منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

تكتكات (قصة قصيرة)

تكتكات (قصة قصيرة)/ فيحاء نابلسي

0

تكتكات (قصة قصيرة)

بقلم: فيحاء نابلسي

_ ” قديمة جداً هذه الساعة!
_ نعم !
_ عمرها أكثر من نصف قرن على ما يبدو لي!
_ ربما.
_ تحتاج تبديل المكنة، مكان البطاريّة متآكل بالصدأ.
_ ..
لم يكن حديثاً، كان حبلاً يحاولُ تسلقهُ خارجاً من جُبِّ عزلته إلى حافّة الحياة.
يقال أنّنا نعي ذواتنا من خلال وعي الأخرين بنا، نحتاج لأحد يبصرنا لنشعر بوجودنا، نحتاجُ لتقفّي وقع كلماتنا على ملامح من نحدّثه لنتيقّنَ بأنّنا حقيقة وليس وهماً!
_هذا النوع من المكنات لم يعد موجوداً، سأضع لها مكنة مختلفة.
_ لا بأس .
_ ولكن سنضطر لإزالة اللوح الزجاجي، سيعيق حركة عقرب الدقائق .
_ لا مشكلة.
_ وسنزيل عقرب الثواني .
_ آه! عادي، لا داع لإصلاحها إذا كان الأمر صعباً.
_ لا أبداً، ليس صعباً.
_ جيّد، هي فعلاً قديمة، لا أدري لم خطر لي أن أصلحها ، لم أجد شيئاً آخر يمكننني إصلاحه!
_ لم يعد أحد يهتم بالساعات. نتفقّد جوالاتنا لمعرفة الوقت.
_ صحيح، ولكن الجوّال لا يتكتك, يسرق وقتنا بصمت.
_ هههه، ستمشي عقاربها مجدداً و تكتك.
_ جيّد, سيكون أمراً رائعاً أن نرى شيئاً يسير في هذه البلد.
_ تحتاج بعض الوقت، يمكنك الجلوس قليلا.
جلتُ ببصري في أرجاء المكان، المحل يبدو ككهف مستحاثات آلية، شاشات تلفاز وحواسيب ذات الدماغ الكبير، ساعات خشبيّة لها بندول يتأرجح بإيقاع رتيب، دراجة بلا مقود، وأشياء أخرى ملقاة فوق بعضها، يصعب تبيّن حقيقتها، الفسحة المتبقيّة في المحل كانت تكفيه هو فقط ليتحرك على مهل كرقاص ساعة منهكة. لم يكن الانتظار هنا خياراً أفضل.
_ سأقضي بض حوائجي في السوق وأعود.
_ تجدينها جاهزة.
لم تكن لديّ أي حوائج ولكن السير في الطريق أخفُّ وطأة من المكوث بين تلك الكراكيب وتنشّق غبارها.
أسير وجهة الجنوب، على يساري قصر البيك الذي أغارت عليه البنايات البرجيّة فغدا كسلحفاة غفت في قوقعتها. على يميني المنشيّة التي لم تعد منشيّة!
أتابع سيري إلى دوّار المشبكّة، وها هي الساعة مازالت على الثانية، لا أحد يدري متى توقفتً، ربما أنها لم تجد داعٍ للحركة وحالنا واقفٌ خمسين سنة ونيفا, أتساءل إن كانت قد أكملت أي دورة منذ تركيبها ؟
تحدّثني نفسي أن أتسلّق عمودها لأحرّك العقارب الغافية ! يشير لي عمودها الأملس إلى صعوبة الفكرة.
أحدّقُ بها لثوانٍ، تُخيّلُ لي كعملاقٍ يُطلُ من علٍ، يتأمّلُ دوّامة البشر المستنفرة في كل اتجاه، يسخر من لهاثهم المحموم، يقهقه من عجلتهم، كمن يضحكُ من رجلٍ يركضُ في مكانه لا يبرح موطأ قدميه.
أعودُ أدراجي إلى محل تصليح الساعات، أجدُ صاحب المحل يحملُ الساعة مبتسماً
_ ها ! اسمعي
تك تك تك
_ لقد عادت إلى الحياة.
_ جميل.
يتابع تسلّق حبل الوعي الأثيري:
_ عليك تفقّد البطارية من وقت لأخر. البطاريّة الرديئة يسيل منها صدأ يعطّل المكنة.
_ نعم.
_ الأفضل اختيار بطاريات عالية الجودة.
_ بإذن الله.
_ عندما تضعي البطارية في المكنة أدخلي جهة الموجب أولاً ثمّ ادفعيها برفق لتركب مكانها.
_ نعم . نعم. شكراً لك .
أحملُ ساعتي وأُقفلُ راجعة إلى البيت، أتلمّس الساعة في الكيس، أخرجها قليلاً وأقرّبها من أذني، أنصتُ لتكتكتها الخافتة، يراودني استبشارٌ بأفقٍ قريب، فجأة يتعالى صوت التكتكة، تصبحُ كوقع حوافر خيلٍ عادية، أدُسُّ يدي في الكيس أنزعُ البطاريّة، لا يتوقّفُ الصوت، يدوي كطلقات بنادق، كانفجار قذائف مدافع تدّكُ حصوناً غافية. أُسرعُ الخطى متجاوزة مبنى المحافظة، يعلو الصوت أكثر وأكثر يصبح دويّ رعدٍ يملأ الأفق.
أحضنُ ساعتي بقوّة وأجري، ألمحُ نوافذ البيوتِ تُفتح، ورؤوس تظهر خارجها تستطلعُ الخبر!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.