اللغة من تبرّع بالعطاء: أي تفضّل بما لا يجب عليه، وفعله مُتبرِّعاً: أي متطوعاً.

ومن هنا فإن معنى التبرع لغة يدور حول معنى إعطاء الشيء دون عوض، وبدون مقابل، وعليه: فإن المعنى الاصطلاحي له صلة بالمعنى اللغوي، وهو أصل في تكوينه؛ ذلك أن التبرع اصطلاحاً هو الإعطاء من غير مقابل ابتغاء وجه الله تعالى، أو تحقيقا لمصلحة شرعية تتعلق بالمقاصد الشريعة.

أما في الاصطلاح، فلم يضع الفقهاء تعريفاً مستقلاً للتبرع لأنه مفهوم مبثوث في أبواب فقهية متعددة مثل: الهبة، الوصية، الوقف، وغيرها من عقود التبرعات، إلا أني وجدت تعريفا للتبرع في الموسوعة الفقهية الكويتية، ونص التعريف هو كما يلي: “بذل المكلف مالا أو منفعة لغيره في الحال أو المآل بلا عوض بقصد البر والمعروف غالبا”.

وبناء على هذا يتبين أن في استخدام اللغويين لكل من التطوع والتبرع نجد أن بينهما عموماً وخصوصاً حيث جعلوا التطوع عاماً في الطاعات والعطاءات، بينما قصر التبرع في العطاءات فقط.

3 ـ الصدقة:

قال ابن منظور: ما أعطيته في ذات الله للفقراء. والمُتَصدِّق: الذي يعطي الصّدقة.

وقال الجرجاني: الصدقة: العطية يبتغي بها المثوبة من الله تعالى. وعرّفها الراغب الاصفهاني بقول: “ما يخرجه الإنسان من ماله على وجه القربة كالزكاة لكن الصدقة في الأصل تقال: للمتطوع به، والزكاة للواجب، وقد يسمى الواجب: صدقة، إذا تحرى صاحبها الصدق في فعله، كما ورد في آيات كثرة مثل: قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (سورة التوبة، الآية: 103).

ويقال لما تجافى عنه الإنسان من حقّه: تصدق به، نحو قوله تعالى: ﴿ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾( سورة المائدة: الآية: 45) فسمى إعفاءه صدقة.

وبناء على هذا نجد أن علماء اللغة أطلقوا الصدقة على كل ما أعطيَ تطوعاً، وعلى ما تنازل به عن حق من حقوقه.

4 ــ الخير:

في اللغة: ضد الشر، والخِيار: خلاف الأشرارِ، والخير: الكرم، ومنه الاستخارة: وهي أن تسأل الله  ــــ عز وجل ــــ خير الأمرين.

والخير اصطلاحا: وجدان كل شيء كمالاته اللائقة، والشر ما به فقدان ذلك، والخير يعم الدعاء إلى ما فيه صلاح ديني أو دنيوي، فتنظيم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيه.

وعرف العلامة الطاهر بن عاشور العمل الخيري من خلال تعريفه للتبرع بأنه: هو المعطى من مال أو جهد على أساس المواساة بين أفراد الأمة الخادمة لمعنى الأخوة فهي مصلحة حاجية جليلة وأثر خلقي إسلامي جميل بها حصلت مساعفة المعوزين وإغناء المفتقرين وإقامة الجم.

والمقصود بها التمليك والإغناء وإقامة المصالح المهمة الكائنة في الغالب بأموال يتنافس في مثلها المتنافسون ومثل الطاهر بن عاشور ــ رحمه الله ــ لذلك بالحُبس والعمرى والوصية والعتق سواء أكانت لأشخاص معينين أم لأصحاب أوصاف مقصودة بالنفع أو مصالح عامة.

وعرف الدكتور يوسف القرضاوي العمل الخيري فقال: “والمراد بالعمل الخيري: النفع المادي أو المعنوي الذي يقدمه الإنسان لغيره، من دون أن يأخذ عليه مقابلا ماديا، لكن ليحقق هدفا خاصا له أكبر من المقابل المادي، قد يكون عند بعض الناس الحصول على الثناء والشهرة، أو نحو ذلك من أغراض الدنيا، والمؤمن يفعل ذلك لأغراض تتعلق بالآخرة، رجاء الثواب عند الله، والدخول في جنات النعيم، فضلا عما يناله في الحياة من بركة وحياة طيبة، وسكينة نفسية، وسعادة روحية لا تقدر بثمن عند أهلها”.

فمصطلح الخير يلتقي مع التطوع في ثمرته ومقصده، لكنه يختص بدلالة تنفصل فيه عن التطوع، فالأمر بفعل الخير في قوله تعالى : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾( سورة الحج: الآية 77)، يدخل فيه الخير الواجب وغير الواجب، قال ابن عطية: “هي ندب فيما عدا الواجبات التي صح وجوبها من غير هذا الموضع”، والصحيح أنها عامة في الواجبات والمندوبات كما رجحه ابن جزي حين قال: “واللفظ أعم من ذلك كله” ردّاً على ابن عطية؛ وذلك أن لفظ الخير عام يدخل فيه جميع أنواع الخير، ولا يوجد دليل يقصره على الخير الواجب أو الخير التطوعي، فيبقى العام عامّاً ما لم يرد دليل التخصيص، وبذلك يتضح الفرق بين فعل الخير وبين العمل التطوعي من هذه الزاوية.

5 ــ الإحسان:

مشتق من مادة (حسن)، فالإحسان في اللغة: ضد الإساءة، وهو أيضا النفع الحسن، والإحسان يكون لنفس الإنسان ولغيره، أما الإنعام فلا يكون إلا للغير.

واصطلاحا عرفه الجرجاني بأنه: “فعل ما ينبغي أن يفعل من الخير” وعرفه أبو البقاء الكفوي بأنه”: فعل ما ينفع به الإنسان غيره، بحيث يصير الغير حسنا به، كإطعام الجائع، أو يصير الفاعل به حسنا بنفسه”.

والإحسان بهذا يحمل على وجهين:

أحدهما: الإنعام على الغير، يقال: أحسن إلى فلان.

والثاني: إحسان في فعله، وذلك إذا علم علماً، أو عمل عملا حسناً. فالإحسان زائد على العدل، فتحرّي العدل واجب، وتحرّي الإحسان ندب وتطوّع”.

وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم مفهوم الإحسان حين سأله جبريل عليه السلام، فقال: “هو أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك”. وأراد بالإحسان مبالغة الإخلاص بالطاعة والمراقبة.

قال ابن الأثير معلقا على هذا الحديث: “أراد بالإحسان الإخلاص، وهو شرط في صحة الإيمان والإسلام معا. وذلك من تلفظ بالكلمة وجاء بالعمل من غير نية إخلاص لم يكن محسنا، ولا إيمانه صحيحا. وقيل: أراد بالإحسان الإشارة إلى المراقبة وحسن الطاعة، فإن من راقب الله أحسن عمله، وقد أشار إليه في الحديث بقوله: “فإن لم تكن تراه فإنه يراك”.

وعليه؛ يتبين مما سبق أن الإحسان هو فعل ما ينفع به المسلم نفسه وغيره، مع الإخلاص النية لله تعالى.

غير أن الإحسان لا يمكن أن نحده في باب الصدقة والتطوع والتبرع فقط، ولذلك يقسم العلماء الإحسان إلى قسمين: إحسان إلزامي، وإحسان اختياري تطوعي. يقول القاضي أبو بكر بن العربي: “الإحسان يعم الفرض والنفل، ولم يبقى شرع ولا حق إلا دخل فيه؛ فعمت الوصية فيه”.

ويؤكد هذه المزية الإمام الطبري في تفسير لقوله تعالى: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (سورة البقرة: الآية 195)، قائلا: يعنى جل ثناؤه بقوله: ﴿وَأَحْسِنُوا﴾ أحسنوا أيها المؤمنون في أداء ما ألزمتكم من فرائضي، وتجنب ما أمرتكم بتجنبه من معاصيَّ، ومن الإنفاق في سبلي”، ويدخل فيه العمل التطوعي تبعاً، فالأمر بالإحسان أصل للعمل التطوعي، حيث إن الفريضة لا يتكامل حالها، ولا يتتام مآلها، إلا بما يضفيه المسلم من العمل التطوعي، وبه يكون الإحسان صفة أداء للواجب من جهة، وهي تلتقي في العمل التطوعي من جهة ثانية.

6 ـ الإيثار:

مأخوذ من الفعل الثلاثي (آثر)، بمعنى فضّل وقدّم، وآثرت فلاناً على نفسي من الإيثار، يقول الأصمعي: آثرتك إيثاراً أي فضلتك.

ويعرفه الجرجاني:” الإيثار: هو أن يقدم غيره على نفسه في النفع له، والدفع عنه”.

وعرفه ابن مسكويه: “الإيثار: هو فضيلة للنفس بها يكف الإنسان عن بعض حاجاته التي تخصه حتى يبذله لمن يستحقه”.

وقد أشار الله تعالى في القرآن الكريم إلى خلق الإيثار من خلال ثنائه على الأنصار في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (سورة الحشر: الآية 9).

وقد جاء في سبب نزل هذه الآية الكريمة ما رواه أبو هريرة ــ رضي الله عنه ــ أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فبعث إلى نسائه فقلن: إلا الماء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ومن يضم أو يضيف هذا”؟ فقال رجل من الأنصار: أنا، فانطلق به إلى امرأته، فقاله: أكرمي ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: ما عندنا إلى قوت صبياني، فقال: هيئي طعامك، وأصبحي سراجك، ونوِّمي صبيانك، إذا أرادوا عشاءً، فهيأت طعامها، وأصحبت سراجها، ونومت صبيانها، ثم قامت كأنها تُصلح سراجها فأطفأته، فجعلا يريانه أنهما يأكلان، فباتا طاويين، فلمَّا أصبح غدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: “ضحك الله الليلة، أو عَجِبَ، من فعَالِكما”.

ويقول الإمام أبو حامد الغزالي: “إن أرفع درجات السخاء الإيثار، وهو أن يجود الإنسان بالمال مع الحاجة إليه”.

وبناء على ما سبق يتبين أن المرء كل ما قام بعمل ما دون أن يكون مفروضاً عليه أي متطوعا ــ فإنه يكون قد آثر غيره على نفسه، وعليه فالتطوع يتضمن نوعاً من الإيثار.

7 ـ الرحمة:

بالنظر في المعاجم اللغوية نجد أن: “الراء والحاء والميم أصل واحد، يدل على الرقّة والعطف والرأفة. يقال من ذلك: رحِمَهُ يَرْحَمُه، إذا رقَّ له وتعطَّف عليه. والرُّحْم والمرْحمة والرَّحمة بمعنىً”.

واصطلاحاً:

عرفها الجرجاني بأنها: “إرادة إيصال الخير” وقيل: هي “إفاضة الخير وإرادة إيصاله” وقريب من ذلك تعريف ابن الجوزي لها بأنها: “النعمة على المحتاج” وقيل:” رقة تقتضي الإحسان إلى المرحوم، وتستعمل تارة في الرقة المجردة، وتارة في الإحسان المجرد عن الرقّة…وإذا وصف به الباري فليس المراد به الإحسان المجرد دون الرقة، فالرحمة منطوية على معنيين: الرقة والإحسان، فركز الله في طباع الناس الرقة، وتفرد بالإحسان”.

وقد أرسل الله تبارك وتعالى رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم ليكون رحمة للعالمين كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (سورة الأنبياء: الآية 107). وليكون سبباً في هدايتهم وسعادتهم في الدنيا والآخرة، وليدعو الناس إلى التراحم فيما بينهم كما دلت الأحاديث النبوية الشريفة على ذلك منها قوله صلى الله عليه وسلم: “الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من الأرض يرحمكم من في السماء”. ووصف الله تعالى المسلمين بقوله: ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ (سورة الفتح: الآية 29).

وبناء على هذا فالرحمة عاطفة قلبية تدفع الإنسان المسلم إلى إيصال الخير إلى الآخر والتكافل والتعاون معه تجسيدً لمعاني الأخوة وتمتينها فيما بينهم، والرحمة تشمل كل مخلوق حتى الحيوان له نصيب منها.

8 ـ البر:

البر لغة: يطلق على الصدق والطاعة والصلة والإصلاح والاتساع في الإحسان إلى الناس. يقال: بر يبر: إذا صلح. وبر في يمينه: إذا صدق، والبر: الصادق. وأبر الله الحج وبره: أي قبله، والبِر بالكسر: الخير والفضل.

وفي الاصطلاح: اسم جامع للخيرات كلها، يراد به التخلق بالأخلاق الحسنة مع الناس بالإحسان إليهم وصلتهم والصدق معهم، ومع الخالق بالتزام أمره واجتناب نهيه، كما يطلق ويراد به العمل الدائم الخالص من المأثم.

المطلب الثالث: ضوابط العمل التطوعي

إن قبول العمل التطوعي أو رده في ظل الشريعة الإسلامية رهين بمجموعة من الضوابط التي لابد أن تتوفر في المتطوع والمتطوع به والمتطوع له، وبفقدانها أو بعضها لا يصدق على العمل اسم التطوع من الناحية الشرعية، وهذه الضوابط هي كما يلي:

إخلاص النية:

يشترط فيمن يقوم بالعمل التطوعي أن يكون مخلصا في عمله التطوعي لله رب العالمين يقول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ (سورة الزمر: الآية 11)، ويقول أيضاً: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ (سورة البينة: الآية 5). فهذه الآيات وغيرها تنص على وجوب أن تكون العبادة خالصة لوجه الله تعالى؛ وتشمل العبادة جميع الأعمال التطوعية، فإذا اختل هذا الشرط لم يُقبل العمل عند الله تعالى، يقول ابن القيم ــ رحمه الله ــ :”فأما النية فهي رأس الامر وعموده، وأساسه وأصله الذي عليه يُبنى، فإنها روح العمل وقائده وسائقه، والعمل تابع لها يبنى عليها، ويصح بصحتها، ويفسد بفسادها، وبها يستجلب التوفيق، وبعدمها يحصل الخذلان، وبحسبها تتفاوت الدرجات في الدنيا والآخرة”.

  • الإرادة الحرة:

من ضوابط قبول الأعمال التطوعية في ميزان الشرع أن تكون صادرة عن طيب نفس لا يخالجه تردد؛ لأنها من المعروف والسّخاء، فلا يجوز التطوع اجباراً أو إكراهاً؛ لأن الأصل في أموال الناس احترامها، فلا يحل لأحد مال غيره إلا عن طيب نفس منه، مصداقا لقول النبي صلى الله عليه وسلم: “لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا عَنْ طَيِّبِ نَفْسٍ”.

  • طيب الأصل المتبرع به:

من ضوابط الأعمال التطوعية في ميزان الشرع أن تكون صادرة عن طيب نفس لا يخالجه تردد؛ لأنها من المعروف والسّخاء، فلا يجوز التطوع إجباراً أو إكراهاً؛ لأن الأصل في أموال الناس احترامها، فلا يحل لأحد مال غيره إلا عن طيب نفس منه، مصداقا لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه). ويذكر الطاهر بن عاشور مفصلا القول في ذلك: “ولما كانت هذه التبرعات هي إخراج جزء من المال المحبوب بدون عوض يُخلفه، إلا ابتغاء القربى من الله وتحصيل الثواب الجزيل، كان لزاما أن تصدر عن أصحابها صدوراً من شأنه أن لا يعقبه ندامة، حتى لا ينجر ضر للمحسن من جراء إحسانه فيحذر الناس فعل المعروف إذ لا ينبغي أن يأتي الخير بالشر”.

  • الالتزام بفقه الأولويات عند التطوع:

يجب على المتطوع أن يلتزم بفقه الأولويات عند القيام بعملية التطوع، فيكون أولا على ذوي القربى ثم اليتامى ثم المساكين وهكذا، مصداقا لقوله صلى الله عليه وسلم: (الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم اثنتان: صدقة، وصلة). فدلَّ الحديث على أنَّ أفضل صدقة التطوع ما يُعطى الأقارب.

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان أبو طلحة أكثر الأنصار بالمدينة مالاً من نخل، وكان أحب أمواله إليه بَيْرُحاء وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب، قال أنس: فلما نزلت هذه الآية: ﴿ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [سورة آل عمران: الآية 92]، قام أبو طلحة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إن الله تبارك وتعالى يقول: ﴿ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [سورة آل عمران: الآية 92]، وإن أحبَّ أموالي إليَّ بَيْرُحاء وإنها صدقة لله أرجو برَّها وذخرها عند الله، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بخٍ، ذلك مال رابح ذلك مال رابح، وقد سمعتُ ما قلت وإني أرى أن تجعلها في الأقربين). فقال أبو طلحة: أفعل يا رسول الله، فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه) وفي لفظ: (فجعلها في حسان بن ثابت وأبي بن كعب).

ذكر الإمام النووي في الحديث مجموعة من الفوائد حيث يقول: “وفي الحديث من الفوائد…أن الصدقة على الأقارب أفضل من الأجانب إذا كانوا محتاجين، وفيه أن القرابة يراعى حقها في صلة الأرحام، وإن لم يجتمعوا إلا في أبٍ بعيد؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أبا طلحة أن يجعل صدقته في الأقربين، فجعلها في أبي بن كعب وحسان بن ثابت، وإنما يجتمعان معه في الجد السابع”.

  • أهلية جهة المُتَطَوَّع لها:

المقصود بذلك أن من شروط قبول العمل التطوعي أن تكون جهة المتطوع لها جهة بر وخير يَتَقَربُ العبد فيها إلى الله تعالى، فينبغي للمتطوع ألا يجتهد في إنفاق ماله على أي جهة حتى يتأكد من خيريَّتها وأهليتها للتبرع وإلا كان تبرعه باطلا، وفي هذا الصدد يقول ابن قدامة في مسألة الوقف: “وإذا لم يكن الوقف على معروف أو برٍّ فهو باطل، وجملة ذلك أن الوقف لا يصح إلا على من يعرف كولده، وأقاربه، أو على برٍّ”. وذكر الإمام القرافي ما يؤكد ما سبق قائلا: “متى كان الوقف على قربةٍ صحَّ أو معصية بطل”.

قال الإمام النووي: “الأفضل في صدقة التطوع أن ينوعها في جهات الخير، ووجوه البر بحسب المصلحة، ولا ينحصر في جهة بعينها”.

المبحث الثاني: فضل العمل التطوعي في الكتاب والسنة

لقد شهدت نصوص كثيرة من الكتاب والسنة على فضل مشروعية العمل التطوعي، وبهذا فإن مشروعيته ثابتة بالقرآن والسنة النبوية، وهذا ما سنؤكّده من خلال هذا المبحث.

المطلب الأول: الأدلة من القرآن الكريم:

لقد جاء القرآن الكريم حافلا بالآيات الكثيرة الدالة على مشروعية فقه العمل التطوعي، بصيغ متعددة، فمنها ما جاء صريحا بلفظ التطوع، ومنا ما جاء بمعنى مرادف أو مندرج تحت التطوع. ومن ذلك:

قوله تعالى: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ (سورة البقرة الآية 157).

وقوله أيضا: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ (سورة البقرة الآية 183.).

فقد أخبر الله تعالى في الآية الأولى أنه شاكر لفعل المتطوع عالم بالقائم به حتى يتيقن كل من عمل خيراً أن الله تعالى يعلمه ويشكره على عمله. والمراد تطوع خيراً في سائر العبادات. حكاه فخر الدين الرازي وعزاه إلى الحسن البصري. وفي الآية الثانية يصف الله عز وجل أن التطوعَ فيه خير لفاعله. فالتطوع في شتى مجالات العبادات والقرب والصدقات خير للإنسان وخير للأمة جميعا.

وقال الله تعالى مبينا شرف النفقة في سبيل الله وحسنها: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (سورة البقرة الآية 261). قيل: إنها نزلت في شأن عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهما، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حثّ على الصدقة حين أراد الخروج إلى غزوة تبوك، فتبرع كل منها بمال عظيم.

وقال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ (سورة المائدة الآية 3). أمر الله تعالى بالتعاون على فعل الخير، ومنها الأعمال التطوعية التي لا تخالف شرعه الحنيف، قال القرطبي :”هو أمر لجميع الخلق بالتعاون على البر والتقوى، أي ليعينْ بعضكم بعضا”. وقال الماوردي:” ندب الله سبحانه إلى التعاون بالبر وقرنه بالتقوى؛ لأنّ في التقوى رضا الله تعالى، وفي البر رضا الناس، ومن جمع بين رضا الله تعالى ورضا الناس فقد تمّت سعادته وعمّت نعمته”.

وقال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ (سورة المؤمنون: الآية 60 ـ61)

وقال أيضا: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (سورة الحشر: الآية 9). مدح الله تعالى عمل الأنصار الذين قاموا بتقديم خدمة لإخوانهم المهاجرين من باب الإحسان التطوعي، وتقديم المصلحة العامة على المصلحة الشخصية كسبا لرضا الله تعالى.

ومن الآيات الدالة على فضل مشروعية العمل التطوعي ما يلي:

قوله الله سبحانه: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (سورة البقرة: الآية 263).

وقال أيضا: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (سورة ال عمران: الآية 133).

قال الله تعالى: ﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ (سورة القصص: الآية 77).

وقال سبحانه أيضا: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾ (سورة الإنسان: الآية 9)

ونظرة متأملة في الآيات السابقة نجد أن العمل التطوعي خلق إسلامي إنساني يستمد مشروعيته من القرآن الكريم.

أمثلة عملية للأعمال التطوعية في القرآن الكريم:

أ ــ تطوع ذي القرنين لحماية الضعفاء، ببناء السد بغير أجر:

قال الله تعالى:﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا قَالُوا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا  قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا  آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا  فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾ (سورة الكهف: الآية 93 ــ 98).

قال المفسرون: ذهب متوجها من المشرق، قاصدا للشمال، فوصل إلى ما بين السدين، وهما سدان، كانا سلاسل جبال معروفين في ذلك الزمان، سدا بين يأجوج ومأجوج وبين الناس، وجد من دون السدين قوما، لا يكادون يفقهون قولا لعجمة ألسنتهم، واستعجام أذهانهم وقلوبهم، وقد أعطى الله ذا القرنين من الأسباب العلمية، ما فقه به ألسنة أولئك القوم وفقههم، وراجعهم، وراجعوه، فاشتكوا إليه ضرر يأجوج ومأجوج، وهما أمتان عظيمتان من بني آدم فقالوا: {إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ} بالقتل وأخذ الأموال وغير ذلك. {فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا} أي جعلا {عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا} ودل ذلك على عدم اقتدارهم بأنفسهم على بنيان السد، وعرفوا اقتدار ذي القرنين عليه، فبذلوا له أجرة، ليفعل ذلك، وذكروا له السبب الداعي، وهو: إفسادهم في الأرض، فلم يكن ذو القرنين ذا طمع، ولا رغبة في الدنيا، ولا تاركا لإصلاح أحوال الرعية، بل كان قصده الإصلاح، فلذلك أجاب طلبتهم لما فيها من المصلحة، ولم يأخذ منهم أجرة، وشكر ربه على تمكينه واقتداره، فقال لهم: {مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ} أي: مما تبذلون لي وتعطوني، وإنما أطلب منكم أن تعينوني بقوة منكم بأيديكم {أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا} أي: مانعا من عبورهم عليكم. {آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ} أي: قطع الحديد، فأعطوه ذلك. {حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ} أي: الجبلين اللذين بني بينهما السد {قَالَ انْفُخُوا} النار أي: أوقدوها إيقادا عظيما، واستعملوا لها المنافيخ لتشتد، فتذيب النحاس، فلما ذاب النحاس، الذي يريد أن يلصقه بين زبر الحديد {قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا} أي: نحاسا مذابا، فأفرغ عليه القطر، فاستحكم السد استحكاما هائلا وامتنع به من وراءه من الناس، من ضرر يأجوج ومأجوج. {فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا} أي: فما لهم استطاعة، ولا قدرة على الصعود عليه لارتفاعه، ولا على نقبه لإحكامه وقوته.

ب ـــ تطوع موسى عليه السلام في خدمة الضعفاء وذوي الحاجات:

قال الله تعالى: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ (سورة القصص 23 ــ 24) تبين الآية الكريمة التأصيل العملي للعمل التطوعي من خلال الموقف الإيجابي الذي قام به النبي موسى عليه السلام الذي يحمل معنى التكافل والتعاطف والإغاثة للمرأتين اللتين كانتا تنتظران حتى تسقيا الغنم، فسقى لهما دون أن يسألاه ذلك، وهذا فيه دلالة على أن العمل التطوعي يبذل اختياراً مما لا يلزم فرضه.

قال ابن كثير: معنى تذودان أي: تكفكفان غنمهما أن ترد مع غنم أولئك الرعاء لئلا يؤذيا. والشاهد أنهما كانتا ضعيفتين، وفي حاجة إلى من يتكفل بأمرهما ويسقي لهما. فكان النبي موسى عليه السلام التي أوتيَ بسطة في الجسم صاحب النجدة والخلق العظيم، فسقى لهما وفي هذا بذل لجهد وإغاثة الملهوفين ونصرة المستضعفين دون طلب مقابل على جهده. قال السعدي:{فَسَقَى لَهُمَا} غير طالب منها الأجرة، ولا له قصد غير وجه الله تعالى.

ج ــ تطوع الخضر عليه السلام في مساعدة الناس وحفظ حقوقهم:

قال تعالى: ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا  فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا  قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا  أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا  وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا  فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا  وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ (سورة الكهف: 71 ــ 83).

جاء في قصة موسى مع الخضر التي ساقها الإمام البخاري من حديث ابن عباس أن موسى قال للخضر: أَنَا مُوسَى. قَالَ: مُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ؟ قَالَ: نَعَمْ، أَتَيْتُكَ لِتُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمت رُشْدًا. {قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا}، يَا مُوسَى إِنِّي عَلَى عِلْمٍ مَنْ عِلْمِ اللَّهِ عَلَّمَنِيهِ، لَا تَعْلَمُهُ أَنْتَ، وَأَنْتَ عَلَى عِلْمٍ مَنْ عِلْمِ اللَّهِ عَلَّمَكَه اللَّهُ لا أَعْلَمُهُ. فَقَالَ مُوسَى: {سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا} قَالَ لَهُ الْخَضِرُ: {فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا} .فَانْطَلَقَا يَمْشِيَانِ عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ، فَمَرَّتْ سَفِينَةٌ فَكَلَّمُوهُمْ أَنْ يَحْمِلُوهُ  ، فَعَرَفُوا الْخَضِرَ، فَحَمَلُوهُمْ  بِغَيْرِ نَوْلٍ، فَلَمَّا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ لَمْ يَفْجَأْ إِلَّا وَالْخَضِرُ قَدْ قَلَعَ لَوْحًا مِنْ أَلْوَاحِ السَّفِينَةِ بِالْقَدُومِ، فَقَالَ لَهُ مُوسَى: قَدْ حَمَلُونَا بِغَيْرِ نَوْلٍ، فَعَمَدْتَ  إِلَى سَفِينَتِهِمْ فَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا؟ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا. {قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا * قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا} قَالَ: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “كَانَتِ الْأُولَى مِنْ مُوسَى نِسْيَانًا”. قَالَ: وَجَاءَ عُصْفُورٌ فَنَزَلَ عَلَى حَرْفِ السَّفِينَةِ فَنَقَرَ فِي الْبَحْرِ نَقْرة، [أَوْ نَقْرَتَيْنِ] فَقَالَ لَهُ الْخَضِرُ: مَا عِلْمِي وَعِلْمُكَ فِي عِلْمِ اللَّهِ إِلَّا مِثْلُ مَا نَقَصَ هَذَا الْعُصْفُورُ مِنْ هَذَا الْبَحْرِ. ثُمَّ خَرَجَا مِنَ السَّفِينَةِ، فَبَيْنَمَا هُمَا يَمْشِيَانِ عَلَى السَّاحِلِ إِذْ أَبْصَرَ الْخَضِرُ غُلَامًا يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ، فَأَخَذَ الْخَضِرُ رَأْسَهُ [بِيَدِهِ] فَاقْتَلَعَهُ بِيَدِهِ فَقَتَلَهُ، فَقَالَ لَهُ مُوسَى: {أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا * قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا}؟!  قَالَ: “وَهَذِهِ أَشَدُّ مِنَ الْأُولَى”، {قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ} قَالَ: مَائِلٌ. فَقَالَ الْخَضِرُ بِيَدِهِ: {فَأَقَامَهُ}، فَقَالَ مُوسَى: قَوْمٌ أَتَيْنَاهُمْ فَلَمْ يُطْعِمُونَا وَلَمْ يُضَيِّفُونَا، {لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا} فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “وَدِدْنَا أَنَّ مُوسَى كَانَ صَبَرَ حَتَّى يَقُصَّ اللَّهُ عَلَيْنَا مِنْ خَبَرِهِمَا”.

د ــ تطوع رجل من بني إسرائيل لتحذير موسى عليه السلام

قال الله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ﴾ (سورة القصص: 20). قَالَ تَعَالَى: {وَجَاءَ رَجُلٌ} وَصَفَهُ بالرّجُولية لِأَنَّهُ خَالَفَ الطَّرِيقَ، فَسَلَكَ طَرِيقًا أَقْرَبَ مِنْ طَرِيقِ الَّذِينَ بُعثوا وَرَاءَهُ، فَسَبَقَ إِلَى مُوسَى، فَقَالَ لَهُ: يَا مُوسَى {إِنَّ الْمَلأ يَأْتَمِرُونَ بِكَ} أَيْ: يَتَشَاوَرُونَ فِيكَ {لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ} أَيْ: مِنَ الْبَلَدِ {إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ}.

يتضح مما سبق أن القرآن الكريم حافل بالأمثلة على فضل العمل التطوعي، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أهميته في بناء مجتمع متكافل قائل على التراحم والتضامن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.