الشّوك والعسكر (قصّة قصيرة)
الشّوك والعسكر (قصّة قصيرة)/ عبد الهادي المهادي
الشّوك والعسكر (قصّة قصيرة)
بقلم: عبد الهادي المهادي
بقلم: عبد الهادي المهادي
( تنويه: حكاية حقيقية، اسم الشيخ الصوفي ـ السي عبد القادر ـ واسم قريته ـ غدير الدّفله ـ حقيقيان، بينما غيّرتُ أسماء باقي الأشخاص ـ الشّاب مرتضى والشيخ النوري ـ ولم أفعل ـ بعد ذلك ـ سوى أن أضفتُ بعض التّوشيات الأدبية والفنية حتى أنقلها من الواقع إلى الأدب.)
في المساء، وبعد أن صلّى المغرب، ذهب مُرتضى إلى أصدقائه في الموعد المُتّفق عليه لكي يتابعوا تداريبهم على الأغاني التي سيشاركون بها في المهرجان الذي سيُنظّمُ في مدينتهم بعد شهر. هذا الفجر كان قد حسمَ أمرا شغل باله منذ شهور، وسيصعب عليه أن يشرح لهم أسبابه وحيثياته، لذلك انطلق إليهم من أجل توديعهم فقط، ولن يهتمّ أبدا بأسئلتهم واستعطافهم لأنّه يدري بأنّ قضيّته أصعب وأعقد من أن يفهموها. لقد خبرهم جيّدا؛ فما يهمّهم هي الكلمات والألحان، أمّا ما يشتعل في داخله من هموم ومشاغل فهم أبعد النّاس عنها؛ بدؤوا، منذ ثلاث سنوات، بتقليد “ناس الغيوان” والمشاهب” و”جيل جيلالة”، وانتهوا الآن بالتدريب على الأغاني الشعبية بهدف إحياء الأعراس وتنشيطها، لقد اكتشفوا أن هذا الطريق مدرّ للمال الذي كانوا في أمسّ الحاجة إليه.
دخل عليهم بوجه لم يتعوّدوه منه؛ كانت الحيرة بارزة على محيّاه، فوجهه ـ كما قال له معاذ ـ بدا مشدودا خاليا من تلك الابتسامة التي ألفوها أثناء دخوله، والتي سرعان ما كانت تتحوّل إلى ضحكة فقهقهة. سلّم عليهم ببرودة، ثم ما لبث أن رمى إليهم بالخبر بدون أية مقدّمات:
ـ “سوف أنقطع عن الانتساب للمجموعة”: قال لهم بهدوء دون أن يرفع عينيه إليهم، قبل أن يضيف بقوّة وحسم وهو ينظر إلى معاذ: “وهذا قرار نهائي، وأرجو أن لا يسألني أحد عن الأسباب، لأنّ هذا الأمر يخصّني ولا علاقة لكم به”.
لقد فكّر جيّدا في هذا الأسلوب، أراد من خلاله أن يصدمهم، وأن يجعلهم يبتعدون عنه، فالطّريق التي اختارها تقتضي القطع معهم ومع عالمهم. لقد تطوّرت ملكاته الغنائية والتلحينية حتى غدا العضو الأهم في الفرقة، وكان يدري بأنّهم لن يفرّطوا فيه، وسيعملون جهدهم كي يقنعوه بالعدول عن قراره، فلم يمنحهم تلك الفرصة.
صافحهم الواحد تلو الآخر، وغادرهم تاركا إيّاهم غارقين في برودة وصدمة. فيما بعد، وبعد سنوات، سيقرأ عند أحد أهل التربية، أنّ أوّل ما ينبغي على “التّائب” فعله أنْ يقطع مع أصدقائه، خاصة إن كانوا سيّئين، ثمّ يعود إليهم بعد أن تثبت قدمه في عالم العبادة؛ يعود إليهم صاحبا ناصحا.
في الصّباح، بُعيد الفجر، انطلق نحو قرية “غدير الـدّْفْـلَـه”، حيث يوجد المقرّ الرئيسي للزاوية العجيبية؛ لقد قرّر الانتسابَ إليها، وأخذَ الورد عن شيخها السي عبد القادر. أحد روّاد محلّه التجاري دلّه على هذا الطريق وأقنعه بتجريبه بعد أن لاحظ حيرته واستمع لبعض أسئلته. لم يكن يهتم بحالة الحافلة المهترئة ولا بالسّرعة التي تسير بها، كان مشغولا بالتّسبيح والدّعاء أن يوفّقه الله تعالى إلى الخير الذي هو ذاهب إلى البحث عنه.
نزل في ملتقى الطريق الذي يؤدّي أحدها إلى قرية مْلوسَة، فقد كانت الحافلة متوجّهة إلى مدينة تطوان، لم تكن الزّاوية بعيدة كثيرة، فانطلق يمشي نحوها في هدوء. كان الفصل بداية الرّبيع، والأرض تُبشّر بجمال تعوّده أهل هذه الأرجاء. حينما لاحت له بنايات القرية بلونها الأبيض النّاصع المزيّن بالأزرق النّيلي هطلت عليه زخّة مطريّة قويّة، لم يسرع ولم يبحث عن شيء يحتمي تحته؛ فقد كان وسط العراء. وعندما وصل إلى أوّل بيت كان يبدو كمن خرج توّا من بئر سقط فيه.
سريعا وجد من اقتاده إلى الزاوية بعد أن عرفوا مقصده. منحوه بعض اللباس وجلبابا صوفيا، ثمّ جلس يحتسي شايا دافئا في انتظار قدوم الشّيخ. كان في حالة وجوم، ولم تنفع معه كلّ محاولات “فقراء الزاوية” لإخراجه من إطراقته، واعتذر عن تناول أيّ شيء آخر رغم كلّ إلحاحهم الشديد. وحينما انتبه إلى صوت عصافير صغيرة في عشّ يوجد في أحد الأركان قيل له بأنّها حديثة الولادة، وهي الآن تترقّب عودة أمها لإطعامها.
ظهر الشيخ أخيرا، كان طاعنا في السّن، أقبل يتّكئ على عصا خشبية عتيقة، يرتدي جلبابا صوفيا أبيض مخطّطا، وتتدلّى من عنقه سبحة كبيرة، بدا لمرتضى مهيبا رغم بساطة سمته. أسرع “الفقراء” إلى تقبيل كتفه ويده، وحينما جاء دوره ابتسم إليه ورفض أن يمنحه يده لتقبيلها فقبّل رأسه.
سارع “الفقراء” للمغادر، ولم يبق في المكان سواهما. طال حديثهما؛ كان مرتضى يحكي له عن نفسه وعن تقلّباته وهواجسه، وحينما عرف الشّيخ مراده صمت طويلا، ثمّ قال له:
ـ أوْليدي، حْنا غِـيـرْ دْراوْشْ، ماعَـنْـدْنا ما نْعْطِـيـوَكْ غِـيـرْ المْحَبّه، ولكن عُدْ إلى بيتك واستخر الله تعالى، والأمر كلّه بيد سُبحانه.
عندما خرج معه لتشييعه نظر مرتضى لأوّل مرّة في وجه الشيخ مباشرة متحاشيا أن تلتقي نظراتهما فأحسّ في قلبه بارتياح شديد؛ لقد اطمأنّ إليه وأحبّه.
لم تمر سوى أيام قليلة حتى عاد مرتضى إلى الزّاوية. كلّ مَن التقى به من “فقراء” الزاوية عرف ذلك الصّباح أنّه قدم إليهم بقلب ملتهب. لم تخنهم فراستهم؛ فقد جاء يحمل رؤيا يريد أن يعرضها على الشّيخ.
جثا أمام الرّجل الكبير وشرع يروي له ما رآه، قال له: رأيتُ ـ يا سيّدي ـ وكأنّني في حقل واسع جدا من الشّوك، وأنت ـ سيّدي ـ كنت تسير بهدوء حافيَ القدمين على مسافة أمامي، بينما كنتُ أمشي خلفك وأنا أنتعل حذاءَ جلديّا، يشبه ذلك الذي ينتعله الجنود”.
أطرق الشيخ هنيهة، ثمّ رفع رأسه إليه وقال له وهو يربّت على كتفه: السي المرتضى، انْـتـينَـا لَابْسْ البـْروذْكـانْ، واحْـنا مااااشِ عَـسْـكَـرْ”. صمت قليلا قبل أن يتابع: “ولكن شـوف واحْدْ الرّاجْـلْ فمدينة سلا إسْمُو الشّيخ النّوري، هو كَـيْـفْـتّـشْ على العسكر”.
وهو يغادر، استيقن مرتضى بأنّ حاجته ليست هنا، حالة ما تقمّصته وجعلته في اطمئنان إلى نفثها، وبينما هو يقبّل كتفي الشيخ سأله: وكيف أجد الشيخ النّوري؟
ـ اِسأل تَجِدْ أوْلِيدي، مَن أوصلك إلينا سيوصلك إليه إن استيقن صدقَـك.
حينما ظهرت الطريق الرئيسية أمام مرتضى غزاه شعور غريب، شعور لم يجد له وصفا غير كلمة “الاقتحام” التي كان قد تلاها في مصحفه هذا الصباح، فقرّر أن يقطع المسافة إلى مدينته مشيا، فهو يحتاج إلى زمن يفكّر فيه أثناء المشي كما تعوّد في كلّ اللحظات المهمة في حياته.