منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

زيارة المضجع الشريف

زيارة المضجع الشريف/ د.نبيلة الوزاني

0

زيارة المضجع الشريف

بقلم: د. نبيلة الوزاني

تُعدُّ زيارةُ المضجع الشريف من أجلِّ الأعمال المجمع على فضيلتها، والتي درج المسلمون على التمسك بها والترغيب فيها عبر القرون، إذ تجمع بين محبة النبي ﷺ وتعظيمه التعظيمَ المشروع، واستحضار فضله العظيم على أمته، وتجديد العهد بالسير على نهجه والاقتداء بهديه. فالمؤمن حين يقف بين يدي قبر نبيه ﷺ مستسلماً لمشاعر الإجلال والمحبة، تستكين جوارحه، ويخشع قلبه، وتزداد نفسه تعلقاً بسنته وسيرته العطرة.

ومن دلائل صدق المحبة وكمال الوفاء أن يُقبل المسلم على زيارة النبي ﷺ بقلبٍ مفعمٍ بالشوق والتوقير، مستحضراً ما أسداه للأمة من هداية ورحمة، ومجدداً عزمه على التمسك بسنته واتباع سبيله.

وقد نقل العلماء جيلاً بعد جيل فضائل هذه الزيارة ومكانتها في نفوس المؤمنين، حتى قال القاضي عياض:

“وزيارة قبره صلى الله عليه وسلم سنة من سنن المسلمين مجمع عليها وفضيلة مرغب فيها.” _1

ورأى ابن بطّال رحمه الله أن ما ورد من أحاديث فضائل مسجد النبي ﷺ وما تضمنته من الترغيب في قصده والتقرب إلى الله فيه، يتضمن في الوقت نفسه حثاً على تعظيم صاحبه الكريم ﷺ وإظهار المحبة له. _2

كما استنبط من الأحاديث الواردة في فضل المسجد النبوي الشريف ما يدل على استحباب قصد تلك البقاع المباركة، ومن ذلك ما ذكره في معنى قوله صلى الله عليه وسلم:”ارتعوا في رياض الجنة” _3

إذ قال:

“رياض الجنة حلق الذكر والعلم لما كانت مؤدية إلى الجنة، ويكون معناه التحريض على زيارة قبر النبي عليه السلام والصلاة في مسجده” _4

واستدل كذلك بقوله ﷺ:”صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه” _5

على الحض والندب إلى شدِّ الرحال إلى تلك البقاع المباركة، حيث يجتمع شرف المكان ببركة مضجع الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم. _6

وجاء في كتاب الشفا للقاضي عياض:

“وَمِمَّا لَمْ يزل من شأن من حجّ المرور بالمدينة والقصد إِلَى الصَّلَاةِ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى الله تعالى عليه وسلم، والتّبرّك برؤية روضته ومنبره وقبره ومجلسه وملامس يديه ومواطىء قدميه ، والعمود الّذي كان يستند إليه وينزل جبريل بالوحي فيه عليه ، وبمن عمره وقصده من الصّحابة وأئمة المسلمين والاعتبار بذلك كلّه.” _7

وقد نقل عن السلف في تعظيمهم لهذه الزيارة وحرصهم عليها، ومن ذلك ما ثبت عن بلال ، وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهم جميعا:

“أنَّهُ كان إذا قدِمَ من سفرٍ بدأَ بالمسجدِ فصلَّى فيهِ ركعَتينِ ثمَّ أتى القَبرَ ، فقال السَّلامُ عليكَ يا رسولَ اللهِ ، السَّلامُ عليك يا أبا بكرٍ ، السَّلامُ عليك يا أبَه.” _8

كما ذكر جماعة من المفسرين، منهم ابن كثير والقرطبي، عند تفسير قوله تعالى:

﴿ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما﴾ _9

ما رواه الشيخ أبو نصر بن الصباغ في كتاب الشامل من الحكاية المشهورة عن العتبي، قال:

“كنت جالسا عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم، فجاء أعرابي فقال: السلام عليك يا رسول الله، سمعت الله يقول: ( ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما ) وقد جئتك مستغفرا لذنبي مستشفعا بك إلى ربي ثم أنشأ يقول:

يا خير من دفنت بالقاع أعظمه
فطاب من طيبهن القاع والأكم

نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه
فيه العفاف وفيه الجود والكرم

ثم انصرف الأعرابي فغلبتني عيني، فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم فقال: يا عتبي، الحق الأعرابي فبشره أن الله قد غفر له.” _10

وممن أكد فضل الزيارة الحافظ ابن حجر العسقلاني، حيث ذكر أن …زيارة قبره صلى الله عليه وسلم من أفضل الأعمال وأجلِّ القربات الموصلة إلى الله تعالى وأن مشروعيتها محل إجماع بين العلماء . _11

كما نقل رحمه الله قوله:

“..ما نقل عن ابن تيمية من تحريم شد الرحل إلى زيارة قبر سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من أبشع المسائل المنقولة عن ابن تيمية” _12

ثم بين وجه الاستدلال الصحيح بحديث:

“لا تشد رحال إلا إلى ثلاث” _13

فقال:

“وقد التبس ذلك على بعضهم فزعم أن شد الرحال الى الزيارة لمن في غير الثلاثة داخل في المنع ، وهو خطأ ، لأن الاستثناء يكون من جنس المستثنى منه ، فمعنى الحديث لا تشد الرحال الى مسجد من المساجد إلا إلى الثلاثة المذكورة ، وشد الرحال الى زيارة او طلب علم ليس إلى المكان ، بل إلى من في ذلك المكان.” _15

وقال الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء:

“فمن وقف عند الحجرة المقدسة ذليلا مسلما ، مصليا على نبيه، فيا طوبى له، فقد أحسن الزيارة، وأجمل في التذلل والحب ، وقد أتى بعبادة زائدة على من صلى عليه في أرضه أو في صلاته; إذ الزائر له أجر الزيارة وأجر الصلاة عليه، والمصلي عليه في سائر البلاد له أجر الصلاة فقط .
فمن صلى عليه واحدة صلى الله عليه عشرا ، ولكن من زاره – صلوات الله عليه – وأساء أدب الزيارة، أو سجد للقبر أو فعل ما لا يشرع، فهذا فعل حسنا وسيئا فيعلم برفق ، والله غفور رحيم ، فوالله ما يحصل الانزعاج لمسلم، والصياح وتقبيل الجدران ، وكثرة البكاء، إلا وهو محب لله ولرسوله; فحبه المعيار والفارق بين أهل الجنة وأهل النار ، فزيارة قبره من أفضل القرب.”_16

ومن جميل ما قيل في آداب الزيارة وما ينبغي أن يتحلى به الزائر من خشوع ووقار، ما أنشده الإمام ابن القيم رحمه الله في الكافية الشافية: _17

فإذَا أَتَيْنَا المسْجِدَ النَّبوِيَّ صلَّـ … ـينَا التَّحِيَّةَ أَوَّلًا ثِنْتَانِ

بِتَمَامِ أرْكَانٍ لَهَا وَخُشُوعِهَا … وحُضُورِ قَلْبٍ فِعْلَ ذِي الإِحْسَانِ

ثم انْثَنَيْنَا لِلزِّيَارةِ نَقْصِدُ الْـ … ـقَبْرَ الشَّرِيفَ وَلَوْ عَلَى الأجْفَانِ

فَنَقُومُ دُونَ القَبْرِ وَقْفَةَ خَاضِعٍ … مُتذَلِّلٍ فِي السِّرِّ والإِعْلَانِ

فَكَأنَّهُ فِي القَبْرِ حيٌّ ناطِقٌ … فَالوَاقِفُونَ نَوَاكِسُ الأذْقَانِ

مَلَكَتْهُمُ تِلْكَ المَهَابَةُ فاعْتَرَتْ … تِلْكَ القَوَائِمَ كَثْرَةُ الرَّجَفَانِ

وَتَفَجَّرتْ تِلْكَ العُيُونُ بِمَائِهَا … وَلَطَالَمَا غَاضَتْ عَلَى الأزْمَانِ

وَأتَى المُسَلِّمُ بالسَّلَامِ بِهَيْبَةٍ … وَوَقَارِ ذِي عِلْمٍ وذِي إيمَانِ

لَمْ يَرْفَعِ الأصْوَاتَ حَوْلَ ضَرِيحِهِ … كَلَّا وَلَمْ يَسْجُدْ عَلَى الأذْقَانِ

كَلَّا وَلَمْ يُرَ طَائِفًا بِالقَبْرِ أُسْـ … ـبُوعًا كأنَّ القَبْرَ بَيْتٌ ثَانِ

ثُمَّ انْثَنَى بِدُعَائِهِ مُتَوجِّهًا … لِلَّهِ نَحْوَ البيْتِ ذِي الأرْكَانِ

هَذِي زَيارَةُ مَنْ غَدَا مُتَمَسِّكًا … بشَرِيعَةِ الإِسْلَامِ والإيمَانِ

مِنْ أفضَلِ الأعْمَالِ هَاتِيكَ الزِّيَا … رَةُ وَهْي يَوْمَ الحَشْرِ فِي المِيزَانِ

لَا تَلْبِسُوا الحَقَّ الَّذِي جَاءَتْ بِهِ … سُنَنُ الرَّسُولِ بأعظَمِ البُطْلانِ

هَذِي زَيارَتُنَا وَلَمْ نُنْكِر سِوَى الـ … ـبِدَعِ المُضِلَّةِ يا أُولِي العُدْوانِ

وَحَدِيثُ شَدِّ الرَّحْلِ نَصٌّ ثَابتٌ … يَجِبُ المصِيرُ إِلَيْهِ بالبُرْهَانِ

وتبقى زيارة المضجع الشريف محطة إيمانية عظيمة، يستشعر فيها المؤمن معاني المحبة والوفاء، ويجدد فيها صلته بنبيه ﷺ، ملتزماً بآداب الشريعة، مقتدياً بهدي السلف الصالح، جامعاً بين كمال التعظيم وحسن الاتباع.

الإحالات

1 : كتاب الشفا ؛ القاضي عياض ص 278
2 : شرح صحيح البخاري لابن بطال، ج 4، ص 557
3 : أخرجه الترمذي 3510 ، والإمام أحمد 12545
4 : شرح صحيح البخاري لابن بطال ، ج4 ص 557
5 : أخرجه البخاري 1190 ، ومسلم 1394
6 : شرح صحيح البخاري ، لابن بطال ، ج4 ص 557
7 : كتاب الشفا، القاضي عياض ص278
8 : المطالب العالية ؛ ابن حجر العسقلاني ج 2 ص 69 ؛ والبيهقي في سننه 10366
9 : سورة النساء ، الآية 64
10: ينظر تفسير ابن كثير ، ج 2 ص 348 وتفسير القرطبي ، ج 5 ص 229
11 : فتح الباري لابن حجر ، ج 3 ص 66
12 : المصدر نفسه
13: أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط 9419 ، والبيهقي 5491
14: فتح الباري لابن حجر ، ج 3 ص 66
15: سير أعلام النبلاء ؛ الذهبي ج 4 ص 484
16 : الكافية الشافية في الانتصار للفئة الناجية ؛ لابن القيم الجوزية. ، ج 2 ص 42

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.