منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

«النصر مع الصبر» .. من هدي النبوة في مواجهة حصار شِعب أبي طالب

ا.د/ هاني كمال جعفر ([1])

0

«النصر مع الصبر» ..
من هدي النبوة في مواجهة حصار شِعب أبي طالب

ا.د/ هاني كمال جعفر ([1])

 

يُقبل شهرُ ربيع الأول فيتجدد في القلوب الاستهداءُ برسول الله صلى الله عليه وسلم، وتلح الحاجة إلى قراءة سيرته الشريفة باعتبار؛ فيستخلص المؤمن منها السنن الربانية التي تهديه إلى الثبات واليقين والصبر في مواجهة أوقات الشدائد، ومن ذلك: حصارُ شِعب أبي طالب([2])؛ حيث واجه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ابتلاءً عظيمًا، فكان صبرهم عنوان النصر، ويقينُهم بوعد الله سبب الفرج.

والمنطلَق في تحقيق هذا ما أخرجه الإمام أحمد رحمه الله ([3]) عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: كُنْتُ رَدِيفَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: ” يَا غُلامُ، أَوْ يَا غُلَيِّمُ، أَلا أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ يَنْفَعُكَ اللهُ بِهِنَّ؟ ” فَقُلْتُ: بَلَى. فَقَالَ: “… وَاعْلَمْ أنَّ فِي الصَّبْرِ عَلَى مَا تَكْرَهُ خَيْرًا كَثِيرًا، وَأَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ، وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا “.

ويظهر هذا الهديُ بجلاء في حادثة حصار شِعب أبي طالب؛ فقد حرص المشركون على صدّ الرسول صلى الله عليه وسلم من تبليغ الدعوة الإسلامية، وعملوا على وقف انتشارها بين أرجاء قریش بشتى السبل الممكنة لديهم؛ فلجأوا إلى مقاطعة المسلمين اقتصاديًّا واجتماعيًّا.

وفي سَوق خبر الحصار ذكر ابن كثير رحمه الله أنه لما اشتد أذى قريش للمسلمين، وعزموا على قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم، جمع أبو طالب بني عبد المطلب، فأدخلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم شِعبهم، وأجمعوا على منعه ممن أراد قتله، فقام بذلك مسلمهم إيمانًا، وكافرهم حميةً. فلما رأت قريش ذلك، تعاهدت على مقاطعة بني هاشم وبني المطلب، فلا يبايعونهم، ولا يجالسونهم، ولا يدخلون بيوتهم، حتى يدفعوا إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكتبوا بذلك صحيفةً أكدوها بالعهود والمواثيق.

فلبث بنو هاشم في الشِّعب ثلاث سنين، واشتد عليهم الجهد والبلاء، وقطعت عنهم الأسواق، فكانت قريش تبتاع كل ما يقدم مكة من الطعام قبل أن يصل إليهم، وكان أبو طالب يحيط النبي صلى الله عليه وسلم بأقصى درجات الحماية، فيغيّر موضع نومه كل ليلة، ويجعل أحد أبنائه أو أقاربه يبيت في فراشه؛ اتقاءً لمحاولات الاغتيال.

فلما كان رأس ثلاث سنين، تلاوم رجال من بني عبد مناف ومن قصي ورجال من سواهم من قريش، ورأوا أنهم قد قطعوا الرحم واستخفوا بالحق، واجتمع أمرهم من ليلتهم على نقض ما تعاهدوا عليه من الغدر والبراءة منه، وبعث الله على صحيفتهم الأرَضة فلحست (أكلت) كل ما كان فيها من عهد وميثاق، وبقي ما كان فيها من شرك وظلم وقطيعة رحم، وأطلع الله عز وجل رسوله على الذي صنع بصحيفتهم؛ فذكر ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي طالب؛ فقال أبو طالب: لا والثواقب (أي: النجوم) ما كذَبني؛ فخرج إلى قريش، ودعاهم إلى إحضار الصحيفة، قائلًا: إن ابن أخي أخبرني -ولم يَكذبني- أن الله بريء من هذه الصحيفة التي في أيديكم، ومحا كل اسم هو له فيها، وترك فيها غدركم وقطيعتكم إيانا وتظاهركم علينا بالظلم، فإن كان الحديث الذي قال ابن أخي كما قال فأفيقوا؛ فوالله لا نسلّمه أبدًا حتى يموت من عندنا آخرنا، وإن كان الذي قال باطلًا دفعناه إليكم فقتلتموه أو استحييتم، قالوا: قد رضينا بالذي تقول، ففتحوا الصحيفة فوجدوا الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم قد أُخبر خبرها، فلما رأتها قريش كالذي قال أبو طالب قالوا: والله ما كان هذا قط إلا سحر من صاحبكم، فارتكسوا وعادوا بشرّ ما كانوا عليه من كفرهم،وأعلن عدد من أشراف قريش براءتهم من الصحيفة، وقالوا: نحن بُرَءاءُ مما في هذه الصحيفة؛ فقال أبو جهل لعنه الله: هذا أمر قضي بليل، وانتهى الحصار([4]).

ولا ريب أن المسلمين تأثروا بهذا الحصار، بنقص الغذاء في الشعب بعد أن أحكمت قریش الحصار على المسلمين، وبثت عيونها على الطرق المؤدية إلى الشعب للتحكم فيه، وليمنعوا وصول الطعام إلى من هم فيه، فلا يصل إليهم شيء إلا سرًّا، حتى إن حكيم بن حزام –حسب رواية ابن إسحاق رحمه الله- خرج يومًا ومعه إنسان يحمل طعامًا إلى عمته خديجة ابنة خويلد، وهي تحت رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه في الشعب، إذ لقيه أبو جهل فقال: تذهب بالطعام إلى بني هاشم؟ والله لا تبرح أنت وطعامك حتى أفضحك عند قريش، فقال له أبو البختري بن هاشم بن الحارث بن أسد: تمنعه أن يرسل إلى عمته بطعام كان لها عنده، فأبى أبو جهل أن يدعه، فقام إليه أبو البختري بساق بعير فشجه ووطئه وطئًا شديدًا، وحمزة بن عبد المطلب قريبًا يرى ذلك وهم يكرهون أن يبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فيشمتوا بهم ([5]).

قلت: هذه فاجعة، يصف قدرَ هوْلِها ابنُ القيم رحمه الله فيقول: “بقوا محبوسين ومحصورين مضيقًا عليهم جدًّا مقطوعًا عنهم الميرة والمادة نحو ثلاث سنين، حتى بلغهم الجهد وسُمع أصوات صبيانهم بالبكاء من وراء الشعب” ([6]).

وهكذا أبت قریش إلا أن تضايق الرسول صلى الله عليه وسلم وأنصاره بكل ما استطاعت، وتمارس الحصار الاقتصادي عليهم؛ فجُهد المسلمون من هذا الحصار، ومضت ثلاث سنين وحالهم يزداد سوءًا، وعم الجوع بين أهل الشعب، وندر الكلام، وقلت الحركة، وكان يسمع من وراء الشعب أصوات النساء والصبيان يتضاغون من الجوع، وبلغوا من المخمصة شيئًا كثيرًا.

إن هذا الحصار المميت قد حوى مؤشراتِ خطرٍ ودلائلَ هلاكٍ، يمكن إجمالها فيما يأتي:

– إقصاء المسلمين عن المجتمع القرشي وعدم القبول بهم والرغبة فيهم.

– منع مصاهرتهم والانتساب إليهم؛ قطعًا لسبيل أي التحام أو اجتماع مرتقب.

– الحجر الاقتصادي ، وإغلاق الأسواق دونهم.

– الحجر الاجتماعي؛ تأكيدًا للقطيعة المطلقة، وسدًّا لأي طريق مؤدية إلى مودة أو مرحمة.

وتعظيمًا لخطر هذا الحصار وذاك التضييق، وفيما يختص بإنتاج الغذاء في المجتمع المكي آنذاك؛ فإن مصادر السيرة النبوية لم تشر إلى ممارسة أهل مكة الزراعة، بل كانت تنحصر في منطقة الطائف، وفي إطار ضيق لا يمكن له أن يسد حاجتهم من الغذاء، ومن ثم يمكن القول: إن مقدرة مجتمع أهل مكة على الخروج من أزمة نقص الغذاء تعتمد فقط على تبادل الغذاء وتخزينه، وبدهيٌّ فإن دُور المسلمين لا جرم نقص ما فيها من الطعام الموجود لديهم من بُر وغيره.

وإذًا كيف كان هديُ رسول الله صلى الله عليه وسلم في مواجهة هذا الحصار؟ إنه اليقين والصبر والابتهال، نعم، أدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم ما تنتوي قريش فعله والإقدام عليه، من وأد هذا الدين في المهد، لاسيما أنه بدأ يزداد رسوخًا، ونجح في جذب العناصر القرشية القوية إليه، وكان عليه الصلاة والسلام يدرك تمام الإدراك أن الله خاذلهم ومعز دينه ومتم نوره ولو كره المشركون.

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم على يقين بنصر الله إياه، ومدركًا قولَه تعالى: “وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا” [طه: 110-111]؛ فاستقر لديه أن ظلم قريش وعدوانها لا محالة زائل، وازداد يقينه عليه الصلاة والسلام وصحابته المكرمين في سنوات الحصار؛ فثبتوا رضي الله عنهم على مبدإ اليقين؛ وصبروا على الجوع والاستضعاف الاقتصادي والاجتماعي والنفسي.

وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يدعو صحابته الكرام إلى هدي من سبقوهم من الأمم المسلمة في الصمود؛ إذ يقول خَبَّابُ بن الأَرَتِّ: شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ فِي ظِلِّ الكَعْبَةِ، قُلْنَا لَهُ: أَلاَ تَسْتَنْصِرُ لَنَا، أَلاَ تَدْعُو اللَّهَ لَنَا؟ قَالَ: «كَانَ الرَّجُلُ فِيمَنْ قَبْلَكُمْ يُحْفَرُ لَهُ فِي الأَرْضِ، فَيُجْعَلُ فِيهِ، فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُشَقُّ بِاثْنَتَيْنِ، وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الحَدِيدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ مِنْ عَظْمٍ أَوْ عَصَبٍ، وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَاللَّهِ لَيُتِمَّنَّ هَذَا الأَمْرَ، حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ، لاَ يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ، أَوِ الذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ، وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ» ([7]).

ولا جرم أن كان هذا اليقين والصبر ممزوجيْن بالابتهال إلى مصرّف هذا الحصار الملك القهار سبحانه وتعالى؛ حيث قال أبو طالب: اللهم إنْ أبى قومنا إلا النصر علينا، فعجّل نصرنا، وحِل بينهم وبين قتل ابن أخي، ثم أقبل إلى جمع قريش وهم ينظرون إليه وإلى أصحابه، فقال أبو طالب: ندعوا برب هذا البيت على القاطع المنتهك للمحارم” ([8]).

لقد كان من أثر هذا الحصار أن نصر الله نبيه والمسلمين، حتى إن كاتب الصحيفة منصور بن عكرمة، دعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فشُلت يده وما يكُ ينتفع بها، وكانت قريش تقول بينها: انظروا إلى منصور بن عكرمة ([9])، وهكذا بقيت حادثة حصار الشعب شاهدةً على ثبات النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وعلى أن الفرج يأتي بعد الصبر على الابتلاء؛ فتحقق هديُ النبي صلى الله عليه وسلم: “وَأَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ، وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا”.

وتحقق وعد الله: “وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ” [الحج: 40]، “وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ” [الصف: 8]، “وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ” [الأنفال: 30].

وصلِّ اللهم وسلمْ وبارك على معلم الناس الخير ومرشدهم إلى كل بر، والحمد لله رب العالمين.


([1]) أستاذ أصول الفقه المساعد ورئيس قسم الشريعة الإسلامية في كلية الحقوق بجامعة الزقازيق، وعضو مركز الإشراف على الفتاوى بالأزهر الشريف .

([2]) الشعب: الفج في الجبل يتسع ويضيق، وكل ما انفرج بين الجبلين فهو شعب. ينظر: جمهرة اللغة، لابن دريد الأزدي (ت: 321هـ)، مادة ( ع ش ب) 1/343، تحقيق: رمزي منير بعلبكي، ط/ دار العلم للملايين – بيروت، 1987م، ومقاييس اللغة لابن فارس (ت: 395هـ)، مادة (شعب) بتحقيق/ عبد السلام محمد هارون، 3/ 192، ط/ دار الفكر، 1399هـ – 1979م.

([3]) في المسند 5/18- 2802، بتحقيق/ أحمد محمد شاكر، الطبعة الأولى لدار الحديث – القاهرة ، 1416 هـ – 1995م.

([4]) البداية والنهاية لأبي الفداء بن كثير (ت: 774هـ)، بتحقيق/ علي شيري، 3/105، الطبعة الأولى لدار إحياء التراث العربي، 1408، هـ – 1988 م

([5]) السير والمغازي (سيرة ابن إسحاق)، لمحمد بن إسحاق (ت: 151هـ)، تحقيق: سهيل زكار، ص 161، ط/ دار الفكر – بيروت 1398هـ .

([6]) زاد المعاد في هدي خير العباد، لابن قيم الجوزية (ت: 751هـ)، 3/ 27، الطبعة السابعة والعشرون لمؤسسة الرسالة، بيروت – مكتبة المنار الإسلامية، الكويت, 1415هـ.

([7]) أخرجه الإمام البخاري في كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام، 4/201- 3612، والبيهقي في: دلائل النبوة 2/ 283.

([8]) السير المغازي ص 158.

([9]) البداية والنهاية 3/108.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.