التعليم العتيق بسوس(3)|| من الازدهار إلى الحفاظ على الذات.
ابراهيم أخساي
التعليم العتيق بسوس(3)|| من الازدهار إلى الحفاظ على الذات.
بقلم: ابراهيم أخساي
مقدمة:
تأتي هذه المقالة تتويجا لمقالتين سابقتين، الأولى تناولت بداية ظهور التعليم العتيق بسوس، والثانية تطرقت إلى مرحلة ما قبل القرن التاسع الهجري والتي عرفت بالركود العلمي. أما هذه المقالة فتتناول باقتضاب مرحلة الازدهار وما تلاها من الاخفاقات التي ترجع لأسباب عديدة ذاتية وموضوعية. فالمدارس العتيقة هي ابنة بيأتها وظروفها، واستمرارها رهين بهمم العلماء والفقهاء والغيورين على العلم الشرعي من رجال سوس ونسائها، وإصرارهم على إنجاح هذا التعليم رغم التحديات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي كادت أن تجتث أوتاد التعليم العتيق من تربة سوس. وسيتم تناول الموضوع من خلال ثلاث محاور: أولا:مرحلة الازدهار والنبوغ. ثانيا:مرحلة التراجع والركود. ثالثا:مرحلة النهوض وإثبات الذات.
أولا: مرحلة الازدهار و النبوغ
و سماها المختار السوسي “بالنهضة العلمية السوسية”، و تزامنت مع عهد الدولة السعدية التي شجعت العلم و العلماء بمنطقة سوس. و كان ” من ثمار هذه العناية نزول الحركة التعليمية السوسية من قلاعها في جبال جزولة، لما ساد الأمن بانبساط يد دولة السعديين على سوس، فتأسست مدارس جديدة و نشطت القديمة في تخريج الطلبة و تكوينهم تكوينا علميا أصيلا” (1)
و لقد استمرت هذه النهضة العلمية خلال القرون التي تلت التاسع، مع ما اعتراها من مد و جزر حسب الأحوال السياسية المتقلبة و حسب الظروف الطبيعية والصحية كانتشار الأوبئة والمجاعات.”إن النهضة العلمية التي طلعت مع التاسع لم تزل في العاشر فالحادي عشر، فالثاني عشر، ثم اعتراها ما اعتراها بعد صدر الثالث عشر، ثم طلعت نهضة أخرى دونها، و لكنها أيضا لها قوة و نشاط و انتشار في القبائل، و إن كانت دون قوة و نشاط سابقتها فتموجت أمواجها، و تدافعت بكل ما أوتيته من قوة، إلى أن مضى صدر هذا القرن الذي أدركنا عقبه، فأدركنا ذيولا من تلك النهضة، ثم طويت الصحف و جفت الأقلام، إلا بعض أثارات منبثة هنا و هناك(2)
و من مظاهر هذا الازدهار كثرة العلماء و تشييد المراكز العلمية، فقد برز علماء كبار برعوا في التأليف الفقهي و الأدبي كأمثال عيسى السكتاني و عبد الله بن يعقوب السملالي و علي بن أحمد الرسموكي و سعيد الهوزالي و محمد بن سعيد المرغيتي الأخصاصي و محمد بن محمد التامانارتي، هؤلاء العلماء الذين قال عنهم المختار السوسي “إلى فتاويهم يصار عند الاختلاف” (3)
كما ظهرت مدارس علمية ذكر منها د المهدي بن محمد السعيدي واحدا و أربعين مدرسة موزعة على ثمانية عشر قبيلة خلال القرنين العاشر و الحادي عشر.(4).
ثانيا: مرحلة التراجع و الركود
عبارة المختار السوسي” ثم طويت الصحف و جفت الأقلام” تشير إلى ما وصل إليه التعليم الديني العربي من الانحطاط و الضعف بسبب عوامل متعددة ترجع في أغلبها إلى ما شهده المغرب من أحداث جسام أهمها تعرضه للاحتلال، فقد “جاء احتلال هذه الجهات بعد سنة 1351ه(1933م) هجرية بداهية دهياء نزلت على هامات رؤساء المدارس العربية الدينية و على حملة مشاعل الإرشاد إلى المعارف إثر ما أعلن أن جزولة داخلة في حكم الأعراف و أنها خارجة عن نطاق الشريعة الإسلامية، فبينما كان أمس علماء الدين و الفقهاء ينظر إليهم باكبار و إجلال و احترام إذا بهم اليوم يضطهدون و ينبذون و يتنكبون كما تتنكب الجربى” (5)
فإذا كانت حركة التعليم الشرعي الاسلامي و بناء المدارس العتيقة قد عمت ربوع سوس، حتى نافست حواضر العلم المعروفة، فإن هذه الحركة ما فتئت أن تراجعت و خبا شعاع نورها، فسوس كما أخبر المختار السوسي :” دب إليه الفتور العام الذي دب إلى جميع المغرب، بعدما ولى صدر هذا القرن بعد 1311ه (1893م)فلم يصل 1330 ه(1912م)حتى تضاءلت المدارس جدا و ضعفت الهمم ضعفا عظيما، ثم جاءت أهوال يعرفها كل أحد من جراء الاحتلال، زلزلت القلوب، فلم يكد يصل 1345ه(1927م) حتى قلت جدا المدارس العامرة، ثم جاءت المسغبة التي وقعت في هذه السنة و في التي بعدها فأتت على الباقي، فانقضى كل شيء، و قدر مع ذلك وفاة كبار العلماء، ثم سرى ما سرى في كل أطوار الحياة المغربية، فتأثرت مجالس دراسة العلوم غاية التأثر، فلم تدخل سنوات 1350ه(1932م) حتى لا تكاد تجد مدرسة عامرة العمارة المعهودة ” (6)
و هكذا يظهر مدى التهميش الذي تعرض له التعليم الديني العربي و رجاله و طلبته في عهد الاستعمار الفرنسي الذي جعل من أهدافه القضاء على الثقافة المحلية الأصيلة و اجتثاث جذورها و تشجيع التعليم العصري القائم على اللغة الفرنسية. و قد استمر هذا التوجه الاقصائي لكل ما هو أصيل لفترة ما بعد الاحتلال، لولا جهود قوى المجتمع من علماء و تجار و جمعيات التي لها الفضل في بقاء التعليم العتيق.
ثالثا: مرحلة النهوض وإثبات الذات
يرجع الفضل في استمرار التعليم العتيق في هذه الفترة ، التي تمتد من 1956م إلى وقتنا هذا، إلى جهود السوسيين من علماء و تجار و سكان، يجمعهم حب القرآن الكريم و تعلم الفقه و اللغة. و هكذا قام علماء سوس بتأسيس”جمعية علماء سوس” بمراكش سنة 1953م، و التي كان من أهدافها ” العمل على خلق نهضة علمية في مدن سوس و قراها و نشر التعليم و اللغة العربية” (7)
و هكذا سعى علماء سوس من خلال هذا الإطار التنظيمي إلى رد الاعتبار للتعليم العتيق بسوس توجت في 1959م بتأسيس “المعهد الاسلامي بتارودانت”، الذي تم تمويله من طرف تجار سوس المحبين للعلم و العلماء. حيث تبرع أحد التجار بالأرض التي أقيم عليها المعهد، كما تم فتح فروع له في مدن عديدة، و قد حكى المتوكل عمر الساحلي عن بداية فكرة إحياء التعليم بسوس، “والذي كان المعهد الاسلامي بتارودانت قاعدة من قواعد المواجهة الصادقة ضد الفرنسة و ضد المحاولات التي تريد طمس الوجود الثقافي و الحضاري لتراثنا العربي الاسلامي” (8)
و رغم جميع العراقيل و الصعوبات ظل التعليم العتيق محافظا على مكانته، منافحا عن العلوم الشرعية و اللغة العربية رغم ما استجد من انصراف الناس إلى التعليم العصري و هيمنة” التيار المفرنس”، حيث ظلت بعض المدارس، التي تتلقى الإعانات من المحسنين و القبائل، تخرج فقهاء و علماء يرشدون الناس و يؤمونهم في المساجد، و يعتلون المنابر.”و هكذا فرضت المدارس العلمية العتيقة نفسها من جديد بفضل ارتباطها بالمجتمع و حاجته الشديدة إليها و بفضل جد أساتذتها و اجتهادهم و صبرهم” (9)
و ظل هذا القطاع التعليمي الحيوي و الشعبي على حاله حتى تقرر ادماجه في منظومة التعليم سنة 2002م بإحداث مديرية للتعليم العتيق تابعة لوزارة الأوقاف و الشؤون الاسلامية، و بهذا الإجراء تمت مأسسة التعليم العتيق، كما تم قبله مأسسة حركة العلماء بإحداث “المجلس العلمي الأعلى”سنة 1981م، لينخرط جل علماء سوس في المجالس العلمية الإقليمية.
و ختاما:
تجدر الإشارة إلى أن بقاء المدارس العتيقة و استمرار التعليم الديني العربي بربوع سوس يرجع بالدرجة الأولى إلى رغبة السكان و القبائل الذين يجلون القرآن الكريم و لغته العربية، فالشعور الديني الأصيل لدى السوسيين و إجلالهم لحملة القرآن و طلاب العلوم دفعهم للعناية بالمدارس العتيقة و توفير المؤن لطلابها و روادها و تأسيس جمعيات لهذا الغرض. و يستمد التعليم العتيق هذا التقدير و الاحترام من الأدوار التربوية و التعليمية و الجهادية و الإجتماعية التي يضطلع بها في وسط المجتمع. لكن السؤال المطروح هو هل سيحافظ هذا التعليم على أدواره تلك في ظل المأسسة و التوجيه الذي تعرض له؟
و في الأخير ،لولا الرياح العاتية الهوجاء، لكان لسفينة التعليم العتيق دور بارز في النهضة العلمية للوطن بنشر اللغة العربية و محاربة الأمية و ارشاد الناس إلى القيم الأخلاقية و توجيه الشباب للإصلاح و البناء، ولكن رغم كل هذه الصعاب فمازالت أرض سوس تزخر بمدارس علمية تخرج حملة القرآن وطلبة العلم.
المراجع:
- المهدي بن محمد السعيدي، المدارس العتيقة و إشعاعها الأدبي و العلمي بالمغرب، ط 2006، ص 45.
- المختار السوسي، سوس العالمة،ط 1960، ص30.
- نفسه ،ص 21.
- المدارس العتيقة و إشعاعها الأدبي والعلمي بالمغرب ص 53.
- المختار السوسي، المعسول، ج 2،ص 124.
- سوس العالمة، ص 57.
- المتوكل عمر المتوكل عمر الساحلي، المعهد الإسلامي بتارودانت و المدارس العلمية العتيقة بسوس، ط 1990، ج 1،ص 64.
- نفسه ، ج 1،ص 21.
- المدارس العتيقة و إشعاعها الأدبي و العلمي بالمغرب،ص 73..