مدرسة الثلاثون يوما
بقلم: د.فاطمة سويطط
شهر اختاره الله تعالى أن يكون عقد ألماس يزين العام الهجري كما تزين الحلي الجواهر النفيسة، إنه شهر رمضان عيد السنة بالنسبة للمسلمين، كما أن الجمعة عيد الأسبوع. هو شهر البركات والخيرات والتوبة وتجديد الصلح مع الله، وطلب غفرانه وإحسانه وعِتْق الرقاب من النار، عقد يتكون من ثلاثين حبة ألماس يتخلله فص يضفي عليه رونقا وجمالا.
في هذه الأسطر سأتحدث عن أهم ما يستفاد من مدرسة الصيام، وإلا ففوائده وإيجابياته كثيرة ومتنوعة.
النية: أول حبة فيه، نية صادقة خالصة لأداء فرض وركن من أركان الإسلام لا يكتمل إسلام المرء إلا به. وبتجددها يتجدد العهد مع الله تعالى.
الطهارة: طهارة باطنية تفعل فعلها في نفس الصائم فيتجنب كل أنواع الرذائل والفواحش ليسود نوع من السلم والسلام بين أفراد المجتمع.
التزكية: الصوم تدريب وتهذيب حيث تتدرب النفس البشرية على تغيير عاداتها وسلوكياتها ولجعلها عبادة وقربة إلى الخالق سبحانه.
التقوى: فبالصوم يقى المرء على نفسه أن يكون كالحيوان الذي شريعته معدته، يتقي ما بين يديه وما خلفه يقول الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾[1] والصائم يريد بصومه القربى والزيادة، ويرجو الأجر الذي تكفل الله تعالى به وحده.
الإحسان: غياب المؤثرات الخارجية من مردة الجن والشياطين التي تغل في شهر الصيام، يساعد الصائم على الإحسان في معاملاته وفي عبادته وفي علاقاته. فيعبد الله تعالى كأنه يراه، ويتجنب الوقوع في اللمم.
الرحمة: تتجلى الرحمة في شهر الصيام في أبهى تجلياتها، حيث يرق القلب وتهفو النفس لمد يد العون، وتفريج الكرب عن المحتاجين، والصوم إذ يمنع الغذاء وما والاه عن البطن وحواشيه مدة تنتهي بقرب انتهاء طاقة الصائم تزيد من رقة قلبه؛ فتغمر الرحمة النفس.
الاطمئنان: ارتباط شهر رمضان بالقرآن الكريم تلاوة وتدبرا يدخل الطمأنينة إلى النفوس، فالصيام يعتبر مصدر طاقة إيجابية يضفي على النفوس الراحة والسكنة والاطمئنان.
الصبر: فالصوم يعلم الصبر على الجوع والعطش والأذى ومتاعب الحياة اليومية، ويقوي ملكة التحمل احتسابا للأجر، وطلبا لما عند الله.
المواساة: الصوم مدرسة الإيخاء والمواساة، ففيه تظهر إنسانية المرء فيتقاسم اللقمة مع غيره بنفس راضية ومحتسبة، وبذلك يتساوى فيه الغني والفقير في الإحساس بالضعف البشري، وبالافتقار إلى الله عز وجل، فيتنافس الجميع في الصدقة والبذل.
الإرادة: في رمضان يتدرب الصائم على منع إرادته واختياره الحد من شهواته ولذة حيوانيته، ويصر على ذلك بعزيمة قوية تطمح إلى جعل رمضان منحة ربانية لتغيير ما بالنفس.
كسر النفس: الصوم يضع حدا لميولات النفس، ويسكر عاداتها السيئة، ويحد من رغباتها الجامحة التي تجعل الصائم في جهاد دائم مع نفسه، لأنه يعلم أنها أمارة بالسوء، إلا من رحم الله عز وجل.
الصحة: فهو شهر صحة بامتياز إذ يمثل منعطفا مهماً وإيجابياً في حياة الصائم وصحة جهازه الهضمي، وقد يفرضه الطب في بعض الأوقات للراحة وتغيير المعيشة، لإحداث الترميم العصبي في الجسم، قول صلى الله عليه وسلم: ” صوموا تصجوا”
ضبط الشهوات: الصوم وجاء كما جاء في الحديث الشريف، وهو يساعد على كبح شهوات النفس ويقلل من تأثيراتها السلبية، ويعمل على ضبط نمط الحياة.
صفاء السريرة: الصيام يقوم بتنقية سريرة الصائم من كل الشوائب التي من شأنها تعكير صفو نهاره، بحيث يتجنب فضول الكلام والخوض في ما لا يفيد، والابتعاد عن أمراض القلب من زور وسب وشتم وغضب. قال ﷺ: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ»[2]
المغفرة: هو شهر الغفران لمن صام إيمانا واحتسابا وتورعا، ولمن حضي بقيام ليلة القدر المباركة، وهي أغلى ما يتمنى الصائم الفوز بها، امتثالا لقوله: ﷺ: « مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَمَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»[3]
الحرية: فالصوم يحرر المرء من عبودية جوارحه وشهواته، لينطلق باحثا عن أبواب التوبة والإنابة.
الثبات: من أهم دروس الصيام الثبات على الصراط المستقيم، وتعويد النفس الأمارة بالسوء على السير قدما نحو الالتزام بتعاليم الدين الحنيف.
ويبقى الصيام مدرسة تربوية تغييرية اجتماعية إنسانية عامة؛ تتجدد كل عام ليتقي بها الصائم شرور نفسه؛ ويجلب كل منفعة وفضيلة يزكي بها نفسه، ويساهم في بناء مجتمع أخوي متين يقوم على أساس التعاون على البر والتقوى.
[1] – البقرة: 184.
[2] – أخرجه البخاري، كتاب الصوم.
[3] – أخرجه البخاري ، كتاب الصوم.